15:11 pm 29 مارس 2021

الصوت العالي

هل ستتفتت حركة فتح؟

هل ستتفتت حركة فتح؟

رام الله – الشاهد| كتب/ جورج جقمان: ينشأ هذا السؤال مع كل دورة انتخابات للمجلس التشريعي. حدث هذا مع الانتخابات النيابية عام 1996 وانتخابات العام 2006 والانتخابات المقرر عقدها في أيار/مايو من العام الحالي.

 

في انتخابات العام 1996 للمجلس التشريعي تنافس أعضاء من فتح مع بعضهم البعض إضافة للتنافس مع مرشحين آخرين. وأدى هذا بطبيعة الحال إلى تفتت الأصوات، لكن هذا لم يترك أثر كبير على النتائج نظرا لعدم مشاركة حركة حماس والجبهة الشعبية فيها، فحصلت فتح على أغلبية من المقاعد. وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات يدرك ما سوف يحصل من ناحية النتائج فترك الأمر دون تدخل.

 

لكن تجربة فتح في انتخابات العام 2006 للمجلس التشريعي اختلفت خاصة في نصف المقاعد المخصصة في حينه للنظام الأغلبي وليس للتمثيل النسبي، اي للترشح الفردي وليس "للقوائم" كما يسمى التمثيل النسبي أحيانا.

 

وكان هذا متوقعا قبل الانتخابات، أن أعضاء فتح سوف يتنافسون فيما بينهم إضافة للتنافس مع مرشحين آخرين في نصف المقاعد المخصصة للنظام الأغلبي وأن هذا سيكون لصالح حماس، وهذا ما تم فازدادت حصة حماس في هذا النصف من المقاعد.

 

 لهذا السبب أصر ممثلو فتح في مفاوضات القاهرة المتعددة عبر السنوات على تبني نظام التمثيل النسبي الكامل نظرا لأن أداء فتح فيه في انتخابات العام 2006 كانت أفضل من نتائج النصف الآخر من المقاعد، ولهذا السبب قام الرئيس أبو مازن  بتعديل قانون الانتخابات بعد ذلك ليكون نسبي بالكامل، ومن المقرر أن تجري الانتخابات في أيار بناء على هذا النظام المعدل.

 

لكن هذا غير كاف ليمنع تفتت الحركة إن تم ترشح قوائم محسوبة على فتح غير تلك التي تريدها قيادة الحركة. ورأينا كيف تم إصدار مجموعة من القرارات الرئاسية تمنع ترشح من هم دون عمر الثامنة والعشرين، وشروط أخرى تطلب الاستقالة من الوظيفة العامة لغرض الترشح إضافة الى وظائف أخرى، وأيضا قبول الاستقالة التي يمكن أن لا تقبل، أي تمنع الترشح.

 

وأضاف شروطا أخرى جميعها تسعى لوضع عراقيل أمام ترشح قوائم أخرى من الحركة، ورأينا أيضا كيف قام البعض بإطلاق التهديدات والإعلان أن تجربة العام 2006 لن تتكرر. وتم فصل الدكتور ناصر القدوة من الحركة كما هو معروف.

 

لكن كل هذا لن يمنع الحركة من التفتت في ظروف محددة، أو على الأقل بقاء حالة الاغتراب الواسعة في بعض الأوساط داخلها، أو التنابذ بين المحاور، لسبب مدرك داخل الحركة منذ سنوات، أي غياب المأسسة ووجود نظام مقر ومقبول للجميع داخلها يوفر أساسا لشرعية القرار المؤسساتي ويوفر انضباطا حزبيا الأمر الذي يُفتقد في مناسبات مثل الانتخابات.

 

وقد بينت انتخابات العام 2006 أن وجود خصما أو منافسا لها غير كاف لتوحيد الحركة بسبب غياب هذا العنصر الهام لشرعية القرار الداخلي للحركة، الأمر الذي سيبقى إمكانية التفتت قائمة في المستقبل أيضا.

 

هذا كله مدرك عند قيادات الحركة. وكانت هناك محاولات لإصلاح الوضع في العام 2005 وفي العام 2008 عندما كان ابو العلاء مفوض التعبئة والتنظيم، اثناء الاستعداد للمؤتمر السادس للحركة الذي عقد في مدينة بيت لحم في أواسط شهر آب من العام 2009.

 

 

 أما المحاولة التي جرت في العام 2005 استعدادا للانتخابات النيابية القادمة فكانت أول محاولة في تاريخ الحركة لحصر العضوية، أي من هم أعضاء في حركة فتح، وتأسيس قاعدة بيانات يتم الرجوع لها لأغراض الحركة الداخلية بما في ذلك إيجاد نوع من الانضباط الحزبي المفقود حتى الآن.

 

وتم تعيين لجنة تحت إشراف عثمان أبو غربية المباشر مع عدد من قدماء الحركة لمتابعة حصر العضوية ، وربما الأهم، الأقدمية في الحركة لأنها أحد أسس الأحقية في عدد من النواحي بما في ذلك الترشح للمجلس التشريعي ضمن قائمة فتح.

 

وفي كلا المحاولتين، في العام 2005 وفي العام 2008 في عهد أبو العلاء فشلت هذه المحاولات لسببين: الأول، عدم قبول الكثيرين داخل الحركة أن يتساوى في الاقتراع، وخاصة في الترشح، المنتسب الجديد مع المخضرم، بوجود إشكالية أساسية تتعلق بمعايير الأقدمية، وتكرار "الدخول" و"الخروج" من الحركة، عبر السنوات لكثيرين، دون وجود معايير واضحة لذلك، يمكن من خلالها احتساب سنوات العضوية.

 

أما السبب الثاني الذي هو ربما الأهم، أن البنية الداخلية للحركة، والتي ما زالت قائمة حتى الآن، هي العلاقات الزبائنية كنظام معتمد فعلا الذي يؤدي إلى حلقات أو محاور ارتباط متحالف بعضها او متنافس مع محاور ارتباط اخرى. لكن جميعها تستمد دورها بما في ذلك أية منافع تتأتى بفعل الموقع والدور، في نهاية الأمر، من قمة هرم السلطة داخل الحركة.

 

وقد كان الرئيس الراحل أبو عمار بشخصه الصمغ اللاصق للحركة خاصة بعد استشهاد أبو إياد وأبو جهاد وآخرين من الرعيل الأول المؤسس، أي ليس البنية المؤسساتية لفتح.

 

هذا هو نظام "الأبوات" الذي عرف خلال سنوات المنظمة في الخارج قبل إنشاء السلطة الفلسطينية، وانتقال النظام الزبائني للسلطة الفلسطينية نفسها وأن كان مع تغيير جوهري في التحالفات، أو محاور الارتباط المكونة لبنية الحركة.

 

وقد شكل إنشاء السلطة الفلسطينية وانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لحكم شعب على أرضه ظرفا وتحديات جديدة لفتح.

 

فبعد ان كان أحد عناصر قوتها، الذي انعكس في كونها كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، غياب إيديولوجية محددة لها سوى مسعى تحرير فلسطين واستعادة الأرض، أضحى الأمر مختلفا عند تولي مسؤوليات حكم شعب على أرضه فيه مصالح عينية متنوعة و تراتبية طبقية لا يمكن لحزب واحد ان يمثلها جميعا.

 

هذا إضافة إلى نقل النظام الزبائني إلى بنية السلطة الفلسطينية نفسها مما أدى إلى اعتبار الجمهور، في أكثر من استطلاع رأي، أن نوعا محددا من الفساد هو الأكثر انتشارا في السلطة الفلسطينية، أي الواسطة والمحسوبية، وهما مكونان أساسيان في أي نظام زبائني بحكم التعريف.

 

غير ان ما هو أهم من ناحية الأثر على الحركة هو التغيير الذي حصل في التحالفات ومحاور الارتباط الداخلية للحركة التي اندمج فيها عناصر جديدة مشكلة من عائدين ومقيمين، ومجموعات مصالح متنوعة، ورأس مال محلي و"عائد" أتى ليجني ربحا ممن هم تحت الاحتلال "وبناء الدولة".

 

إضافة الى انه ناب فتح ما ناب باقي الأحزاب، أي ظاهرة مغتربي الأحزاب، ظاهرة متعددة الأسباب، أحدها أفول "المشروع الوطني"، أو حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له وتحول السلطة الفلسطينية إلى بلدية كبرى تدير شؤون المدنيين الفلسطينيين وتنسق "أمنيا" مع إسرائيل.

 

هذا بالرغم من إدمان السلطة على الخطاب "الدولاني" حفاظا على ماء الوجه، إلى درجة أنه عندما تم حل المجلس التشريعي من قبل الرئيس أبو مازن قال البعض في نوع من الهذيان السياسي، أن حل المجلس يشكل خطوة نحو الدولة!

 

والواقع هو أن حزبا جديدا حل محل حركة فتح أسمه "حزب السلطة". لقد استحوذ حزب السلطة على إسم الحركة ولم يتمكن أحد من مغتربي فتح التنافس على الإسم.

 

لم تتفتت فتح لكنها تبدلت وتغيرت ولم تعد فتح التي كانت، لم ولن يندثر إسم فتح بسبب تاريخها، وبسبب أنها حزب ياسر عرفات. لكن السؤال المستقبلي هو: من سوف يستحوذ على إسم فتح بعد مرحلة أبو مازن عندما لن يعود من الممكن الاحتفاظ بحل الدولتين على أنه المشروع الوطني لأن إسرائيل قضت عليه، وعند نشوء مشروع وطني متجدد لا قدرة لحزب السلطة على قيادته.