18:33 pm 12 فبراير 2021

أهم الأخبار انتهاكات السلطة فساد الصوت العالي

ليست هستيريا وإنما حملة للإطاحة بالمحكمة الجنائية الدولية

ليست هستيريا وإنما حملة للإطاحة بالمحكمة الجنائية الدولية

 

بقلم: د. عصام عابدين - الشاهد| يهوى فلسطينيون الإعلان مبكراً عن انتصاراتهم التاريخية للهروب من استحقاقات المواجهة الحقيقية القادمة كما يجري في ملف المحكمة الجنائية الدولية؛ بعد ما يزيد على ست سنوات من الدراسة الأولية التي أجرتها المدعية العامة وقبل فتح التحقيق الرسمي وإرسال الإشعارات (القضاء المحلي) بجرائم محتملة تدخل في اختصاص المحكمة ارتكبت على الأرض الفلسطينية المحتلة، كبديل للإرادة والخطة (التحقيق والمقاضاة) اللازمة في مسار عمل المحكمة لتحقيق العدالة الدولية.

 

تعمل إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، مع حلفائها، على ضمان اختيار مدعي عام جديد للمحكمة (يرأس مكتب الإدعاء العام ويتمتع بالسلطة الكاملة في تنظيم وإدارة المكتب وعلى موظفيه ومرافقه وموارده) على غرار المدعي العام الذي سبق بنسودا "لويس مورينو أوكامبو" سيء الصيت والتجربة مع الفلسطينيين وقضيتهم العادلة بعد نهاية ولاية بنسودا في حزيران القادم، للسيطرة على مفتاح التحقيقات أي الشروع في مرحلة التحقيقات من عدمها وكذلك السيطرة على مسارها حال جرت وإدخالها في دوائر مفرغة (يُنتخب المدعي العام بالاقتراع السري بالأغلبية المطلقة لأعضاء جمعية الدول الأطراف في نظام المحكمة).

 

اسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، تُدرك، كالولايات المتحدة، وحلفائها من الدول الأوروبية، وغيرهم من الحلفاء، كومة الإشكاليات والتعقيدات التي تُعاني منها المحكمة الجنائية الدولية وتمويل المحكمة ومَن يسيطر عليه وثغرات نظامها الأساسي وإجراءاتها البيروقراطية الطويلة.

 

تعمل إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، مع حلفائها، على "إرجاء البدء، أو إرجاء المضي حال البدء" في مرحلة التحقيق بطلب من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع لمدة 12 شهراً قابلة للتجديد "المفتوح" وفق المادة (16) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. والخشية من "مقايضة" العدالة الدولية بمفاوضات تسوية والدوران في حلقات مفرغة.

 

تُدرك إسرائيل أن الإدارة الأمريكية والعديد من الدول الأوروبية والحلفاء (حلفاء إسرائيل) سيدعمون هذا الاتجاه على حساب العدالة الدولية للفلسطينيين فماذا سيكون موقف القيادة الفلسطينية؟ هل ستقايض جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت ضد شعبهم وعلى أرضهم؟

 

تعمل إسرائيل وحلفاؤها على استغلال ثغرات أخرى في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية من قبيل المادة (98) فقرة (2) من النظام الأساسي للمحكمة، على غرار ما فعلت الولايات المتحدة، من خلال توقيع "اتفاقيات ثنائية" مع العديد من الدول تنص على عدم تسليم رعاياها حال صدور مذكرات توقيف من الدائرة التمهيدية بناء على طلب المدعي العام في مرحلة التحقيق، وسلطات الاحتلال تسير قدماً في هذا المسار لقطع الطريق على تنفيذ أية مذكرات قضائية مستقبلية من خلال إبرام "اتفاقيات ثنائية" تشترط موافقة إسرائيل على تسليم رعاياها المتواجدين على أراضي تلك الدول، وهو تفسير سيء للمادة (98) فقرة (2) من النظام الأساسي للمحكمة وبات يستخدم كرخصة للإفلات من العقاب.

 

لا أعتقد أن الحملة الواسعة التي تشنها إسرائيل؛ السلطة القائمة باحتلال استعماري طويل الأمد وبنت نظام فصل عنصري (أبارتهايد) عميق في فلسطين المحتلة، تعكس حالة هستيريا ومجرد ردات فعل، لأن منهجية تعاطيها مع المحكمة والدراسة الأولية للادعاء العام لا توحي بذلك نهائياً، بقدر ما تسعى من حملتها المُركّزة إلى تقويض المحكمة الجنائية الدولية على غرار ما تسعى إليه الولايات المتحدة ودول أوروبية ودول حليفة.

 

ينبغي أن لا ننسى أن قادتهم السياسيين والعسكريين "تورطوا" أيضاً في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في العراق وأفغانستان واليمن وغيرها (تعددت الجرائم الدولية والهدف مشترك: تقويض المحكمة).

 

ومن الضروري التذكير أيضاً ومجدداً بالخاصرة الرخوة المتعلقة بــ"القضاء الفلسطيني" في معادلة المحكمة الجنائية الدولية ونظامها الأساسي ومبدأ التكاملية في قواعد الاختصاص والمقبولية، حيث تؤكد المادة (17) فقرة (3) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بالنص الصريح على وجوب أن تنظر المحكمة، لتحديد عدم القدرة في دعوى معينة، فيما إذا كانت الدولة غير قادرة "بسبب انهيار كلي أو جوهري في نظامها القضائي الوطني" على الاضطلاع بإجراءاتها باستقلالية لتحقيق العدالة.

 

من وحي تجارب الماضي (فتوى الجدار 2004 وتقرير غولدستون والتلكؤ في الانضمام للمحكمة الجنائية ذاتها) والنهج الرسمي الفلسطيني الذي يفتقر للإرادة والمأسسة والخطة والتقييم والشفافية والانهيار الذي يُعاني منه القضاء الفلسطيني وينسف مصداقيته في الجانب التكاملي لأداء المحكمة والعقلية التي ترى في العدالة الدولية مجرد وسيلة للحصول على مزايا تفاوضية، أخشى، أن مسار المحكمة الجنائية الدولية (العدالة الدولية للفلسطينيين) سينتهي به المطاف إلى المقايضة السياسية.