11:19 am 14 مايو 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

استقلال القضاء وتنفيذ قراراته

استقلال القضاء وتنفيذ قراراته

د محمود دودين/

القاعدة الدستورية الامرة التي تقضي بحق كل شخص في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي الشرعي لا تهدف فقط إلى إنصاف من ينشد العدالة بشكل موضوعي وحيادي، وإنما تهدف أيضا إلى ضمان استقلال المحاكم واستبعاد تدخلات الأشخاص والجهات غير المسموح لهم بإدارة مرفق القضاء، وإلى تعزيز ثقة المتقاضين والرأي العام.

 

ومن تجليات فكرة السيادة المطلقة للدستور إنفاذ سيادة القانون، وممارسة السلطات وتحمل المسؤوليات وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات. وفي حالة السلطة القضائية، يعني ضمان استقلالها الإداري والوظيفي والفني وفقا لمبادئ الدستور، ولقانونها الخاص، ولحزمة التشريعات الإجرائية الناظمة لتشكيل المحاكم وإجراءات التقاضي أمامها. بناء عليه، في حال التعدي على استقلال القضاء ينهض حق كل من الفرد والقضاة والرأي العام لصد هذا التعدي حماية للدستور وسيادته المطلقة.

 

ومن الآليات الدستورية لحماية ذلك، قواعد تعيين القضاة وعزلهم ومساءلتهم تأديبيا بعيدا عن السلطة التنفيذية وأذرعها، وحظر تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء، ومنع أي سلطة من التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة، واعتبار الامتناع عن تنفيذ القرارات والتدابير القضائية أو إعاقة تنفيذها جريمة جنائية.

 

الأخطر على استقلال القضاء، برأيي، هو اتحاد هدف الإطاحة بالقضاء من قبل أشخاص ذوي سلطة من السلطة التنفيذية ومستشاريها وبعض من لهم سلطة إدارية داخل مجلس القضاء الأعلى نفسه.

 

ما يعني حلول سلطة الأفراد محل سلطة السيادة المطلقة للدستور، وهو ما يقربنا من فكرة محاكم الاستثناء والتي ما جاءت نظرية القاضي الطبيعي أصلا إلا لمحاربتها.

 

 

وما حصل مؤخرا من تدخلات صارخة من قبل السلطة التنفيذية تجاه القضاء من تعيين رئيس انتقالي للمجلس، وعزل عشرات القضاة، وتعديل قانون السلطة القضائية ذات الصفة الدستورية بقبول من رئاسة مرفق القضاء، وما رافق ذلك من تجاوزات أخرى، يدلل على حالة الانتهاك الممنهج للحق في التقاضي ولاستقلال المحاكم وتمغيص الرأي العام.

 

وكل ذلك لا يزيد القضاء إلا إضعافا، وإمعانا في تبعيته لسلطة الأفراد.

 

والمؤسف أيضا، ثبوت أن بعض المنظمات الأهلية العاملة في مجال استقلال القضاء تعمل بمزاجية وانتقائية، ولا تخدم الغاية التي أنشئت من أجلها، بل على العكس أصبحت أداة للمساعدة في تكريس الهيمنة على القضاء والتفرد في قراراته حينا، وتقبل المس من هيبته أحيانا أخر من خلال الصمت المطبق، على الرغم من تصاعد الانتهاك الممنهج ضد القضاء في الآونة الأخيرة.

 

وهذه المؤسسات هي ذاتها التي كانت ترصد وتنتقد أداء القضاء في عهد ما قبل المجلس الانتقالي الحالي! ما يعني أن استقلال القضاء من عدمه، وقوته من وهنه مرتبط بسلطة الأفراد لا بسيادة الدستور، وأن العمل الأهلي، بالنسبة لبعض العاملين فيه، لم يعد، في بعض الأحيان، أهليا أو معبرا عن الرأي العام، وإنما هو عمل شخصي تتفاوت غاياته بتفاوت من هم في إدارة القضاء.

 

لكل ذلك، أعتقد أن الدعوات التي تنطلق هذه الأيام لاحترام قرارات المحاكم وتنفيذها ما هي إلا تفصيل يجب قراءته في ضوء المشهد العام المزري.