13:36 pm 28 أبريل 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

منظمة التحرير الفلسطينية: لمن تعود الملكية؟!

منظمة التحرير الفلسطينية: لمن تعود الملكية؟!

كتب كامل الكامل/
 

تختلف الثورة الفلسطينية المعاصرة عما كانت عليه المحطات التاريخية السابقة عليها، في نضال الشعب الفلسطيني، في كونها انطلقت من حالة مجتمعية موزعة ما بين فلسطينيي الداخل بمواقعه الثلاثة: 1948 والقطاع والضفة، ومواقع اللجوء والشتات، توزعاً يختلف تبعاً للحجم وأنماط النظام من بلدٍ إلى آخر. كما مثلّت انطلاقة الثورة الفلسطينية نموذجاً مختلفاً عن كل الثورات العالمية الأخرى، حيث أن جميع هذه الثورات انطلقت بالأغلب من أراضيها، لمقاتلة المُستعمر الأجنبي، في حين أن الثورة الفلسطينية في انطلاقتها انحمكت لعوامل عدة، أولها: الواقع القسري الذي وجدت نفسها وسطه، بعد ما تعرض له الشعب الفلسطيني من تهجير وتشتت، بين داخل (48 – ضفة – غزة)، وخارج ( الأردن – لبنان سوريا). وثانيها: أن انطلاقتها، تركزت في خارج أرضها الأردن، ومن ثم لبنان، مما جعل العامل الخارجي (العربي أولاً) مؤثراً بشكل كبير في بنيتها وتوجهاتها ووجودها قبلاً. وثالثها، أن أغلب القيادة التي باشرت في انطلاقة الثورة، كانت من اللاجئين أو النازحين في دول الشتات، حيث كان لذلك دوراً في تحديد الطبيعة الطبقية لتلك القيادة، وخاصة من عاش منهم في دول الخليج، وأصبحوا الجزء الرئيسي المقرر في قيادة "الثورة". ورابعها: أن العدو الصهيوني، كان يغطي مساحة كبيرة من الصراع، سواء في الداخل أو في الخارج، جعلته يكون "حاضراً" باستمرار.

 

اعتبرت منظمة التحرير الفلسطينية - التي بات معروفاً ظروف وملابسات ولادتها ونشأتها من بطن القرارات العربية - خاصة بعد أن استطاعت الفصائل الفلسطينية "السيطرة" عليها، عام 1968، ومن ثم تغيير ميثاقها من قومي إلى وطني، وتغيير تركيبتها وبالتالي قيادتها، حيث ما سبق كان يعبر بالنسبة للقيادة الجديدة، عن مرحلة الهزيمة والانكسار العربي بعد عام 1967، اعتبرت أننا أمام مرحلة جديدة بكل ما تعنيه الكلمة، وبالتالي رفعت شعارات: التحرير والعودة والاستقلال، وتجاوز أخطار المصادرة للقرار الوطني المستقل، والتبديد للهوية الوطنية الفلسطينية، ومحاولات الاحتواء والتدجين، والسعي لشطب الفلسطينيين من خارطة الصراع.

 

لهذا فعلاً اتخذت عملية بناء المنظمة وتوجهاتها بعداً صراعياً، على جبهتين: الجبهة العربية، التي عملت بكل جهد على احتواء المنظمة وقيادتها، وجعلها ملحقة، بالنظام الرسمي العربي وتوجهاته وقراراته، التي تجسدت عبر القمم العربية، وكان أبرزها قمة الرباط عام 1974 التي تلت تبني المنظمة لما عرف ببرنامج النقاط العشر، حيث اعترفت بالمنظمة ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، وكانت مؤشراً على غسل النظام العربي يده من القضية الفلسطينية، التي طالما اعتبرها "قضيته المركزية"، وهي كانت كذلك فعلاً، ولكن ليس من على "القاعدة الثورية" التي عبرت عنها المنظمة، بل انطلاقاً من محددات حرب أكتوبر التحريكية عام 1973، واعتبار الرئيس المصري أنور السادات أن (99%) من أوراق الحل بيد أمريكا، أي بيد (العدو). أما الجبهة الثانية، جبهة العدو الصهيوني، الذي لم يكن ليترك المنظمة، تشيّد بنائها الذي في النهاية "سيقضي عليه"، فكان متيقظاً، وحاضراً باستمرار، في أيلول 1970 وفي العرقوب 1970 أيضاً وفي الليطاني، وفي الحرب الأهلية اللبنانية، وفي بيروت وحصارها ومجازر صبرا وشاتيلا 1982، وفي حمام الشط 1985... الخ، وصولاً إلى مؤتمر مدريد 1991، واتفاقات أوسلو 1993.. ولا يزال الحضور مستمراً، مع غياب أو تغييب لمؤسسة الشعب الفلسطيني الأولى.. فكيف حضرت؟ ولماذا غابت؟ وما المصير؟

 

حضرت مع التحرر.. وغابت مع التسوية:

 

اكتسبت منظمة التحرير الفلسطينية، مكانتها وتمثيلها وقاعدتها الشعبية، عندما عبرّت عن نفسها بأنها حركة وأداة تحرر وطني، أو جبهة وطنية عريضة أو جبهة الشعب، وهنا وجدت رافعتها الحقيقية، باعتبارها تمثل الكيانية والهوية الجامعة والفكرة التوحيدية، المؤمنة بالتحرير الكامل لأرض فلسطين، لهذا استبسل شعبها وقاتل معها في كل المحطات المصيرية، وتحمل أنواء ذلك قتلاً وتشريداً جديداً ومعاناة وحصاراً لا يوصف، وفي الوقت الذي كانت تعيش المنظمة تحت بنادق الحصار السياسي، انتفض الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل، في انتفاضة 1987، ليشكل طوق نجاة لمنظمته، وكاسراً لقيد البندقية السياسية، الذي لُف حول رقبتها، وكان الإبداع الشعبي، مطلوباً أن يوازيه إبداعاً سياسياً من منظمة الشعب، الذي حماها في كل المحطات المصيرية كما سبق القول.

 

حضور منظمة التحرير ووجودها الحقيقي، لم يكن إلا في إطار تعريفها لنفسها بأنها حركة تحرر وطني، واكتسبت ذلك بكفاحها الوطني، وتعبيرها عن الهوية الوطنية المهددة بالمصادرة والتبديد والإلغاء، ولكن الحضور لا يدوم عندما تحيد عن أهداف الشعب الحقيقية، وتصبح ممثلاً لمصالح الطبقة (القيادة)، وتقدم الخاص على العام، وتبدأ بمسح المفاهيم الثورية من الذاكرة الجمعية، التي مهما اتسعت عمليات المسح، تبقى هذه الذاكرة مختزنة ومحتفظة بالصورة الأولى، وتحن إليها، كون هذه الذاكرة مستمرة وحاضرة في النهل من المأساة التي حلت بها، وضربت قاعدتها المادية في أرض وطنها عام 1948، وكون هذه الذاكرة تعي ولو بشكل "غريزي" أن طبيعة الصراع وجوهره، لا يمكن أن يحل في "مزاد" التسويات السياسية التي تهدر الحقوق، وتقطع مع التاريخ، وتتجنى على الحاضر وتسلب المستقبل.

 

هنا، كان مقتل قيادة منظمة التحرير، والذبح العلني للمنظمة ذاتها، عندما قبلت هذه القيادة، أن تبقى حاضرة على حساب حضور الشعب الفلسطيني من خلال مؤسسته (ممثله)، الذي تحت رايتها قاتل واستبسل.

 

صحيح أن مشروع التسوية وصولاً لاتفاق أوسلو بكل نتائجه التي باتت تتحدث عن نفسها، جاء امتداداً لتاريخ بعيد من الهزائم المتتالية 1948 - 1967 -  1970 – 1982، وعليه من حقنا، أن نطرح تساؤلات تتناول مفاهيم وقواعد، جاء عليها الحديث وأخرى لم يأتِ عليها، وهل فعلاً كانت حاضرة علمياً وعملياً خلال مسيرة  المنظمة؟

 

من هذه المفاهيم والقواعد: الجبهة الوطنية - الوحدة الوطنية -  الحياة الديمقراطية – تناغم الوطني مع الاجتماعي – احترام قواعد العلم ومنهجياته وبديهياته.. الخ؛ لأن محصلة تلك الأسئلة، تعطينا إجابة واحدة، هو أن الفشل المحقق العابر في الزمان والمكان والعديد من المستويات، ما كان ليحدث، لولا أن الذهنية السياسية والخلفية الفكرية التي عبرت عنها القيادة الفلسطينية، لم تحترم المفاهيم والقواعد السابقة، وعليه كنا أمام النتائج المحققة.

 

حفظ الرأس بعد أن تم بَرّيها:

 

يوصف "صاحب الغفلة" أو "الأبلة" في بلادنا، بأنه يُبري قدمه كي تتلائم مع الحذاء، وعلى ذات المنوال، يحكي في الأسطورة الشعبية الصينية القديمة، أن هناك طبقة معينة من النساء كُنّ يضعن أقدامهن في قوالب خشبية حتى تتلاءم مع الأحذية أيضاً. أما في واقع السياسة فنلاحظ أن ما تم بريه هو أعلى وأهم من الحذاء، ألا وهو الرأس/القيادة كي يتلائم مع الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، وكان ذلك ضمن سياسة متدحرجة وتدرجية، وصولاً لإدخال الرأس/القيادة، ضمن "جُحر" الاستراتيجية التي سهلوا دخولها فيه، ومن ثم عقدوا خروجها منه، للدرجة التي بات معها حفظ الرأس أولوية، على المشروع الذي كان من المفروض أن يضع الرأس/القيادة كل إمكاناته/إمكاناتها في تحقيقه.

 

فبقبولها أن تدخل في "جُحر" الاستراتيجية الأمريكية – الإسرائيلية، باتت تلك القيادة في الأغلب الأعم، غير متحكمة في خياراتها والأولويات التي تعلن عنها، ولا حتى القرارات التي تصدر عن مؤسساتها، حيث وبالتدريج فقدت الكثير من عناصر القوة المادية والمعنوية، وكذلك فقدت المؤسسة الكثير من شرعيتها وهيبتها ودورها، إلى أن باتت تلك القيادة، محكومة في سلوكها وممارستها السياسية لما يسمى خيار المفاوضات ونهج التسوية إجمالاً، وكأنه الخيار الوحيد المتاح أمامها ليس إلا، ويبقى السؤال: لماذا لم يتغير المسار وبالتالي الخيار رغم كل ما جرى وصولاً لصفقة ترامب – نتنياهو وتطبيقاتها التي جرت وتجري وننتظر أحد أهم فصولها في شهر يوليو/تموز القادم من حكومة نتنياهو - غانتس؟!

 

الخطيئة الكبرى، التي جرت طوال الفترة السابقه، وعلى امتداد ربع قرن من عمر اتفاق أوسلو، هي تمويه الصراع، وتمييعه تحت مسميات عديدة، في دليل واضح على عدم فهم طبيعة وجوهر الصراع، وبالتالي طريقة إدارته الصحيحة مع العدو، وما ترتب على ذلك من أنه قد يُحل ببعض من "صدق النوايا"، ومزيد من الفهلوة، بالتزامن مع ذلك تجلى بؤس شديد في التعامل مع الوضع الداخلي، والتي نمّت عن ذهنية سطحية وقاصرة، ترعرعت تاريخياً لتأخذ شكل بيروقراطية عاجزة ومدمرة، سلاحها الفساد والإفساد، وهو ما أوصل فعلياً، إلى تبديد الكثير من مكونات القوة الفلسطينية، وأدى إلى عدم امتلاك رؤية شاملة للصراع، وإعطاء أولوية لتعزيز البنية الداخلية للمجتمع الفلسطيني، في مختلف مواقع انتشاره من خلال تعزيز البنى التنظيمية والمؤسساتية لمجتمعنا، فكانت حصيلة هذه السياسة هي الهدر المستمر للطاقات والكفاءات التي يزخر بها شعبنا، ومقومات القوة لديه، ووحدته ووحدة ودور وهيبة مؤسساته، لصالح مشروعها السياسي الخاص، الذي رد عليه العدو الصهيوني، بمزيد من مشاريع التوسع والاستيطان والإحلال والقوانين التي تعيد الصراع إلى جذوره الرئيسية من جهته، وضرب وإضعاف سلطتها التي جاءت محصلة اتفاق مع هذا العدو؛ باستثناء التنسيق الأمني الذي يجب أن يبقى قوياً .ومتماسكاً وفعّالاً في نتائجه، وواقع الحال القائم لا يحتاج لكثيرٍ من الوصف أو التمثيل أو تأكيد المؤكد.

 

جديدنا.. قديمنا.. وواقع حال المؤسسة يكشف عن نفسه:

 

من يراجع الأدبيات السياسية الفلسطينية، منذ أواخر الستينيات وحتى اليوم، وخاصة أدبيات الفصائل التي لعبت دور "المعارضة"، داخل مؤسسات المنظمة، وتحديداً الجبهتين الشعبية الديمقراطية لتحرير فلسطين، سيجد أن الحديث عن الإصلاح وضرورة هيكلة أوضاع المنظمة، والتغيير في بنيتها وقيادتها ونهجها، قد أُطلق منذ سنوات مبكرة، ودرج القول إلى ضرورة "الإصلاح الديمقراطي والسياسي" في مؤسسات المنظمة، ولم تنعدم الوثائق والمشاريع المكتوبة التي تناولت هذه المسألة الحيوية، لكن كلها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، مما يكشف أن العجز لم يكن أيضاً عند الرأس/القيادة القائمة، بل أيضاً عند "المعارضة"، التي تماهت إلى حدود كبيرة مع النموذج القيادي القائم، وعليه، أجادت لعبة المكاسب الفئوية، والكوتا، والحصص، على حساب وضع الآليات والأدوات الملائمة والمناسبة، لوضع "مشاريعها الإصلاحية" قيد التنفيذ، لنجد أنفسنا أمام فجيعة تنم عن عدم الشعور الجماعي أو الجدية في حمل مسؤولية المعالجة لشؤون البيت الفلسطيني، هذا الذي وصفناه كثيراً بالقلعة، لنجده وقد نخره السوس من داخله ومن ذاته، ولا علاقة للأمر بالقوى الخارجية، مهما تحدثنا ومهما قلنا، بل هو شأن فلسطيني بالأساس، أي أن العامل الذاتي كان مهيئاً باستمرار لعبث العامل الموضوعي.

 

فالمؤسسة في حالة ترهل وشيخوخة وتآكل يومياً أمام أعين الجميع، ولم يبقَ من م. ت. ف سوى مكانتها المعنوية التي تخسر باستمرار، وما تحمله من بعض معاني القضية في نفوس الناس عموماً، أما إذا نظرنا إليها من الداخل؛ فالداخل مأساة، فما هي شواخص هذه المأساة أو أسبابها؟

 

1- لم تشكل المنظمة الإطار الجبهوي الموحد أو الجبهة الوطنية العريضة، وعليه لم تقم في داخلها علاقات وطنية صحيّة، وتحولت الآراء والمواقف والقرارات داخل دوائرها ومؤسساتها إلى سجلات الحفظ وغابت عن الحياة والتطبيق.

 

2- الغياب الفعلي لثقافة الديمقراطية وآلياتها، عن الحياة التنظيمية والسياسية الداخلية، وفي العلاقة مع جماهيرها/قاعدتها الشعبية، ولم تقف المسألة عند هذا الحد، بل جرى تسفيه الديمقراطية بأشكال كاركاتيرية، وأساليب عمل فوقي إرادوي ورغائبي.

 

3- سيادة العقلية الفردية الإقصائية، أو عقلية الدكان والحصة، وصولاً لأن أصبحت المؤسسة أشبه بإقطاعية لا يجوز لأحد دخولها إلا بإذن مالكها، ووفق اشتراطاته، وعليه، أصبح القرار السياسي كما المال في يد ذلك المالك، المُحتكر لهما، والمُتحكم فيهما، فتصدر من عنده القرارات كما العطاءات، ويقرر لمن تُمنح وعن من تُمنع، كما الحال الآن مع الحقوق المالية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين  المقطوعة منذ أكثر من عامين ونصف، وهذه ليست المرة الأولى بالطبع، بل سبق وقطعت عنها أكثر مرة. 

 

4- سيادة متطلبات الفرد على المؤسسة، مع تشجيع لأشكال متعددة من الفساد والإفساد، الذي طال أبسط البديهيات، بحيث غاب الولاء "للبرنامج الجامع"، وحضر لمالك الإقطاعية، مع ما يترتب على ذلك من شروط وإملاءات.

 

5- عدم احترام آليات العمل المقرة، في لوائح المؤسسة ودوائرها، مما وضعها تدريجياً، في حالة من التسيب الشديد، وصولاً إلى بيرقرواطية قاتلة، لا يهمها سوى مصالحها الخاصة على حساب الصالح العام، وبذلك غابت طواقم وفرق العمل، وأُقصيت الكفاءات، وهُمشت الطاقات، وبدلاً من القيم الثورية الوثابة والمبادرة الخلاقة، حلت قيم النفعية والانتهازية والفردية والنفاق والاستهلاكية والاستزلام والشللية والرتب والراتب، وحلت وظيفة الولاء محل الكفاءة، والأخذ مكان العطاء، والجبن بديلاً عن الشجاعة.

 

6- الجمع بين ثلاث رئاسات، المنظمة والتنظيم الأكبر والسلطة، مع إدماغ الثلاثة بذات العقلية والمنهجية، تأكيداً لمنطق الإقطاعية، وحرصاً على التنميط أو النمذجة المطلوب، أن تبقى وفية لقالب الرأس/القيادة، ومستواه/مستواها، حيث كنا في المحصلة أمام نمط/نموذج واحد، ونتيجة واحدة أيضاً.

 

7- مصادرة المنظمة لصالح السلطة، بحيث باتت الأولى محكومة للثانية لا العكس، أي أن الفرع بات متحكماً في الأصل، مع ما يترتب على ذلك من تجويف للأصل، وتفريغ له، وضبط لإيقاعه بما يتلاءم مع إيقاع الفرع، وإذا كان الفرع/السلطة، منخورة باتفاقات تحكم سقفها وأفق تطورها، فما المطلوب إذن أن يحل بالأصل؟! الأخطر هو أن تتحول الأصل/المنظمة من أداة تحرير إلى وكيل أو مقاول سياسي أو أمني.. وهذا ما قام ويقوم بها رئيسها حالياً.

 

8- مع سيادة العقلية الفردية محل العقل الجماعي، والولاء للشخص بديلاً للبرنامج، تتحول اجتماعات الهيئات والمجالس التمثيلية والتشريعية والتنفيذية، إلى مهرجانات استعراضية، وخطابات وزعبرات كلامية، لا يُسمع منها حتى صدى صوتها، لهذا تتحول قراراتها حبراً على ورق، لتكدس فوق المحفوظ قبلها في "أرشيف المؤسسة"، والأنكى، العمل بعكسها، وشواهد قرارات المجالس الوطنية والمركزية التي عقدت "بريع التسوية" تكفي للتدليل، إلا إذا استثنينا من ذلك، مجلس إلغاء بنود الميثاق الرئيسية 1996، بحضور راعي العملية السلمية (الإدارة الأمريكية).

 

هذا هو حال المؤسسة المُشخص، وقد يزيد البعض أكثر، لكن في الواقع والحقيقة، لن يختلف كثيراً مهما زيد، لأن التشخيص طال جذر الأزمة الضارب في عمق المؤسسة كما نعتقد.

 

ما المصير؟

 

ينطلق سؤال ما المصير، من الواقع الكارثي الذي وصله حال القضية الوطنية الفلسطينية، كما الشعب الفلسطيني، الذي يعيش حالة من التيه واليأس والاغتراب وفقدان الأمل والانقسام وانسداد الأفق والهجرة "الطوعية" بحثاً عن "مصيرٍ" مختلف، التي لم يحصل لها مثيل، حتى بعد هزيمة عام 1948، وما ترتب عليها من نتائج. كما ينطلق هذا السؤال، من واقع المؤسسة/المنظمة، التي اعتبرناها: البيت والقلعة والكيان والمعبر عن الهوية والجبهة العريضة وجبهة الشعب وأداة التحرير، والتي يمكن القول، برغم واقع حالها المشخص آنفاً، أنها تبقى من أهم المنجزات التي حققها الشعب الفلسطيني خلال ثورته المعاصرة، فهل مقبولاً أن يبقى الشعب الفلسطيني فاقداً لدليله وبوصلته ومؤسسته، وقارب نجاته إن شئتم، أي أن يبقى فاقداً لحق يملكه بالكامل؟

 

سؤال المصير هنا يعادل سؤال الوجود، الذي بات مهدداً بأخطار جمة، لن يكون آخر نُسخها ما يسمى "صفقة العصر"، جنباً إلى جنب مع المحاولات المستمرة لكي الوعي، وتزوير التاريخ، وقضم الجغرافيا، وحمى التطبيع، وضرب البديهيات، مترافقاً ما سبق مع أزمة الهوية، وتراجع الذاكرة الجمعية، وضرب الفكرة التوحيدية، وتمزيق الوحدة الوطنية، والاستلاب والظلم والقمع والاستغلال والعقوبات وتسفيه المقاومة.. وصولاً لتعميم ثقافة حتمية الهزيمة. من هنا يحضر ضرورة إعادة الحق إلى أصحابه، أي المنظمة إلى شعبها، من بوابة إعادة الاعتبار للمؤسسة/المنظمة من خلال إصلاحها وتحديثها، على أسس وطنية وديقراطية صحيحة، كضرورة وطنية، بل ممر إجباري لا بد إلا وأن نلجه، الإصلاح والتحديث/الممر الإجباري، مرهون بمدى استجابتنا لأن نكون فاعلين على مسرح التاريخ، وأي تاريخ هذا إن لم يكن ل فلسطين ومعها، فالتاريخ لا يحترم إلا من يحترمه، ولا يبقى معه وفيه إلا من يعي شروطه وأبعاده الوطنية والاجتماعية أساساً، التي هي المهمة الرئيسية لوجود البنى السياسية، المطلوب التعامل معها بكل مسؤولية وكفاءة واقتدار.

 

لكن هل يمكن أن يجري إصلاح وتحديث، دون طرح أسئلة: ماذا الذي جرى؟ وكيف جرى؟ وما هي أسبابه ودوافعه ومقدماته؟ وكيف لنا أن نحصن ذاتنا/حقنا/مؤسستنا/قلعتنا؟

 

هنا مجدداً، تحضر أهمية المراجعة والتقييم، واستعادة زمام المبادرة فكرياً، والاستفادة من دروس التجربة/التاريخ القاسية والغنية والمفيدة لمن أراد، والتأسيس الجدي لرؤية جديدة وشاملة ترتكز إلى طبيعة وجوهر الصراع، الذي لا يدور في وعلى فراغ، بل على الإنسان والأرض معاً، أي على الوجود.. وهذا لا يمكن أن يكون دون شق مسار جديد في معالجة معضلة/أزمة/مأزق المنظمة، لا يرتهن لأدوات مجربة، بل بشق مسار يرتكز على الإرادة الشعبية التي فيها ما هو كامن من قوة أكثر مما هو ظاهر، هذا إذا كنا لا زلنا نعتبر ونقدر هذه الإرادة ونحترمها، ونعتبر أن المؤسسة ملكية عامة لها، قبل أن تصبح ملكية حصرية لفصائلها، ومن ثم ملكية فئوية (خاصة) للتنظيم الأكبر، ومن ثم ملكية إقطاعية، للفرد (الآمر-الناهي)، والسؤال الأخطر هنا، بعد زوال الفرد/الإقطاعي، لمن ستؤول ملكية المنظمة؟!

 

نجيب باختصار، طالما نحن متخلفون عن وعي هذه الحقيقة وأبعادها سيبقى الآخر/العدو يملأ "مسرح" الصراع، بما تفرضه موازين القوى المختلة لصالحه، على طريق فرض رؤيته ومشروعه، في صراع الوجود، الذي يتطلب إلغاء كل مقومات هذا الأخير، أي الوجود ومؤسساته الجامعة.

 

نقطة الوضوح:

 

من المعروف، أن المستقبل رهين الحاضر في التأسيس له، ولا انفصال بينهما، حيث لا يُصلِح الحال المناشدات والمطالبات الوحدوية، التي هبطت وتيرتها مع الانقسام الحاصل إلى حالة من "التعايش معه" والاستثمار فيه، في غياب شبه كامل لمفاهيم وأسس الوحدة الوطنية وأولويتها. كما لا يُصلِح الحال إذا أُخذ السياسي بمعزل عن التنظيمي في تقوية الأداة والأداء بما يستجيب للرؤية والبرنامج المنشودين، ولن يُصلَح الحال، ولن يتحقق كل ما سبق، إن لم يعود الحق لأصحابه للشعب (المالك العمومي للمنظمة)، وصاحب المصلحة الرئيسية في تعظيم أرباحها على طريق حريته وعودته واستقلاله وتقرير مصيره، وهذا يتم في حال أصبح موضوع المنظمة إصلاحاً وتحديثاً مسألة شعبية بامتياز، وليست فصائلية فئوية كما هو قائم.

 

ما سبق، كما نعتقد هو ما يجعل المؤسسة/المنظمة/البيت قلعة حقيقية، تواجه وتصمد أمام المخاطر المنتصبة أمام شعبنا وقضيتنا.. إن لم نستجب لذلك، فلن نجني سوى مزيد من التبديد والفشل، وإن شئتم الهزائم المرة باستمرار.