06:44 am 27 مايو 2019

الصوت العالي أهم الأخبار

عباس في غياهب التهميش

عباس في غياهب التهميش
يغرق محمود عباس أكثر فأكثر في غياهب النسيان والتهميش الأمريكي والإسرائيلي والعربي، فيما يبتعد هو عن المشهد الفلسطيني، تاركا ملف منظمة التحرير لصائب عريقات، وملف السلطة لمحمد اشتية، عضوا مركزية حركة فتح.

في الأشهر الأخيرة، يعتكف عباس في بيته، يتابع جدول أدويته، ويتلمس قواه التي تضعف شيئا فشيئا، تاركة خلفها تاريخا من الآثام والخطايا والجرائم الوطنية، التي أدت بتراكمها لأن يغيب عباس في الوقت الذي يجوب فيه الذئب الإسرائيلي مراعي القدس والضفة شرقا وغربا، مستقويا بالثور الأمريكي للانقضاض على مزيد من غنم "الراعي الهزيل".

مصدر مقرب من أبو مازن يصف لـ"الشاهد" غيابه الطويل عن مكتبه في مقر المقاطعة الذي لا يصله إلا نادرا ولدقائق معدودة، كما يغيب بشكل لافت عن اللقاءات القيادية، حيث غاب عن آخر ثلاث اجتماعات لمركزية حركة فتح على الأقل، والتي خففت الغياب بعدم ذكر رئيس الجلسة في بيانها، بخلاف المعتاد، وأسمتها اجتماعا تشاوريا، وعمدت إلى عقدها في مقر هيئة التعبئة والتنظيم بدلا من المقاطعة في رام الله.

وكما في مركزية فتح، غاب عباس عن لقاءات اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، التي تجتمع على خجل، وهي التي أصبحت مهمشة في زمنه لدرجة أن بعض أعضائها يخجلون من أنفسهم أمام أحزابهم.

فخلال 14 عاما من قيادة عباس للمنظمة، استطاع أن يروض أحزابها، ويهمش اللجنة إلى أبعد مدى، ليستدعيها بالريموت كونترول متى شاء، بل ويصدر البيانات والمواقف باسمها دون علمها، أو حتى استئذانها، ولا يتورع عن شتم أعضائها بأقظع الألفاظ، أو حتى أن يلقي بأحدهم إلى سجون الاحتلال، حتى يتأدب.

وفي الهيئتين القياديتين، مركزية فتح، وبدرجة أكبر تنفيذية المنظمة، يمسك عباس بكافة خيوط اللعبة، من حبل المعلومات إلى حبل اتخاذ القرارات، إلى حبل التمويل الذي يلفه على رقبة الأعضاء كالسوط، يشده متى أحب أن "يقرص" اذن أحدهم، إن عصى على بيت الطاعة العباسي.

أبو مازن الذي كان يحلو له استقبال المسؤولين والمبعوثين والدبلوماسيين، لم يعد يستقبل أحدا، وحتى زيارته الخارجية الوحيدة مؤخرا، والتي قصد فيها العاصمة القطرية الدوحة، لم تكن لأسباب سياسية، كما اعتقد البعض، بل جاءت لأسباب عائلية صرفة.



فالرجل ذو الثلاثة وثمانون عامًا، وصل الدوحة لمشاركة أبنائه وأحفاده -الذين يسكنون فيها- أجواء شهر رمضان المبارك، والتقى الأمير القطري، بلا أجندة حقيقة، حتى طلب القرض المالي الذي قدمه للدول العربية وبينها قطر لم يتم الاستجابة له.

وكما هو معتاد، يمر عباس في طريق خروج من الضفة أو العودة إليها، على العاهل الأردني في عمان، الذي وإن كان يبدى رفضا علنيا لصفقة القرن، وما تمثله من مخاطر على الوطن البديل، وتوطين الفلسطينيين في المملكة، إلا أن كل المصادر المطلعة تؤكد إذعانه للإرادة الصهيوأمريكية، في زمن ترمب الذي لا يرحم بسيف تغريداته.

يأتي ذلك التهميش والصمت العباسي، رغم أن المنطقة كلها تنشغل حاليا بشأن الموضوع الفلسطيني، حيث يعد بنيامين نتنياهو مع حليف دونالد ترمب، ورشة في البحرين بعد شهر واحد من الزمن، لجمع الأموال العربية لمحاولة شراء صمت الفلسطينيين على مخطط صفقة القرن، والتي يجري تنفيذها على أرض الواقع دون ضجيج كبير، فمشروع القدس الكبرى يقترب من الاكتمال، والضفة الغربية أصبحت مهيئة لإعلان ضمها للكيان الصهيوني، فيما قوة الفلسطينيين الوحيدة في غزة، محاصرة من كل الأطراف.

قد لا يكون غياب عباس مفاجأ للفاعلين على الساحة الفلسطينية والإقليمية والدولية، لكنه يأتي في أحلك الأوقات التي كان الجميع يراها رأي العين، ويسعى للاعداد لمواجهتها بوحدة وطنية ورؤية مشتركة، غير أن عباس كان يغرد وحيدا خارج السرب الوطني، ومزق بغبائه شبكة الأمان الوطنية في أشد الأوقات حاجة لها.