10:52 am 5 مايو 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

إعلام أم إجرام

إعلام أم إجرام

كتب: زياد عمرو

مراجعة لممارسات المؤسسات الإعلامية ولأخلاقيات العمل الإعلامي نخوض غمارها في غمرة معالجة تداعيات الجريمة الإعلامية الصادمة والأكثر إساءة للأشخاص ذوي الإعاقة المتمثلة في حلقة بثت على شاشة قناة فلسطين الفضائية مساء يوم الجمعة الثامن من رمضان الموافق 2 ايار 2020. حيث أطل علينا طاقم برنامج (مقلب عالماشي) الرمضاني بحلقة يندى لها الجبين قاموا خلالها بإستدراج بعض المارة لتقليد الأشخاص ذوي الإعاقة بصورة مسيئة ومهينة. بينما يتم إدخال مؤثرات صوتية تهكمية وهم يتندرون ويقهقهون بشكل مبتذل وهم يسخرون من الأشخاص ذوي الإعاقة  بعبارات شديدة الفظاظة والقسوة.

 

وعليه أقام بعض أصحاب الأخلاق المهنية والأشخاص ذوي الإعاقة وأنصارهم الدنيا وتدخلت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان،  عندئذن قامت قناة فلسطين الفضائية بالإعتذار وسحب الحلقة ووقفت بث البرنامج وأعلنت عن التزامها بقضايا الأشخاص ذوي الإعاقة  وأكدت أنهم من أهم اولوياتها، وأعلنت عزمها على تشكيل لجنة للتحقيق في الأمر.

 

رغم ذلك لم ينتهي الأمر ولا أراه ينتهى قريباً إلا بنتائج مرضية لفلسطين ولضميرها الوطني الجمعي ولنشطاء حركة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة . ولعل هذا ما دفعني الى التوجه نحو كتابة مقال تحليلي لهذه الفعلة الصادمة وتبعاتها  على العمل الإعلامي الموجه والحساس قضايا وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

 

وعليه فإنني أدعو كل من يرى في هذا المقال اي تحيز او تجني الى رفع الصوت عالياً وسأكون مدين لهم بالإعتذار. ولكني أطالب كل من يرى فيه حقاً يقتضى أن يرفع صوته عالياً معنا لإحداث التغيير المطلوب لتكن فلسطين وطناً سيداً حراً لشعب من الأحرار.

 

 
تلفزيون فلسطين يستهزئ بذوي الاحتياجات الخاصة

تلفزيون فلسطين يستهزئ بذوي الاحتياجات الخاصة

Posted by Shahed on Friday, May 1, 2020

 

وقد ارتأيت أنه من واجبي الوقوف على البواعث والأسباب التي جعلت فريق البرنامج يسقط هذا السقوط المدوي، وأتساءل، هل تعمدوا الإساءة للأشخاص ذوي الإعاقة وخططوا لها مسبقاً؟ أجزم بأن هذا لم يحدث. وأتساءل، هل هم جهلة مغفلون لهذه الدرجة ؟ فأتوصل بعد التفكير أن هذا غير ممكن ، فمن يتعاقد مع الفضائية الوطنية ومع أحدى اكبر الشركات الداعمة وينجح في إقناعهم بجدوى البرنامج وأهميته لا يعقل أن يكون جاهلاً. فأطرح التساؤلات حول ما تلقاه أعضاء الطاقم من محاضرات ودروس في أخلاقيات العمل الإعلامي ومقاصده السامية وضرورة إنسجامه مع مبادئ وقواعد حقوق الإنسان؟ فأقول لا يمكن لجامعة أو معهد مهما كان أن يخرج طلاب الإعلام ويمنحهم الإجازات العلمية دون أن يتحقق منمتانة حصيلتهم الأخلاقية الى جانب حصيلتهم من المهارات الفنية التي تتمثل في التصوير والتحرير وإجراء المقابلات وغيرها من المهارات المحترفة التي تتطلبها هذه المهنة الحساسة والسامية. ويبقى التساؤل لماذا حدث ما حدث؟؟؟؟ فأجدني أتجه الى الإستنتاج بأن طاقم البرنامج فضل التضحية بالقيم والأخلاق المهنية والإنسانية مقابل ضمان نجاحه في جني الأموال وهو لا يدرك أن هذا يعد سقوطاً مهنياً أخلاقياً مرفوضاً وغير مبرر وغير بريء ويعكس قصور فكري يحتاج الى وقفة مع الذات والى تصحيح الخطأ بشجاعة دون مواربة أو تسويف بعيداً عن ذر الرماد في العيون. الذي تعمد الفريق بثه للوهلة الأولى عندما قالوا بأن جمهور المشاهدين فهم مقصدهم بطريقة خاطئة وقاموا بإتهام المتداخلين من المواطنين بقصورهم عن فهم المحتوى  من الحلقة بشكل صحيح. ثم تراجعوا عن هذا الموقف وإعتذروا بعد أن إعترفوا بفشلهم. وهنا نتسأل أي هذان الموقفان هو موقفهم الحقيقي الإنكار أم الإعتراف بالخطأ؟ 

 

لست من دعاة الإنتقام ولا من هواة التشهير ولكني من عشاق الشجاعة والعمل المهني ولا شك أن الإعتراف بالخطأ شجاعة إذا لم يكن قصده الحفاظ على المصالح الفردية الأنانية والمادية. لذلك سيصبح للإعتذار وللعذر الذي لا لون لهما ولا طعم ولا رائحة إذا لم يقترنا بخطوات وإجراءات عملية تماثل في شكلها ونوعها وحجمها الجرح والإساءة الناجمة عن الجريمة. لذلك فإنني ومن خلال التواصل مع مئات الأشخاص ذوي الإعاقة وجدت أن الإعتذار والتصحيح وإعادة الإعتبار متطلبات لا مناص منها على أن تكون عملية وليست شفوية وأن تكون على شاشة الفضائية في الوقت الذي حدثت فيه الإساءة بالإضافة الى توضيح عن كيفية ضمان عدم تكرار هذا العمل بأي شكل من الأشكال الى جانب إنتاج عمل يكشف عن حقيقة التغيير الذي طال تفكير الطاقم المهنية وتمسكه بالأخلاق والقيم بدلاً من تفضيل المصالح الأنانية والشهرة بوسائل أقل ما يقال أنها إجرامية وتناقض أعراف وإصول اللياقة المهنية.

 

أما بالنسبة لدور ومسؤولية قناة فلسطين الفضائية، فمن منطلق ضرورة إستخلاص العبر وتصحيح المسار ، فقد لمصلحة فلسطين وهيئة الإذاعة والتلفزيون والمجموعات المهمشة بمن فيهم الأشخاص ذوي الإعاقة. نتناول الحادثة المشؤومة ثم مستقبل العمل الإعلامي في قضايا وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة –في اطاره العام- مسترشدين بمانعرفه من التزامات قانونية ووعود طالما أملنا بتحققها.

 

ونبدأ بالتساؤل عما حدث ليلة عرض الحلقة المذكورة وكيف حدث؟؟؟ هل كانت الحلقة ضمن خطة البرنامج المسبقة؟ وهل تم أقرارها من قبل شخص ما؟ ومن هو؟ هل التزم طاقم البرنامج بالسيناريو المعد مسبقاً" أم هل قام بتعديل السيناريو ولم يخبر ذوي الشأن؟ أم أعد الحلقات ونفذها دون علم  أو إهتمام من إدارة البرامج في الفضائية؟  هل قامت كوادر الفضائية بمراجعة الحلقة قبل بثها؟ أم تراهم وافقوا على بثها  بعد مشاهدتها دون تحريك ساكن؟ إذ لم يرى المختصون أي ضير في بثها بالصورة  المخجلة والبائسة التي كانت عليها؟  لا أحد منا يعرف فالإجابة لدى إدارة وموظفي قناة فلسطين الفضائية. فمهما كانت تفاصيل الحكاية فقد تم بث الحلقة، وتتحمل الإدارة مسؤولية ذلك وقد إعترفت بخطأها وإعتذرت عنه بشكل خجول لا يتناسب مع شكل وحجم الإساءة لم يرتقي الى مستوى إرضاء المتضررين، فالمطلوب من الفضائية الإعتذار والتوضيح لمشاهديها وللشعب في ذات الوقت والطريقة بالصوت والصورة والفترة الزمنية كي يكون رد الإعتبار والإعتذار وازناً وموازياً للتأثير الذي أحدثته الجريمة الإعلامية،  التي أجزم أنها لم تكن مخططة ولا متعمدة. ودون ذلك يظل أي إجراء غير جدي لا يعدو كونه ذراً للرماد في العيون.

 

أما بالنسبة لإقرار ومراجعة وبث الحلقات فيجب التعرف على القصة الحقيقية التي لا يعرفها الأشخاص المختصين من موظفي الفضائية ولا شك في أنهم أدركوا أن الحقيقة يجب أن تعلن، خاصة بعد الإعلان عن تشكيل لجنة تحقيق التي نأمل أن تكون محايدة وموضوعية ونزيه ومهنية  -إذا لم يتم التراجع عنها- ولن تقبل نتائجها ما لم تكن كذلك، ليس تعصباً أو تحيزاً بل رغبة في تكريس وتعميق ثقافة المسائلة والممارسات المهنية الشفافة التي تجذر وتكرس فلسطيننا الحبيبة وطناً حراً جامعا لشعب من الأحرار يتمتع جميع مواطنيه بالعدالة والعيش الكريم والمواطنة الكاملة فشعبنا يستحق النزاهة والشفافية ويستحق اشخاصاً شجعاناً يعترفون بأخطائهم ويعتذرون عنها ويقومون بتصحيحها وهذه قمة الوعي والصدق والمهنية التي نحتاجها لبناء وطننا الحر العزيز.

 

 جاء في نص الإعتذار الذي نشره تلفزيون فلسطين على صفحته الإلكترونية أن هيئة إذاعة وتلفزيون فلسطين تضع الأشخاص ذوي الإعاقة على قمة سلم اولوياتها. وهذا صح خاطئ، فبسبب قلة المعرفة بالقواعد والأسس والقوانين التي تحكم وتنظم العمل الإعلامي في هذا المجال فإنهم يعتقدون بأنهم يقومون بما عليهم وهذا خطأ أو مغالطة يمكن علاجها ما دامت النية الصادقة موجودة.

 

ولعل الوقوف على حقيقة الوضع يتطلب منا إلقاء شيئ من الضوء على أداء هيئة إذاعة وتلفزيون فلسطين في مجال الأشخاص ذوي الإعاقة من عدة زوايا يتمثل أهمها في تساؤلات حول حجم ومستوى جودة ونوع التغطية التي تحظى بها قضاياهم، العدالة، والشمولية ، التوظيف وهل تصل نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة الموظفين في هذه المؤسسة الى 5% من مجموع الموظفين؟ وما هي المراتب الوظيفية التي يشغلونها؟ ، المهارات والمعارف والإتجهات التي يمتلكها أفراد الكادر البشري فيما يخص الأشخاص ذوي الإعاقة. وسأترك الإجابة على هذه التساؤلات للقراء ولإدارة الهيئة.

 

ولا يفوتنا التساؤل عن مدى الإلتزامات التي فرضتها القوانين السارية بما في ذلك ترجمة البرامج الى لغة الإشارة، فهل هي مناسبة من حيث مساحة التغطية؟ وهل يرقى حجم التغطية الى مستوى معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة ونسبتهم في المجتمع؟ علماً بأن هناك العشرات من القضايا الساخنة والملحة التي تحتاج الى تناول، منها بطاقة الأشخاص ذوي الإعاقة، المجلس الأعلى، اطار التخطيط الإستراتيجي، وبرنامج التدريب الحركي للمكفوفين والفقر والعنف والإنتهاكات للحق في العمل وحرية الحركة والخدمات الصحية والتأهيلية وقضايا الأطفال والمرأة والطلاب والتأمين الصحي والموائمة في الأماكن والمرافق العامة وغيرها من الحقوق والقضايا التي يجب أن تعطى حقها ، فهل حقاً كانت هذه الموضوعات أولوية لفضائية فلسطين ولكافة وسائل الإعلام في الوطن.

 

ولا بد أن نقر أمام المجتمع والتاريخ أن القليل جداً قد تم تناوله قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة ولكن هل ذلك يكفي ؟ في ظل هذا الحجم من الإقصاء والمعاناة التي يعانونها على أرض الواقع؟

 

هذا ما يستوجب وقفة صادقة من كل الجهات ذات العلاقة.  وإخيراً في هذا الصدد نتسائل، هل قامت فضائية فلسطين في يوم من الأيام بتنظيم حلقات لمواجهة أصحاب الحق مع أصحاب الواجب بعدالة ؟  وكم مرة أدرجت برامج تخص هذه الشريحة ضمن الدورات البرامجية بشكل ثابت؟ ومليون كم وكيف ولماذا نرى أن الوقت قد حان لوضعها على الطاولة ليس لحصد الإجابات والتبريرات ونثر الأعذار بل للتعاون على أسس من الشراكة الفعلية لمعالجتها لأن الأشخاص ذوي الإعاقة يستحقون.

 

في الختام أرى أن الهيئة الوطنية للإعلام ونقابة الصحفيين والهيئة الوطنية للإذاعة والتلفزيون والهيئة المستقلة لحقوق الإنسان  ووزارة الثقافة ووزارة الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات وممثلي المؤسسات الإعلامية الأهلية والخاصة الى جانب الإئتلاف الفلسطني للإعاقة يجب أن تشكل فريق عمل تحت إشراف رئاسة الوزراء لوضع الأسس والقواعد التي تنظم العمل الإعلامي في مجال قضايا وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة واضعين نصب أعينهم أهمية تحقيق العدالة لهذه الشريحة وفقاً لمتطلبات إعمال المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية ذات العلاقة.

 

ولن أنسى التذكير بوضع الأسس والمعايير المهنية التي ترسى قواعد محاسبة المسؤولين عن الإنتهاكات ضمن اطار عمل وطني ومدونة سلوك تضمن حرية التعبير وحرية العمل الإعلامي. وقد نستحق جميعاً التمتع بشيء من الفخر والإعتزاز إذا تعهدنا بوضع حد للإنتهاكات والإساءات الإعلامية وبيجاد حل لائق مشرف ومرضي ومهني لما سببه عرض الحلقة المشؤومة من برنامج الكاميرا الخفية مقلب على الماشي.

 

فمن الواضح أنه ليس لمثل هذه المقالب المسيئة ارجل تمشى عليها بمعالجة مرضية ومهنية ترتكز الى القيم والمبادئ والمعايير الصحيحة .

مواضيع ذات صلة