14:53 pm 22 مارس 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

سريالية فلسطينية: التطبيع في زمن «صفقة القرن»!

سريالية فلسطينية: التطبيع في زمن «صفقة القرن»!

كتب حيدر عيد/

لا غرابة في أن يعود سؤال التطبيع إلى الواجهة بقوة، مرة أخرى بعد الإعلان عن «صفقة القرن» التصفوية في واشنطن. فالصفقة تعتمد أساساً على قبول العالم العربي الرسمي بمشروع الاستعمار الاستيطاني على أرض فلسطين التاريخية، وما يعنيه ذلك من قبول تامّ بتجليات هذا المشروع من احتلال وتطهير عرقي ممنهج ونظام أبارثهيد، بل التمهيد العملي للتخلّص من الشعب الفلسطيني، إما من خلال حشر جزء منه في معازل عرقية ضيقة، وحشر جزء آخر في معسكرات اعتقال محكمة الإغلاق، أو عبر قبول البعض منه بمرتبة مواطنين/ ات من درجة ثالثة، ونسيان ما تبقّى في المنافي. كل ذلك يتطلّب انصياعاً كاملاً لعقلٍ مستعمَر يؤمن أنّ «الحوار بين الطرفين» غير المتكافئَين ممكن، بل ضروري، من أجل تحقيق «حلم الاستقلال» على جزء فسيفسائي من أرض فلسطين التاريخية.

 

تحقيق يتطلب بالضرورة عودة «الطرفَين» إلى مائدة المفاوضات. أي توفير ورقة التوت لما تمارسه إسرائيل من مصادرة آلاف الدونمات من أراضي الضفة الغربية، والاستمرار في بناء الجدار العنصري، وحصار غزة الإبادي، إضافة إلى القبول بيهودية الدولة والتخلّي طواعية عن حق عودة ملايين اللاجئين إلى القرى والمدن التي طهّروا منها عرقياً، وصولاً إلى التخلّي الكامل عن هوية الشعب الفلسطيني كشعب في تجسيد وقح لأسطورة عدم وجود شيء اسمه شعب فلسطيني.

 

أصبح من الواضح، الآن، أن «التنازلات» الفلسطينية المطلوبة، هي القبول ضمنياً بما تفعله إسرائيل على الأرض من تغيير للحقائق في ظل حكومة تميّزت بفاشية غير مسبوقة، وعنصرية تخطّت بمراحل نظام الأبارثهيد الجنوب أفريقي، الذي يرقد في مزابل التاريخ بسبب رفض القيادات الجنوب أفريقية والمجتمع الدولي القبول بأكثر مما يُقدم للطرف الفلسطيني.

 

على الرغم من خطورة كل ما سبق، تستمر اللقاءات العربية والفلسطينية مع الطرف الإسرائيلي. بل إن بعض الذين قاموا بهذه اللقاءات يجادلون في أنّ تعريف التطبيع لا ينطبق عليها، وأنها تأتي في إطار «الاشتباك» مع إسرائيل، ومحاولة التأثير على الرأي العام الذي يميل بشدة نحو اليمين والفاشية. بل إنّ البعض جادَل بأنّ ما يفصل «التطبيع» عن المقاومة هو شعرة.

 

ومن الطبيعي أن تُدلي اللجنة الوطنية ــــ القيادة الفلسطينية لحركة المقاطعة العالمية وأكبر تحالف لقوى واتحادات ومنظمات وشبكات المجتمع الفلسطيني ـــــ بدلوِها من خلال إدانة واضحة لهذه اللقاءات التي اعتبرتها تطبيعية. كذلك، دعت إلى «تصعيد الضغط الشعبي السلمي من أجل التنفيذ الفوري لقرارات المجلسَين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي الوحيد لشعبنا، الداعية لفكّ الارتباط مع الاحتلال». قامت اللجنة، أيضاً، بالتذكير بأنّ «التطبيع يتناقض جوهريّاً مع نضالنا من أجل التحرّر الوطني والعودة وتقرير المصير. ويعي شعبنا خطورة التطبيع كذلك كسلاحٍ يستخدمه المستعمِرون [بكسر الميم] لاستعمار عقول المستعمَرين [بفتح الميم] لتذويت الهزيمة والقبول بالاستعمار كقدر محتوم، وكجسر للتطبيع مع الأنظمة الاستبدادية العربية من المحيط إلى الخليج».

 

إن الوضع الراهن يتطلّب التذكير بأنّ فلسطين الآن، تختلف عن فلسطين التسعينيات. تمّ ترسيخ ثقافة مقاومة جديدة ـــــ قديمة، تأخذ في الاعتبار حقيقة واضحة وضوح الشمس، ألا وهي أننا في حالة اشتباك مستمر مع احتلال استيطاني ذي طبيعة عنصرية وإبادية في الوقت ذاته. بالإضافة إلى كلّ أشكال المقاومة الشعبية وغيرها، انطلقت حركة المقاطعة بشكل تدريجي ومتصاعد، حين شهد عام 2004 انطلاقة الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل. كما شهد عام 2005 صدور نداء مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها (BDS)، والذي يتمحور حوله إجماع فلسطيني غير مسبوق. ثمّ جاء عام 2007، ليكون عام الإعلان عن تأسيس اللجنة الوطنية للمقاطعة. وهنا، يكمن الفارق بين التسعينيات من القرن الماضي، وإنجازات القرن الحالي على صعيد المقاطعة، وهو أمر أصبح غنياً عن التعريف، إلا أنه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تسعينيات القرن الماضي، أيضاً، شهدت عقد «اتفاقية أوسلو»، التي مهّدت لصفقة 2020 التصفوية.