11:07 am 14 أبريل 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

متلازمة مدح النظام

متلازمة مدح النظام

الصحفي خالد سليم/

 

من لطائف ما يمكن أن تطالعه في الأدب العربي أن جريرًا والفرزدق لم يكونا هجّاءين فقط، وليس كل شعرهما ما قالاه في الخصومة الفظّة بينهما.

 

لقد كان جرير والفرزدق مدّاحين بارعين، ولكل منهما بيت لا يمكن لمن مرّ قرب الأدب العربي ألا يكون سمع بهما.

 

أما بيت جرير، فله بيت يعدّ أمدح بيت في الشعر العربي، وهو الذي يمدح فيه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان: "ألستم خير من ركب المطايا.. وأندى العالمين بطون راح". وأما بيت الفرزدق، فالذي مدح فيه الحسين بن علي في حضرة هشام بن عبد الملك في الحج: "هذا الذي تعرف البطحاء وطأته.. والبيت يعرفه والحل والحرم". ويمكن أن نضيف إلى الرجلين ثالثهما الأخطل، وصاحب اللسان الذي يقطر سمًّا بشار بن برد، وأبا نواس. ويتربع على رأس قائمة المديح في الأدب العربي، المتنبي، الشاعر الفارس، الذي مدح بلا توقف، كل من رآه.

 

وهؤلاء الشعراء، وغيرهم كثر، كانوا يراوحون بين المديح والهجاء، إما لاعتبارات الولاء الحقيقي نادرًا، أو لاعتبارات المنح والمنع غالبًا. لكنهم كانوا يمتلكون "ترف" الهجاء لمن مدحوه، إذا رأوا لاحقًا أنه لا يستحق المديح، رغم أن منهم من دفع حياته مقابل بيت هجاء واحد.

 

والتاريخ زمن ممتد، تندثر فيه أقوام وعادات، لكن هناك صفاتٍ للسلف، يعيد الخلف إنتاجها بشكل جديد وعصري.

 

لقد اختفى الخلفاء. لكن عندنا اليوم أنظمة و"قادة بحجم وطن"، في كل الوطن العربي. وهؤلاء يحبّون المديح، ويكرهون الهجاء، وهذه طبيعة البشر.

 

وكي يكتمل المشهد، فالممدوح بحاجة إلى مادح، والمدّاحون كثر، ينزلقون في دروب المديح، لكنهم يعجزون عن الخروج منها.

 

واليوم أيضًا وأيضًا، تنبري الكتابة لمهمة مديح الأنظمة وتلميعها، وشكرها على عملها المعتاد والمطلوب، في دور لا يبدو الانقلاب عليه لاحقًا أمرًا ممكنًا.

 

إن المديح اليوم قائم على تأليه أشخاص وأسطرة نظم، وإلباسهم نياشين وأوسمة على معارك لمّا تبدأ بعد، وبما يؤسس لحالة يستحيل معها الانتقاد على أي خلل أو تعسف قد تقع فيه هذه الأنظمة، بل ويتحول أي صوت ناقد إلى خارج عن الملّة.

 

shareإن المديح اليوم قائم على تأليه أشخاص وأسطرة نظم، وإلباسهم نياشين وأوسمة على معارك لمّا تبدأ بعد

الحكم ميزة يتصارع عليها السياسيون، ويمارسون في الطريق إليها كل الموبقات، وحين يتمكنون منها، فإن غاياتهم الشخصية تطغى على كل الشعارات الأخّاذة التي كانوا ينادون بها.

 

حكاية أن أحدهم يريد أن يحكم "ليخدم الشعب"، هي كذبة يعرّيها الاستئساد في الدفاع عن الكرسي. لا أحد يريد أن يخدمك. إنه يريد أن يخدم مشروعه الأيديولوجي، ومشروعه الشخصي.

 

ليس هذا وحسب.

 

إن المعادلة السوية القائمة على كون نظام الحكم، بأذرعه كلها، موظفًا لدى الشعب، يتقاضى راتبًا وامتيازات من دمه؛ باتت اليوم معكوسة؛ فالشعب في خدمة النظام، وممنوع أن يشق عصا الطاعة.

 

إن أحد أبواب الجدل المواربة اليوم هو حول سلوك النظم السياسية التي "نجحت" (مع أنه من المبكر جدًّا الاحتفال!) في مكافحة وباء كورونا، أو وقف تمدده، فمن الذي سيقف بعد اليوم في وجه النظام الذي سيدّعي أنه قادر على فعل كل شيء حسن، وتقدير المصلحة الجمعية والفردية، ويمتلك الحقيقة المطلقة؟

 

كيف سيقبل النظام بحرية الرأي الآخر، إذا كان مقتنعًا، بل وسمع الإطراء بأذنه، بأنه قادر على إدارة الأزمات؟

 

كيف يمكن أن تهمس في أذن النظام أن السلطة التي يمتلكها مرهونة بقدرته على إدارة الشعب، لا سيما في الملمّات، وأن صوت المديح الموسيقيّ هذا، سيتحوّل بعد حين إلى ضجيج مؤذٍ إذا أخفقت، وعلى النظام أن يهيئ نفسه له.

 

في الآونة الأخيرة، ثمة أحكام مطلقة بحق المسؤولين، إما مدح وتأليه، أو تطيّر وشيطنة، وانقسم الناس فسطاطين، وكل حزب بما لديهم فرحون، في حياد عن القيمة الأساسية: الأداء هو الفيصل.

 

إن كنت ستمدح أحدًا لإحسانه، فتأكد قبلاً من قدرتك على انتقاده إذا أساء. لا تكن شارعًا باتجاه واحد، مع التيار، ومع الحاكم، قولاً واحدًا، دون أن يكون لك الحق بإبداء رأيك النقدي. عليك أن تكون قادرًا على التحرك في كل اتجاه.

 

لأجل هذا، ليس مطلوبًا من الكتابة أن تدوّن مناقب النظام، مهما عظُمت، بل إن مسؤوليتها أن ترصد مثالبه، مهما صغُرت، ليستقيم أداؤه.

 

شعراء المديح هجوا بعد حين. بعضهم نجا، وبعضهم طارت رقبته.

 

بقي في الكنانة سهم: شعراء المديح كانوا مذهلين. أناقة مديحهم قد تنسيك رداءة الممدوح. أما المدّاحون اليوم، فسطحية مديحهم، تنسيك ما حسُن من صفات الممدوح.

 

محظور على الكتابة أن تكون مهادنة أو ريشة تدغدغ النظام.

 

الكتابة مشرط يجرح جلده حتى يتفصد دمه الفاسد.