14:34 pm 2 أغسطس 2020

أهم الأخبار تقارير خاصة انتهاكات السلطة

انعدام الصلاحية الدستورية للنيابة العامة في القبض والتوقيف والتفتيش

انعدام الصلاحية الدستورية للنيابة العامة في القبض والتوقيف والتفتيش

رام الله – الشاهد| أكدت الرابطة الأهلية لحماية الدستور انعدام الصلاحية الدستورية للنيابة العامة في القبض والتوقيف والتفتيش وذلك في قراءة قانونية قدمتها في نصوص القانون في ضوء أحكام القانون الأساسي.

 

ودعت الرابطة الأهلية لحماية الدستور إلى ضرورة التوقف عن هذه الممارسات المبتدعة والمخالفة للدستور، والاحتكام لصحيح القانون، فإذا قدرت النيابة العامة وجود أسباب ضرورية ومعقولة تستدعي تقييد حرية أحد أو تفتيش مسكنه أو فرض أي قيد آخر على حريته، فعليها أن تتقدم بطلب إلى القاضي المختص الذي له فقط صلاحية إجابة الطلب من عدمه.

 

وشددت الرابطة على موقفها بشأن واقع الحبس الاحتياطي، بضرورة أن تقوم مؤسسات العدالة الجنائية بما فيها المحاكم بمسؤولياتها الدستورية في احترام الحقوق وصون الحريات، فالتوقيف ليس بعقوبة، بل هو إجراء استثنائي لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات محددة حصراً، وتحقيقاً لمصلحة مجتمعية محددة، وأن المحكمة المختصة هي من تدين وليس الشرطة أو النيابة أو قاضي التوقيف.

 

وجددت الرابطة تشجيعها كل ذي مصلحة إعمال حقه في طلب التعويض المدني عن الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني، استناداً لقواعد المسؤولية عن الفعل الشخصي، كلما كان ذلك مجدياً وتفعيل دعاوى التعويض المدني عن حالات الامتناع عن تنفيذ قرارات اخلاء السبيل أو الافراج الفوري، الصادرة عن المحاكم المختصة، أو تعطيل تنفيذها على أي نحو، لما تشكله هذه الدعاوى من آلية إضافية ضاغطة في اتجاه إنفاذ القانون واحترام الحريات.

 

وهذا نص القراءة:

 

انعدام الصلاحية الدستورية للنيابة العامة في القبض والتوقيف والتفتيش

قراءة في نصوص القانون في ضوء أحكام القانون الأساسي

 

الحرية الشخصية، قيمة عالية في حد ذاتها، وهي مهمة جداً للأفراد وللمجتمع على حد سواء. وعلى مر العصور، استخدم سلب الحرية الشخصية كوسيلة أساسية بيد الأنظمة غير الديموقراطية لإعاقة تمتع الناس بحقوقهم الأخرى. يكفل القانون الأساسي الفلسطيني الحرية الشخصية باعتبارها حقاً طبيعياً لا يمس. ويقرر ضمانات لحمايتها من تعسف السلطات، فأي قيد يفرض على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة كالقبض، أو الحبس، أو التفتيش، أو المنع من التنقل، أو تفتيش المساكن أو غير ذلك، يجب أن يكون بموجب أمر قضائي ووفقاً لأحكام القانون (المادتان 11، 17 من القانون الأساسي). فالقانون بدوره يجب أن يكون معبراً عن مصلحة مجتمعية محددة تبرر تقييد الحرية. وهذه القاعدة الدستورية، ملزمة للكافة وعليهم واجب احترامها، فلا يجوز لأي قانون، أو قرار، أو ممارسة الخروج عن مقتضاها، احتراماً لمبدأ سمو الدستور، وتحت طائلة اعتبار ذلك الخروج، عملاً غير مشروع موجب للمساءلة.

إن نص القانون الأساسي واضح وصريح في تحديده الجهة المختصة بفرض أي قيود على الحرية الشخصية والحريات الأخرى، وحصره هذه الجهة بقضاة المحاكم دون غيرهم. إلا أنه وعلى مدار ثمانية عشر عاماً مضت، تم تفسير هذا النص بصورة لا تتفق مع صريح نص الدستور في إسناد تقييد الحريات للقضاة فقط. بموجب هذا التفسير، تم اعتبار أعضاء النيابة العامة قضاة حكم لديهم صلاحيات في القبض على الناس وحبسهم وتفتيشهم، وتفتيش مساكنهم ومنعهم من السفر. وأضحى هذا التفسير في الواقع، ممارسة أو عرفاً مبتدعاً لا يدعمه حكم الدستور. وبحكم هذه الممارسة المبتدعة، يأمر أعضاء النيابة العامة بالقبض على الأشخاص -خارج حالات التلبس بالجريمة- ويقررون حبس المتهمين احتياطياً (توقيفهم) مدداً قد تصل في مجموعها إلى ثلاثة أيام، كما أنهم يأمرون بتفتيشهم، أو تفتيش مساكنهم، أو أجهزتهم الإلكترونية، أو حتى منعهم من السفر، دون أن تتاح لهم ابتداءً، فرصة فحص مشروعية هذه الإجراءات وضرورتها ومعقوليتها من قبل المحكمة المختصة، وهي جهة استقلالها وحيادها محل افتراض بموجب الدستور والقانون.

استندت هذه الممارسة المبتدعة إلى تأويلات وتفسيرات من أعضاء النيابة العامة أنفسهم، لنصوص في قانون الإجراءات الجزائية، وقرار بقانون الجرائم الالكترونية، حيث تمنح هذه النصوص، النيابة العامة صلاحيات تجاه أوامر القبض والإحضار في غير حالات التلبس (المادة 106 من قانون الإجراءات الجزائية)، وصلاحية الحبس الاحتياطي (المادة 108 إجراءات جزائية)، وتفتيش الأشخاص (المادة 44 إجراءات جزائية)، وتفتيش المساكن (المادتان 39، 46 إجراءات جزائية)، وتفتيش وسائل تكنولوجيا المعلومات بما يشمل الحصول على بيانات المرور (المادتان 32، 33 من القرار بقانون الجرائم الالكترونية)، ومنحت النائب العام أو أحد مساعديه صلاحية ضبط الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والبرقيات (المادة 51 إجراءات جزائية)، ويتم تنفيذ كل هذه الإجراءات بأمر من عضو النيابة العامة دون الرجوع إلى قاضٍ مختص وفقاً لصريح نص المادتين (11، 17) من القانون الأساسي.

ترى الرابطة الأهلية لحماية الدستور، أن هذه التفسيرات، التي اعتمدت في الممارسة، لم تولِ أي اعتبار لمبدأ هرمية التشريعات ولمبدأ سمو الدستور، الذي يلتزم بموجبه أي شخص باستبعاد تطبيق النص القانوني الأدنى مرتبة إذا تعارض مع نص الدستور، سواءً كانت تلك النصوص قد صدرت في وقت سابق أم لاحق لصدور الدستور. كما لم يتم الالتفات في تلك التفسيرات إلى المادة (119) من القانون الأساسي، التي ألغت كل ما يتعارض معه من أحكام. وبالتالي، فإن مؤدى ذلك هو تحويل الصلاحيات التي كانت ممنوحة للنيابة العامة في فرض القيود على الحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة، والواردة في قانون الإجراءات الجزائية وقرار بقانون الجرائم الالكترونية، إلى قضاة الحكم فقط إعمالاً لنص المادتين (11، 17) من القانون الأساسي.

من جانب آخر، فإن قراءة قانون الإجراءات الجزائية بطريقة متأنية، لا تؤدي إلى القول بأن لأعضاء النيابة العامة صلاحيات في تقييد الحريات مثل القضاة. فمثلاً، لا يجوز للنائب العام بحسب المادة (51) من هذا القانون، مراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية إلا بناءً على إذن من قاضي الصلح، مع العلم أن هذا الإجراء لا يقل خطورة عن القبض، أو الحبس الاحتياطي، أو التفتيش الذي قد يأمر به أحد أعضاء النيابة العامة دون الرجوع إلى قاضٍ مختص. أيضاً، لما كانت المادة (119) من القانون نفسه تلزم وكيل النيابة العامة بالرجوع إلى قاضي الصلح لطلب توقيف المقبوض عليه، إذا اقتضت إجراءات التحقيق استمرار توقيفه أكثر من أربع وعشرين ساعة، فإنه لا يصح القول حينها، تحت أي تبرير، بأن لوكيل النيابة العامة أو أي من أعضائها أن يأمر وحده بتوقيف المتهم ثمانٍ وأربعين ساعة، أو ثلاثة أيام، دون الرجوع إلى قاضٍ.

وترى الرابطة، كذلك، أنه لا يمكن اعتبار النيابة العامة سلطة لها صلاحيات تقييد الحريات مثلما لقضاة المحاكم؛ وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة عمل النيابة العامة ومركزها في الدعوى الجزائية باعتبارها أحد أطرافها الرئيسيين، فهي خصم المتهم، والخصم لا يفترض فيه الحياد، وهي تسعى بهذه الصفة إلى الإدانة في الغالب الأعم، كما أنها وبصفتها المسؤولة عن تنفيذ السياسة الجنائية للحكومة، واختصاصها في تمثيل الحكومة والهياكل التنفيذية أمام القضاء في الدعاوى المقامة منها وعليها. فهي كما قيل "محامي الملك"، ما يجعلها قريبة جداً من السلطة التنفيذية، إضافة إلى أن احتكام أعضاء النيابة العامة لرؤسائهم وفقاً لترتيب درجاتها، يفقدهم الاستقلال المفترض في القضاة، فالتبعية الرئاسية كما هو معروف لها أثر نفسي غير محدود، وتحد من قدرة المرؤوسين على الاستقلال برأيهم والنأي عن التأثر بتعليمات رؤسائهم فيما يتعلق بمضمون العمل القضائي. كما إن استقلال ونزاهة "الموظف" الذي يأمر بالقبض أو التوقيف ستكون محل شك بحسب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، إذا كان يمكنه في وقت لاحق التدخل في إجراءات جنائية باسم الادعاء (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أسينوف ضد بلغاريا، بتاريخ 28/10/1998). ولا شيء يمنع، من ظاهر نصوص القانون، وكيل النيابة العامة مصدر الأمر بالقبض أو التوقيف من تمثيل الادعاء أمام المحكمة وقت المحاكمة النهائية.

وتذكر الرابطة بأن منح النيابة العامة الصلاحية منفردة باتخاذ إجراءات سالبة للحرية ضد المتهم، يمثل إخلالاً بمبدأ المساواة بين الخصوم باعتباره أحد ضمانات المحاكمة العادلة، هذه المساواة تقنضي عدم منح القانون صلاحيات استثنائية لأحد الأطراف في مواجهة الطرف الآخر، فإذا كانت النيابة العامة أو سلطات الضبط القضائي تستطيع حجز الحرية، وأيضاً تفتيش منازل الأشخاص وممتلكاتهم دون وجود إذن قضائي، هذا يعني أن حرية الأشخاص وحرمة حياتهم الخاصة تصبح مهددة دائما بإجراءات تعسفية لا يستطيع الأفراد مواجهتها أو تقديم دفاعهم بتجاوزها على الحقوق والامتيازات التي يمنحها القانون الطبيعي والدستور لهم. هذا يؤدي بالنتيجة، وكما هو مثبت واقعاً، إلى إحداث اختلال غير مقبول بين أطراف الدعوى، تؤثر سلباً على حق الدفاع المكفول دستورياً، علماً أن هذا المبدأ "مبدأ المساواة بين الخصوم" أو "تكافؤ وسائل الدفاع"، ليس مقتصراً في تفعيله على مرحلة المحاكمة وحدها كما هو معمول به، بل يجب أن يشمل جميع مراحل الدعوى الجزائية التي تبدأ عند مأمور الضبط القضائي، وتنتهي بتنفيذ الحكم الجزائي.

لكل ذلك، فإن الرابطة تعيد التأكيد على أن أي قيد يفرض على الحرية الشخصية أو الحريات الأخرى يجب أن يتم بموجب أمر قضائي صادر عن قاض محايد، حيث إنه من العناصر المتأصلة في الممارسة السليمة للسلطة القضائية، بحسب اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، هي أن تمارس هذه السلطة من قبل جهة مستقلة ومحايدة، تتحلى بالموضوعية والنزاهة في تصديها للقضايا المطروحة عليها، مما يتيح للشخص المحتجز عدم الحرمان من الحرية بصورة تعسفية أو بشكل لا مبرر له. (البلاغ رقم 521/1992، كولومين ضد هنغاريا، 22/3/1996). والقاضي الطبيعي، ولاعتبارات تتعلق بالضمانات التي يوفرها القانون لاستقلاله وحياده، هو وحده القادر على ذلك. وهذا الرأي يجد ما يدعمه في الممارسات الديمقراطية، وفي المعايير الدولية، فالمبادئ التوجيهية بشأن دور أعضاء النيابة العامة الصادرة عن الأمم المتحدة، تقضي بأن تكون مناصب أعضاء النيابة العامة منفصلة تماماً عن الوظائف القضائية. وأدانت المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان في أكثر من مناسبة، احتجاز المتهمين بأمر المدعي العام، واعتبرته انتهاكاً لأحكام الاتفاقية الأوروبية لحقوق الانسان؛ لأنه لم يصدر عن سلطة قضائية مستقلة ومحايدة (المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أسينوف ضد بلغاريا، بتاريخ 28/10/1998؛ وأيضا، هوبر ضد سويسرا، بتاريخ 23/10/1990). محلياً، أنكرت محكمة العدل العليا في أكثر من مناسبة، صلاحية عضو النيابة في إصدار أوامر المنع من السفر، واعتبرته اختصاصاً حصرياً للقاضي، مستندة في ذلك إلى المادة (11) من القانون الأساسي (حكم محكمة العدل العليا (رام الله)، الدعوى رقم 147/2015، بتاريخ 2/9/2015؛ أيضا الدعوى رقم 153/2016، بتاريخ 29/9/2016).

على ضوء ما سبق، تدعو الرابطة الأهلية لحماية الدستور بضرورة التوقف عن هذه الممارسات المبتدعة والمخالفة للدستور، والاحتكام لصحيح القانون، فإذا قدرت النيابة العامة وجود أسباب ضرورية ومعقولة تستدعي تقييد حرية أحد أو تفتيش مسكنه أو فرض أي قيد آخر على حريته، فعليها أن تتقدم بطلب إلى القاضي المختص الذي له فقط صلاحية إجابة الطلب من عدمه.

تعيد الرابطة التأكيد على ما ورد في موقفها بشأن واقع الحبس الاحتياطي، بضرورة أن تقوم مؤسسات العدالة الجنائية بما فيها المحاكم بمسؤولياتها الدستورية في احترام الحقوق وصون الحريات، فالتوقيف ليس بعقوبة، بل هو إجراء استثنائي لا يتم اللجوء إليه إلا في حالات محددة حصراً، وتحقيقاً لمصلحة مجتمعية محددة، وأن المحكمة المختصة هي من تدين وليس الشرطة أو النيابة أو قاضي التوقيف. كما تجدد الرابطة تشجيعها كل ذي مصلحة إعمال حقه في طلب التعويض المدني عن الاعتقال التعسفي والاحتجاز غير القانوني، استناداً لقواعد المسؤولية عن الفعل الشخصي، كلما كان ذلك مجدياً وتفعيل دعاوى التعويض المدني عن حالات الامتناع عن تنفيذ قرارات اخلاء السبيل أو الافراج الفوري، الصادرة عن المحاكم المختصة، أو تعطيل تنفيذها على أي نحو، لما تشكله هذه الدعاوى من آلية إضافية ضاغطة في اتجاه إنفاذ القانون واحترام الحريات.

 

الرابطة الأهلية لحماية الدستور

"دستور"

30-07-2020