15:26 pm 20 أغسطس 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

ضيق مساحة المحكمة أم ضيق صدر الانتقالي بحرية الرأي والإعلام؟

ضيق مساحة المحكمة أم ضيق صدر الانتقالي بحرية الرأي والإعلام؟

المستشار القانوني عصام عابدين – الشاهد|

برّر مجلس القضاء الأعلى الانتقالي، غير الدستوري، الذي يقف رئيسه موقفاً عدائياً من حرية الرأي والإعلام، عدم السماح ببث جلسة المحاكمة العلنية للحراكيين المطالبين بمحاربة الفساد بضيق مساحة غرفة محكمة الصلح التي تنظر الدعاوى الجزائية ضدهم في مجمع المحاكم بالبيرة.

 

هذا التبرير غير مستغرب في ظل النهج المعادي لحرية الكلمة وتكميم الأفواه الذي يمارسه رئيس الانتقالي، ويطال القضاة أنفسهم، المنوط بهم دستورياً حماية الحقوق والحريات، بأشكال مختلفة، وقد أحال عدد منهم للتحقيق والتأديب والندب على خلفية انتقاد أداء المجلس الانتقالي، الذي يشكل بوابة تحكُّم السلطة التنفيذية وأجهزتها بمفاصل القضاء، وزاد من حدة التدهور والنزيف الحاصل في القضاء ومنظومة العدالة.

 

وفي المقابل، فإن رئيس المجلس الانتقالي يجد مساحة كافية لنفسه للظهور على وسائل الإعلام أمام عدسات الكاميرات للمساس باستقلال القضاة والثقة بالقضاء، وبالمحامين ومهنة ورسالة المحاماة، وإرسال رسائل واضحة من الإدارة القضائية الانتقالية، للسلطة التنفيذية، أنه عون لها على فرض أجواء بوليسية داخل القضاء والنيل من الحقوق والحريات.

 

غاب عن ذهن، المجلس الانتقالي ورئيسه، أن حرية التعبير عن الرأي، بمختلف أشكالها وصورها، ومنظومة الحقوق، لا تتجزأ، وأن منع التغطية الإعلامية للجلسة العلنية من جلسات محاكمة الحراكيين التي جرت يوم الإثنين الموافق 17 آب 2020 بذريعة ضيق مساحة غرفة محكمة الصلح يشكل انتهاكاً غير مبرر لحرية الرأي والإعلام المكفولة في القانون الأساسي المعدل (المواد 19 و27) والاتفاقيات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان التي انضمت إليها فلسطين ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 19) والتعليقات العامة الصادرة عن اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة والمعايير الدولية، التي يجهلها المجلس الانتقالي ورئيسه فيما يبدو، في هذا المشهد وغيره، وبما ورد في مدونة السلوك القضائي الجديدة.

 

وغاب عن ذهن، المجلس الانتقالي ورئيسه، أن المنع غير المبرر للتغطية الإعلامية لجلسات المحاكمة العلنية، انتهاكٌ للحق والمبدأ الدستوري المكفول بالاتفاقيات والمعايير الدولية في علانية جلسات المحاكمة، وأن هذا الحق غير مقتصر فقط على أطراف الدعوى، وإنما يهدف إلى صون حقوق العامة في الرقابة التي لا تتجزأ على القضاء ومنظومة العدالة ومعرفة كيف تدار وكيف تصدر الأحكام باسم الشعب الفلسطيني، وأنه حقٌ للمجتمع ككل في مسار الرقابة المجتمعية على الأداء.

 

وهذا ما أكد عليه؛ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والإعلان الدولي الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان، والقرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمثياق العربي لحقوق الإنسان، وغيرها من المواثيق والمعايير الدولية والإقليمية. ولا يحق، مصادرة هذا الحق الأساسي للإنسان، بحجج وذرائع واهية، للحرمان من الرقابة المجتمعية الفاعلة على أداء القضاء، لا من القاضي ولا من الهيئة القضائية ولا من المجلس القضائي الانتقالي، ولا أساس لمصادرة هذا الحق في التشريعات الفلسطينية والمواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان، بل يتوجب، والحالة تلك، ودوماً، تسهيل وتمكين الناس والصحفيين من الرقابة على الأداء القضائي وتغطية جلسات المحاكمة العلنية، لا انتهاك هذا الحق وتفريغه من مضمونه وتعريضه للخطر بذريعة أن مساحة غرفة المحكمة ضيقة!

 

وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، التي تُراقب مدى امتثال الدول الأطراف للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومن بينها فلسطين، في التعليق العام رقم (32) الصادر عنها بأن مبدأ علانية المحاكمة يقتضي إجراء جلسات المحاكمة في حضور الجمهور ووسائل الإعلام، وتوفير التسهيلات اللازمة لحضور الجلسات العلنية، وتجسيد حقوق العامة في معرفة ومراقبة كيف تدار العدالة وكيف تجري حمايتها والأحكام التي ينتهي إليها النظام القضائي. وقد وجدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن انتهاكات قد ارتكبت للحق في المحاكمة العلنية والنزيهة في قضايا جنائية شملت شخصيات عامة عندما جرت في غرفة محكمة صغيرة لم تستوعب الجمهور المعني. وهذا ما سارت عليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، في العديد من القرارات، ومنها قضية ريبيان ضد النمسا (97/35115) (2000).

 

إن اجتزاء الحق في حرية الرأي والإعلام، والحق في علانية جلسات المحاكمة، بأشكال مختلفة؛ من قبيل السماح بحضور الجلسات والحرمان من التغطية الإعلامية والبث المباشر، للإعلاميين وغير الإعلاميين، أو السماح بالتسجيل الصوتي دون السماح بالتغطية المرئية وغيرها، سواء من القاضي أو الهيئة القضائية أو مجلس القضاء الانتقالي، ينتهك الحق في حرية الرأي والإعلام والحق في علانية جلسات المحاكمة، وينتهك الحق في الرقابة على أداء السلطة القضائية ومنظومة العدالة كحق للمجتمع ككل، وينتهك القانون الأساسي والتشريعات ذات الصلة والمواثيق الدولية والإقليمية، ويقع لزاماً على السلطة القضائية تسهيل التمتع بهذه الحقوق الطبيعية والدستورية، بكل السبل والإمكانيات المتاحة، لا الحرمان منها، لعدم وجود مساحة في الصدر لا في المحكمة.