11:35 am 30 سبتمبر 2020

أهم الأخبار الصوت العالي

الحق في علانية جلسات المحاكمة بين التمييز وعدم التجزئة

الحق في علانية جلسات المحاكمة بين التمييز وعدم التجزئة

د. عصام عابدين – الشاهد| يطرح فيديو الإعلامية والفنانة المخضرمة، فاطمة مشعلة، اليوم، وقد حمل الكثير من الألم والمرارة، مسألة بالغة الأهمية تستحق التأمل، والوقوف عندها، والتأكيد عليها مجدداً، تطال حقاً أساسياً من حقوق الإنسان يتمثل في علانية جلسات المحاكمة، وأبعاده ودلالاته، ومدى قابليته للتجزئة، وكيفية قراءته والتعامل معه من قبل القضاة والإدارة القضائية.

 

هناك مَن يتعامل مع الحق الطبيعي والدستوري في علانية جلسات المحاكمة على أنه "الحضور الفيزيائي" أي أنه مقتصر على مَن يستطيع الوصول فيزيائياً إلى قاعة المحكمة في المحاكمات العلنية، وهناك مَن يُضيف إمكانية تسجيل الجلسة فقط دون التصوير أو البث المباشر، وهناك مَن لا يُمانع بالتمتع بهذا الحق كاملاً باعتباره وحدة واحدة لا تقبل التجزئة.

 

وهناك مَن يرى أن هذا الحق يخضع للسلطة التقديرية للقاضي، ومن يرى أنه يخضع للسلطة التقديرية للمجلس القضائي (الإدارة القضائية) وما تُمليه على مركزها الإعلامي ليُمليه على الصحفيين وغيرهم، والسلطة التقديرية هنا لا تخضع لأية ضوابط أو معايير موضوعية، بمعنى أنها متروكة لتقدير القاضي أو الإدارة القضائية، ويزداد الأمر تعقيداً بطبيعة الحال مع ضيق مساحة غرف القضاة، ما يعني إمكانية الحرمان من هذا الحق رغم الحضور الفيزيائي إلى المحكمة، ولا يخلو الأمر من فرصة سانحة للمجلس القضائي (الإدارة القضائية) وإنْ كانت غير ذات صلة بإدارة الدعوى للتذرع بضيق المساحة للتضييق على هذا الحق، وبخاصة في قضايا الرأي العام، محل اهتمام الجمهور لمتابعة مجريات تلك الجلسات العلنية.

 

 

الحق في علانية جلسات المحاكمة بين التمييز وعدم التجزئة بقلم: د. عصام عابدين يطرح فيديو الإعلامية والفنانة المخضرمة،...

Posted by Isam Abdeen on Tuesday, September 29, 2020

 

الواضح، في خِضم تلك التباينات، في التعامل مع علانية جلسات المحاكمة، كحق طبيعي وأساسي، ومبدأ دستوري، أننا أمام "تمييز" مؤكد في منح أو حجب هذا الحق، وحدود المنع أو الحجب، وهذا بحد ذاته يشكل انتهاكاً دستورياً محظوراً وينال من خصائص حقوق الإنسان القائمة على المساواة وعدم التمييز، هذه حقيقة، لا يمكن إنكارها في الممارسات الجارية.

 

من الضروري التذكير بأن الحق في علانية جلسات المحاكمة هو حق مكفول في التشريعات الفلسطينية وأنها إرادة مشرعنا الدستوري التي عبر عنها قانوننا الأساسي، وقانون السلطة القضائية، والقوانين الإجرائية الفلسطينية. ومكفول على المستوى الدولي في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (دستور حقوق الإنسان) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي انضمت إليه فلسطين بدون تحفظات، والمبادىء الأساسية الدولية بشأن استقلال السلطة القضائية، وإعلان المدافعين عن حقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة والعديد من القرارات الصادرة عن الجمعية. ومكفول في الميثاق العربي لحقوق الإنسان. أي أننا أمام حق أساسي مكفول محلياً وإقليمياً ودولياً

 

وبالتالي، فإن أي تقييد لهذا الحق الأساسي من حقوق الإنسان ينبغي أن يكون له أساس واضح في التشريعات المحلية، وأن لا يُخالف هذا التقييد الاتفاقيات والمعايير الدولية، ولا يمكن التذرع بسلطة القاضي التقديرية أو سلطة الإدارة القضائية التقديرية لمنح أو حجب هذا الحق لأننا بذلك نكون أمام مصطلحات فضفاضة تُفرّغ الحق من مضمونه وتُعرّضه للخطر الشديد، وهي غير مقبولة في الفحص الثلاثي المعتمد في المعايير الدولية للحكم على القيود الواردة على الحقوق، ونكون بالنتيجة أمام انتهاك لهذا الحق، مُضافاً إليه تمييز محظور دستورياً وفي المواثيق الدولية في الممارسة.

 

وقد أكدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، التي تُراقب مدى امتثال الدول الأطراف في العهد الدولي المذكور، ومن بينها دولة فلسطين، في التعليق العام رقم (32) الصادر عنها بأن مبدأ علانية جلسات المحاكمة يقتضي إجراء جلسات المحاكمة في حضور الجمهور ووسائل الإعلام، كما وأكدت على وجوب توفير التسهيلات اللازمة لتمكينهم من متابعة الجلسات العلنية، وتجسيد حقوق العامة (وليس فقط مَن هم داخل جلسة المحاكمة) في معرفة ومراقبة كيف تُدار العدالة، وكيف تجري حمايتها، والأحكام التي ينتهي إليها النظام القضائي. أي بمعنى أننا أمام حق يتعلق بالمجتمع ككل.

 

ووجَدت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في الأمم المتحدة أن انتهاكات قد ارتُكبت للحق في المحاكمة العلنية في قضايا جنائية شملت شخصيات عامة عندما جرت في غرفة محكمة صغيرة لم تستوعب الجمهور المعني. وهذا ما سارت عليه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في العديد من القرارات الصادرة عنها ومنها قضية ريبيان ضد النمسا (35115/97) (2000). وبالتالي، فإنه يقع لزاماً على الإدارة القضائية والقضاة العمل بكل السبل الممكنة من أجل تيسير وتسهيل التمتع بالحق الكامل في علانية جلسات المحاكمة للصحفيين والمواطنين، لا تقييد الحق واجتزائه دون أساس بذريعة السلطة التقديرية.

 

الحق في علانية المحاكمة، غير مقتصر على أطراف الدعوى، ويعني أن تكون جلسات المحاكمة مفتوحة أمام الجمهور ووسائل الإعلام، وهو لا يهدف فقط إلى صون حقوق المتقاضين، أو صون حقوق المتهم في الدعاوى الجزائية، وإنما يهدف أيضاً إلى صون "حقوق العامة" في معرفة ومراقبة كيف تُدار منظومة العدالة وتصدر الأحكام ( المادة 9/3/ب من الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان، والقرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 53/144) كما ويطال واجب الرقابة المجتمعية على القضاء والعدالة، كحق للمجتمع ككل، لا ميزة لمن يتولى إدارة القضاء أو إدارة الدعوى القضائية.

 

وقد أكد الإعلان الخاص بالمدافعين عن حقوق الإنسان الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة على أهمية التمتع الكامل بالحق في علانية جلسات المحاكمة في تكوين الرأي العام عن مدى امتثال المحاكمات العلنية والإجراءات للقانون والالتزامات الدولية للدول، انطلاقاً من مسؤولية الأفراد والجماعات وهيئات المجتمع في تعزيز وحماية حقوق الإنسان.

 

خطورة تقييد هذا الحق، وتعريضه للخطر الشديد، لا تنسحب فقط على الإعلاميين أو عامة الناس في مسار الرقابة المجتمعية على قطاع العدالة، التي تلعب دوراً شديد الأهمية في الإصلاح القضائي، وإنما على القضاة أنفسهم وبخاصة في ظل حالة الانهيار التي يُعانيها القضاء الفلسطيني، وطغيان رؤساء المجالس القضائية المتعاقبين (الإدارة القضائية) على القضاة أنفسهم وبخاصة في عهد المجلس الانتقالي الحالي التابع للسلطة التنفيذية وأجهزتها، في ظل التعميمات ومدونة السلوك القضائي التي تُكمم أفواه القضاة، وإحالة عدد من القضاة للتحقيق والتأديب، والسعي المتواصل لتضييق مساحة الحق في علانية الجلسات بذرائع من بينها ضيق مساحة غرف القضاة وغيرها لحرمان الإعلاميين من تغطية الجلسات، وقد يدفع القضاة أنفسهم، ثمن هذا التضييق على هذا الحق، في حال تعرضوا لإجراءات تأديبية ظالمة ومحاولات للنيل منهم تحت جنح الظلام، وتمسكوا بحقهم المكفول في قانون السلطة القضائية في علانية جلسات المحاكمة، وهم بأمس الحاجة للصحفيين والتغطية الإعلامية المباشرة، تحقيقاً الرقابة المجتمعية، فلا يجدون صحفياً وعدسة كاميرا في عين المكان.

مواضيع ذات صلة