13:14 pm 30 أبريل 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

فخ الرعونة الوطنية ومسلسلات رمضان السياسية

فخ الرعونة الوطنية ومسلسلات رمضان السياسية

كتب وليد عبد الحي/

أثارت بعض المسلسلات الرمضانية والبرامج والتعليقات عليها في وسائل التواصل الاجتماعي ( مسلسل ام هارون،المخرج 7..الخ) ردود فعل متبادلة بين شرائح مجتمعية عربية ، وامتشق كل " لسانه" بإهانات متبادلة وتحقير للشعب السعودي بخاصة والخليجي بعامة ليرد عليه آخر بتحقير للشعب الفلسطيني ، وتنهال الرسوم الكاريكاتيرية ومقاطع الفيديو الساخرة من كل طرف تجاه الطرف الآخر.

 

من الضروري لفهم هذه المساجلات التمييز بين " فئة ترتبط بسياسات الدول وتنفذ برامج هذه الدول بطرق محددة طبقا لطبيعة وظيفة كل فئة" وبين المواطن العادي او المتلقي للرسالة الاعلامية، فالفئة الأولى تمثل امتدادا لموقف النظام السياسي ، والانفتاح الرسمي والتطبيع بين دول الخليج واسرائيل ليس سرا ، فالزيارات المتبادلة اصبحت اكثر من ان تحصى، ولخلق التناغم بين التوجه الرسمي والقطاعات الشعبية يتم توظيف الفن لتعزيز هذا التوجه بهدف توسيع دائرة التأييد لسياسات النظام السياسي ، وكل الدول بخاصة في العالم الثالث تعمل على ذلك ، " فاغلب " الافلام السوفييتية والمصرية والاسرائيلية والامريكية والأوروبية ذات المضمون السياسي والاجتماعي تأخذ هذا المنحى، ويمكن العودة لدراسات سمير فريد- وهو الناقد السينمائي المعروف- عن مضامين الاعمال السينمائية وارتباطها بالقوى السياسية.

 

لكن الفخ الكبير هو توظيف ما يحركه العمل الفني بين الجمهور العام ، او تأثيره على " الارادة العامة" ونقل هذا التأثير من مستواه الفني ( اي حصر المناقشة في العمل الفني فقط وهو أمر طبيعي ومطلوب ) الى تحقير كل ما يمت للمجتمع الذي انتج هذا العمل الفني(ايا كانت القيمة الفنية للعمل)، وهنا تبدأ الهجمات المتبادلة بين " مجتمعي العمل الفني ، المجتمع الذي ظهر فيه العمل الفني والمجتمع الذي يستشعر ضررا من هذا العمل ، ويبدأ نبش التاريخ والاتهامات الصحيحة وغير الصحيحة، وتصبح الثقافة الغرائزية هي المستنقع الذي يغرف منه الجميع، وتتعزز الأحقاد وتتكرس الصور الذهنية السلبية المتبادلة دون أي محاولة " لعقلنة الحوار" حول الموضوع. وهنا لا بد من التمييز بين من نصب الفخ وبين من وقع فيه.

 

فالذين انبروا لشتم الشعب السعودي وقعوا في الفخ الذي تنصبه هيئات سياسية وعلمية (من علماء النفس والاجتماع والدبلوماسيين والأدباء والمخرجين الفنيين كما ساوضح )،فليس صحيحا على الاطلاق ان كل الشعب السعودي موافق على مضمون مسلسل ام هارون، بل قد اغامر واقول ان معظم الشعب السعودي ونخبه لا توافق عليه او على مضمونه، وهناك مئات – طبقا لتقارير الهيئات الدولية لحقوق الانسان من المثقفين السعوديين ورجال الدين وانصار حقوق الانسان في السجون السعودية بسبب مواقفهم السياسية غير المتناغمة بقدر أو آخر مع توجهات الدولة، ثم هناك قدر كبير من المجتمع من الذين تربوا على مساندة القضية الفلسطينية من الشعب السعودي، والحال كذلك في بقية دول الخليج ، وانا على ثقة مما اقول بناء على استطلاعات الرأي العام المنشورة من جهات اكاديمية او من خلال كتابات العديد من الكتاب السعوديين او من خلال المعايشة مع هذا المجتمع فانا عشت فترة في الخليج وذهبت لفترات مختلفة الى كل الدول الخليجية والقيت محاضرات وقدمت دورات تدريبية وكان لي احتكاك واسع مع نخبهم.

 

ان السقوط في فخ تأجيج الاحقاد ورسم الصور الذهنية هو في الحقيقة نجاح كبير لهذه المسلسلات من منظور من قام بها من ناحية ولكن –وهو الاهم – من خطط لها، وقد كتبتُ على صفحتى في الفيسبوك قبل حوالي 3 أعوام عن احتمال ظهور مسلسلات وافلام وتأويلات للنصوص الدينة تتناغم مع توجهات التطبيع ..وها هي امامنا الآن.

 

ويكفي ان يقف القارئ معي لفحص اجهزة وزارة الخارجية الاسرائيلية الحالية،فمن بين 54 قسما إداريا في وزارة الخارجية الإسرائيلية هناك دائرة اسمها حرفيا دائرة " الدبلوماسية العامة" وفيها قسمان: الاول هو قسم "وسائل الاتصال والشؤون العامة" والثاني قسم الشؤون الثقافية والعلمية"...وعند تتبعي لطبيعة نشاطات هذين القسمين وجدت ان الفكرة المركزية التي يعملان عليها هي " كيف نحيل اعداء اسرائيل لأصدقاء لها"، وكيف "نعمق ثقة اصدقاء اسرائيل بها". وليس كيف نصنع اعداء على الطريقة العربية...

 

وعند النظر في تسمية الاقاليم التي تغطيها وزارة الخارجية الاسرائيلية ، نجد كل اقليم باسمه( اوروبا ، افريقيا، الكاريبي، أوراسيا..الخ) إلا منطقتنا ، فقد أطلقوا عليها اسم " الشرق الاوسط وعملية السلام" لاحظ وعملية السلام مع ان التقسيم على اسس جغرافية. ولكن ماذا تفعل هذه الاقسام؟ أحد مهامها هي التواصل بطريقة سرية أو علنية مع كل من له موقف "معادي " لاسرائيل.(لاحظ المعادي وليس الصديق) .ثم متابعة كل التعليقات في الصحف التي يوجد فيها ممثل لهذين القسمين في أي دولة ، وتصنيف كتاب المقالات في الدولة الاجنبية حسب موقفهم من اسرائيل "معادي- معادي جدا) و ( هل يمكن التواصل معه ، ام لا يمكن التواصل معه) ثم جمع معلومات شخصية عن كل كاتب (خلفيته، نشأته، مواقفه، اصوله الاجتماعية، علاقاته،...الخ) ثم البحث في أحسن الطرق للتواصل معه، ويتم التركيز على شخصيات قابلة للرشوة او لديها رغبة بالشهرة ، ويتم استضافتهم للمؤتمرات الفكرية " المشهورة" وتبدأ عملية استقطابهم تدريجيا وبطريقة غير مباشرة في البداية...على قاعدة " نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء".

 

ويتم تزويد الكتاب والنوادي والجمعيات الاجنبية من خلال هذه الاقسام بكل ما له فوائد لاسرائيل، بل إن برامج تعليم اللغات في المراكز الثقافية البريطانية والفرنسية والامريكية والالمانية والصينية والروسية والاسبانية ..تتلقى منشورات اسرائيلية لادخالها في برنامج تعليم اللغات، وتجد مثلا نشرة عن "السياحة في اسرائيل" ، واخرى عن التطور العلمي في اسرائيل او عن الارهاب العربي او عن ديمقراطية اسرائيل... الخ، مما يحيل المراكز الثقافية الأجنبية كمكاتب دعاية لاسرائيل....

 

أما قسم وسائل الاتصال فقد بدا منذ فترة في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي( الفيسبوك والتويتر..الخ)، بل هناك سفارة افتراضية( virtual embassy ) لاسرائيل مع كل دولة خليجية( اسمها السفارة الافتراضية في دول الخليج) ، ويتم التواصل مع افراد في الخليج من خلال هذه السفارة الافتراضية التي يديرها السفير الاسرائيلي ييغال بالمور، ويتم في عمليات التواصل هذه التشجيع على العلاقات التجارية – عبر طرف ثالث- وهو ما جعل حجم التبادل التجاري (عبر طرف ثالث بين الخليج واسرائيل يصل إلى حوالي نصف مليار دولار حاليا طبقا لتقديرات يتسحاق غال استاذ الاقتصاد السياسي في جامعة تل ابيب...بل وتقوم السفارة الافتراضية بتوصيل معلومات للكتاب العرب عن خصومهم من العرب لكي تشتعل المعارك الداخلية بين "المفكرين العرب" وبين الطوائف العربية والقبائل العربية...الخ، وهناك قاعة في جامعة تل ابيب مخصصة لتدريب الطلاب الاسرائيليين على التواصل مع العرب باسماء وهمية – وكثيرا ما كانت اسماء فتيات- ويتم الحوار العادي بداية ثم بعد ان تتوطد الصداقة يبدأ الدخول في موضوعات محددة تكون السفارة الافتراضية قد حددتها، وهناك يبدأ تجنيد افراد او دعوتهم للزيارة او الترويج لعلاقات تجارية من خلال وسيط الى جانب التواصل مع الفنانين – بخاصة ممن يستشعرون انهم يعانون من التهميش او عدم الشهرة( بخاصة من فناني الخليج الذين لدى العديد منهم نزوات الشهوة او الاحساس بالنقص امام النجوم العرب لا سيما المصريين منهم).

 

ان الوطنية الزائدة بتحقير الشعب السعودي الكريم ، ونبش التاريخ والمخاطبة لهم من منطلق التعالي هو تعبير عن وطنية " غبية" ، وكان من الاجدى ان نضع الامور في نصابها، لا أن نسقط في فخ نصبته سلطات سياسية لا هم لها الا " كرسي السلطة" او نصبه خبراء في طبائع الشعوب واستغلالها ، ويكفي العودة لكتاب رفائيل باتاي لادراك ما اقول...وقريبا سانشر دراسة عن 92 اطروحة دكتوراة في العلوم السياسية تم تسجيلها في الجامعات الاسرائيلية خلال الفترة من 1990- الآن، تؤكد ما تم استنتاجه وبشكل موثق...

 

اخيرا...

لكل مواطن سعودي وخليجي كل الاحترام والتقدير بعيدا عن " غيوم السلطة"، مناشدا وسائل الاعلام العربية التي تراعي المصالح العربية عدم التعامل مع الموضوع(المسلسلات والردح في وسائل الاعلام)، فلا تشهروها كما اشهر الخوميني سلمان رشدي...ففينا ما يكفينا..