10:15 am 18 أبريل 2019

الصوت العالي أهم الأخبار

نتائج بيرزيت.. فتح ليست قوية

نتائج بيرزيت.. فتح ليست قوية

شكلت انتخابات بيرزيت مقياسا مهما لرأي الشارع في الضفة الغربية، ويمكن تعمميه كأداة قياس على رأي الجمهور الفلسطيني في الضفة وغزة، وهو  الجمهور المعني بالصراع السياسي على البرامج السياسية التي تحملها الفصائل الفلسطينية.


وفي الخلاف السياسي والمأزق الفلسطيني الراهن، هناك فئة ارتفع صوتها بشكل قوي أن مشروع المقاومة داخل فلسطين هو في مأزق بدءا من منظور  غياب قدرة مشروع المقاومة الذاتية على مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تمارسها دولة الاحتلال بالتعاون مع السلطة في الضفة، انتهاء بالمراهنة على أن هناك مشروع أسهل لنيل الحقوق الوطنية عبر المفاوضات. وعلى الرغم من مظهر السيطرة الذي تحاول اظهاره السلطة في مواجهة قطاع غزة بفرض عقوبات، لكن هذا المظهر السلطوي في القدرة على معاقبة قطاع غزة ليس سببه القوة الذاتية لمشروع السلطة وأوسلو، فهذا المشروع من حيث أبجديات السلطة والسيطرة والقوة الذاتية مشوه، ويستمد قوته في القدرة على معاقبة غزة من اتفاقيات وقعها مع الاحتلال لولادة هذا المشروع بالإضافة لرغبة منظومة إقليمية  اسقاط خيار المقاومة في غزة.


وعلى الرغم من متسلسلة التحليل المنطقي التي ترفع في وجه مشروع المقاومة في غزة من نقاط الضعف والقوة، لكن هذه المتسلسلة المنطقية لا يتم رفعها في وجه مشروع التسوية مع غياب عوامل القوة الذاتية والتي تنحصر في 3 أمور " قوة عسكرية، اقتصادية، وقوة جغرافيا سياسية".


وفي التفصيل فإن القوة العسكرية للسلطة مرهونة بالتنسيق والاتفاقيات الأمنية الموقعة،  وهي لا تستطيع حماية مواطن فلسطيني يتم اعتقاله من داخل بيته على يد قوات الاحتلال، في حين أن القوة الاقتصادية يمكن تشخيص حالتها بأنه لا يوجد هناك اقتصاد فلسطيني يمتلك أي مقومات الاستقلال، فالعملة المتداولة في السوق "الشيكل الإسرائيلي"، وعمليا إذا قرر البنك المركزي "الإسرائيلي" وقف تدفق العملة على السوق الفلسطينية فإن الناس سيعودون لقبل " 1400 عام" في الشراء والبيع عبر تبادل السلع.


في قوة الجغرافيا السياسية وهي الأهم، يتخوف الاحتلال من تحول جغرافية الضفة لحالة أمنية مقلقة ويصنفها الاحتلال بالخاصرة الرخوة، التخوف من القلق ليس نابع من مشروع السلطة بل من تحول الكتلة السكانية في توجهاتها نحو مشروع المقاومة،  والاستعداد لبدء مرحلة نضالية جديدة من أجل الحصول على الاستقلال والدولة، ولمواجهة الخوف من الجغرافيا السياسية النابع من التكتل الديموغرافي الذي يصل لـ 3 ملايين فلسطيني، انتهجت سلطات الاحتلال مسارات عدة في التقليل من خطر الديموغرافيا على كيانها.


أولا: السيطرة على النمو الديموغرافي داخل الضفة، وذلك عبر مشاريع تحديد الإنجاب وعمليات تثقيف واسعة قامت بها مؤسسات أوروبية من أجل تنظيم عملية الإنجاب وهو ما أدى الى انخفاض متوسط الانجاب لدى العائلة الفلسطينية في الضفة تقريبا للنصف منذ العام 1994. توازت عملية التثقيف مع توفير أدوات منع الحمل بطرق مجانية لاستخدامها .


البعد الاقتصادي في التحكم بالديموغرافيا: وذلك عبر ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، وهو ما أدى لرفع الأسعار في السوق الفلسطينية ورفع تكلفة المعيشة التي تحتاجها الأسر الفلسطينية، مع غياب سياسة الإنتاج الذاتي والسياسة التي يتبعها الاحتلال لضرب كل مفاصل الإنتاج في الاقتصاد الفلسطيني، وهو ما يدفع المنتجين للتخلي عن الإنتاج والذهاب نحو الاستيراد من السوق الإسرائيلية خاصة في منتجات الغذائية والزراعية.


نسب البطالة العالية:


قد يكون الحل الأمثل للتحكم في الديموغرافيا هو رفع نسب البطالة مما يدفع الكفاءات وخريجي الجامعات نحو الهجرة للبحث عن عمل، ومع العجز البنيوي للاقتصاد الفلسطيني وقدرته على وضع خطط تطويرية والاستفادة من الإمكانات والمقدرات للأرض والجغرافيا، فإن نسب البطالة المرتفعة تدفع المواطنين الفلسطينيين نحو الهجرة والخروج للعمل خارج فلسطين، وهذا الدفع الممنهج ليس وليد اللحظة، فهو ضمن خطة السلام الاقتصادي التي عملت "إسرائيل" على ترسيخها والتي سيكون الخليج جزاء منها باستيعاب ألاف العمال الفلسطينيين العاطلين عن العمل، لكن شكل الاستيعاب لم يتم تحديده، وذلك أن تلك  المنظومة من الدول ترفض التعامل مع الهوية الفلسطينية والسماح للفلسطيني بدخول دول الخليج اذا كان يحمل جوازه الفلسطيني ويكون الاشتراط بحمل الجواز الأردني.


وهو ما يعني أن الجهة السياسية المسؤولة عن الفلسطينيين من وجهة نظر دول الخليج هي الأردن، وعلى الرغم من أن كثير من دول العالم تسمح للفلسطينيين بدخولها عبر جوازات السفر الفلسطينية لكن هذه الدول لم تسمح للفلسطينيين من حملة جواز السفر الفلسطيني بدخولها والاستثناء إن حصل للفلسطينيين من قطاع غزة لأنهم لا يستطيعون الحصول على جواز سفر غير الفلسطيني.


في ظل المأزق المركب الذي يعيشه مشروع التسوية والسلطة القائمة عليه، وفقدانها لكثير من مظاهر السلطة وغياب الأفق أمام المواطن في الضفة والأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المواطن الفلسطيني، وحالة الملاحقة للإنسان الفلسطيني في الضفة الذي يخسر أرضه أمام عينيه، ولتوضيح سيريالية المشهد فإنه في لحظات يأتي مستوطن قادم من الولايات المتحدة ويقوم بالسيطرة على أي قطعة أرض يريدها  من أراض الضفة بدون مقدمات،  ولا يحتاج أكثر من سلك شائك يضعه في محيط الأرض لتصبح ملكا له، في ظل كل ما تقدم فإن السلطة التي تقودها حركة فتح لم يعد لها دور سوى الاستقواء على الإنسان الفلسطيني في الضفة وغزة.


ما أظهرته نتائج انتخابات بيرزيت أن فتح ليست قوية ، وأن الجمهور الفلسطيني لم يعد يراهن  عليها ولا على مشروعها السياسي  الذي أصبح دوره الاستقواء على الإنسان الفلسطيني.


فمع غياب أي شكل من أشكال السلطة لحركة حماس في الضفة، وغياب بنيتها التنظيمية في الضفة، ومن أدار حملة الكتلة الانتخابية طلاب جامعات في مواجهة منظومة كاملة لفتح أدارت الحالة من بينها إقليمها في مدينة رام الله ومسؤوليها في قرى المدينة والأجهزة الأمنية، لكن النتيجة بالمعنى المعنوي مؤثرة وكبيرة على أن فتح تتراجع وليست قوية، وأن مظهر القوة الجوفاء التي حاولت الظهور بها ليست مغرية للشارع الفلسطيني، خاصة أنها لا تستطيع الإجابة على سؤال واحد مصيري للإنسان الفلسطيني في الحفاظ على الأرض أو الهوية أو الحالة الاقتصادية التي يعيشها.


وعلى الرغم من حالة الضعف الظاهرية لمشروع المقاومة، لكن هذا المشروع أثبت جاذبيته لما يمتلكه من عناد سياسي ليس من أجل العناد والتضحية، لكن العناد السياسي في القضايا الوطنية ضرورة، وهو ما امتلكته المقاومة في غزة.


لقد ارتكزت الكتلة الإسلامية في دعايتها على مشروع المقاومة في غزة، وهو مشروع أكثر مشروعية ببعده الوطني، كما أنه اليوم يواصل طريقه الصعب في مرحلة إثبات مسار فلسطيني جديد يمتلك القوة ليدافع عن الحقوق الفلسطينية، على العكس من حركة فتح التي وضعت كل شيء بيد المنظومة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما جعل الحقوق في مهب الريح لنصل لمرحلة بقرار من "ترامب " يتم منح القدس للاحتلال، وقريبا سيعترف ترامب بضم "إسرائيل" للضفة،  في ظل عبثية الخيارات التي تقودها فتح فإن الجمهور الفلسطيني سيبقى خيار المقاومة والقوة يداعب مخيلته،  لأنه بدون القوة ستصبح هوية الإنسان وأرضه مرهونة لقرارات "ترامب" والمنظومة الدولية، وهو ما لم تستطع قوى عالمية فرضه على الفلسطيني في أكثر حالات ضعفه عندما كان لاجئا مشردا، واليوم تقوم السلطة التي تقودها حركة فتح بتمرير مشاريع التسوية وتغيير هوية الأرض عبر الشراكات الأمنية مع الاحتلال.