11:35 am 23 أغسطس 2018

الصوت العالي

هكذا سقطت “الشرعية الفلسطينية” في رام الله

هكذا سقطت “الشرعية الفلسطينية” في رام الله
سؤال: من يُمثّل الشعب الفلسطيني؟

جواب: منظمة التحرير الفلسطينية.

سؤال: هل م.ت.ف لا تزال الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني؟

جواب: منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الرّسمي الوحيد أما مسألة الممثل الشرّعي الوحيد للشعب الفلسطيني فهنا بالضبط يكمن المأزق الكبير في “الشرعية الفلسطينية” وفي تهتّكها وضعفها وشللها، حالة طالت كافة أبعادها الوطنية والقانونية والسياسية والأخلاقية، إنها تشبه، إلى حد كبير، ”شرعية جبهة التحرير الوطن” في الجزائر مثلاً، وليست بعيدة عن مبنى ومعنى “قانونية” هذه الأنظمة العربية على إختلاف ألوانها وطوائفها و”شرعياتها” المُصطنعة، مع فارق أنها ”شرعية” أسوأ وأضعف، فمنظمة التحرير من المفترض انها تمثل شعباً يكافح من أجل التحرر ويعيش نصفه تحت الاحتلال العسكري المباشر في وطنه، بينما نصفه الآخر في الشتات والمنافي والمهاجر. هذا الشعب أصبح متروكاً ومقصياً تمامًا، فلا يشارك في اختيار ممثليه، ولا علاقة للأكثرية الشعبية في صناعة قرار المؤسسة التي من المفترض أنها تتحدث باسمه.


وقد يبدو غريبًا القول، إن شرعية القيادة الفلسطينية بدأت في الإنحدار والتصدّع في العام 1974، أيّ في العام ذاته الذي حصلت عليه “المنظمة” على شرّعيتها الدوليّة والعربية الرّسمية في الأمم المتحدة، وفي مؤتمر القمة العربية في مدينة فاس بالمغرب من العام نفسه. وهو العام الذي سمح فيه لياسر عرفات بإلقاء خطابه في الأمم المتحدة بتاريخ 13 نوفمبر 1974، وبعد تقديم قيادة المنظمة حزمة من الوعود والمواقف السياسية الجديدة دونما شرعية قانونية!


لقد تبنت قيادة المنظمة مشروع ”إقامة الدولة الفلسطينية” في ذاك العام أيضاً، وهذه ليست صدفة، وأعلن عن دفن “الهيئة العربية العليا لفلسطين” في العام 1974 رسمياً رغم موتها قبل ذلك بسنوات. وبدأت قيادة المنظمة تتساوق مع ”مبادرة جنيف”  1974 وتغازل سياسات النظام العربي الرّسمي والمشاريع والمخططات المطروحة لتحقيق ما بررته بشعار ”الدولة الفلسطينية” أو ”السلطة الوطنية الفلسطينية” فاستبدلت هدف التحرير الشامل عبر الكفاح المسلح كما ورد في الميثاق القومي/ الوطني الفلسطيني، وأعادت إنتاجه ومسخه، تدريجياً، ثم اعتبرته ”كادوك”. كل ذلك وغيره حدث في إطار مشروع فكري وسياسي سيثبت الواقع لاحقاً عُقمه وفشله أطلق عليه اسم ”المرحلية“ والتدرج في تحقيق الأهداف الوطنية!


لم تسقط شرعية (القيادة /ات) الفلسطينية داخل (م.ت.ف) وفي أحزابها دفعة واحدة، بالمعنى التنظيمي الإجرائي، ولكنها سقطت بالمعنى الأخلاقي أولاً. أي حين تجاوزت إرادة الشعب الفلسطيني أول مرّة دون الالتزام بقواعد العمل الجبهوي الديمقراطي، من هناك بدأت مسيرة تآكل الشرعية الفلسطينية في المنظمة، وبدأت تتساقط أوراق الشرعية الفلسطينية ورقة بعد ورقة  وقطعة تلو قطعة، فالشرعية الفلسطينية المكتسبة بالعمل الفدائي والشعبي والتفاف الجماهير حول الميثاق الوطني و (م.ت.ف) ممثلاً شرعياً وحيداً ستذهب دفعة واحدة في العام  1993 مع توقيع اتفاقيات أوسلو الخيانية.


لقد وصلنا اليوم إلى هذا المشهد الكارثي المأساوي والسريالي في الفصل الأخير للشرعية المتداعية في رام الله المحتلة، ونحن نشاهد مسرحية الهزل في ما يُسمى ”انعقاد دورة المجلس المركزي  الفلسطيني” التي تقاطعها أكثر القوى والفصائل الفلسطينية الوازنة، وينعقد المجلس اللاشرعي تحت حراب الاحتلال وبموافقته، تماماً كما عُقد المجلس الوطني ومؤتمرات حركة فتح  السادس والسابع  في الأرض المحتلة، وهذه كارثة ومسخرة في آنٍ.


قبل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 كانت ”الهيئة العربية العليا” بزعامة الحاج أمين الحسيني هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب العربي الفلسطيني وتمثل مصالحه في كل مكان. فمنذ تأسيسها أول مرة في منتصف ثلاثينات القرن الماضي ثم رسمياً في العام 1946 على يد الجامعة العربية حتى أوساط الستينات من القرن الماضي ظلت الهيئة تمثل “قضية ومصالح الفلسطينين”، وهذه الهيئة العربية بقيادة الحاج الحسيني لعبت دورًا وطنيًا في مرحلة تاريخية ما لكن للأسف صبغوا عليها وعليه كل صفات القداسة والعظمة والتبجيل، وفشلت الهيئة ثم شاخت بعد النكبة حتى توارت عن الأنظار تماما، ولم يكن أحد يجرؤ على التشكيك بوحدانية وشرعية وتمثيل “الهيئة العربية والحاج أمين” حتى أوائل الستينات تقريباً لكنها تآكلت شرعيتها الوطنية وتقلص دورها تدريجياً بعد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة المناضل القومي أحمد الشقيري برعاية رسمية عربية عام 1964 في الحقبة الناصرية.


وسيولد جيلٌ جديد بعد النكبة 1948، ويرى “الهيئة العربية العليا” وما آلت إليه أحوالها، لقد وجدها مجموعة من المخاتير والعجائز والموظفين التقليدين التابعين الذين لا حول لهم ولا قوة. ولم يعرف جيل الشباب الفلسطيني في الستينات ماذا يتعين عليه أن يفعل على وجه التحديد، فبعض قادة الهيئة كانوا مناضلين بحق والتحقوا بالجيل الشاب وقدمّوا له الخبرة والتجربة، لكن الشباب الثائر الجديد لم يكن يعرف هل يشفق عليهم  أم يحاكمهم  لكنه قرر أن يستفيد من تجربة الهيئة من جهة ويتجاوزها في الوقت ذاته من جهة أخرى، فواصل حركة النضال التحرري وأسس لمرحلة وطنية جديدة من العمل الفدائي الفلسطيني وأعاد تأسيس (م.ت.ف) للمرة الثانية عام 1969 حين شاركت منظمات العمل الفدائي في جسم (م ت ف).


وهكذا تبدّلت الشرعية الفلسطينية. بانطواء مرحلة ونشوء مرحلة جديدة، وبالمقاومة والسلاح واكتساب الشرعية الشعبية والثورية على اساس ميثاق قومي/ وطني شكل الدستور والرؤية السياسية الجديدة للصراع بمشاركة الكتل الثورية والتجمعات الشعبية الفلسطينية داخل وخارج الوطن المحتل بقيادة الأجيال الجديدة.


إن إعادة تأسيس (م.ت.ف) مرة ثانية عام 1969 تحققت بالعمل الثوري  الجبهوي والوطني والقومي الذي يوافق عليه الناس ويقره الشعب، حُباً وطوعاً، لا كُرهاً وغصباً. لذلك بدت ”الانتخابات” نكتة شعبية أو فكرة سخيفة أمام حالة ثورية فلسطينية جامعة للشعب الذي اكتفى بهدف واضح هو العودة والتحرير.


فالشرعية الوطنية والقانونية في حركات التحرر الوطنية التي تواجه الانظمة الاستعمارية الاستيطانية لا تحققها الانتخابات بل المقاومة. والمقاومة المسلحة كما في حالة الجزائر وفلسطين، ثم تأتي الانتخابات كمحصلة طبيعية للتحرير والاستقلال.


إن الشعب الذي يتعرض للاقتلاع والتصفية لن يجد الا العنف الثوري الهادف للتحرير والعودة طريقاً لاستعادة الأرض والممتلكات وتحقيق المساواة، هذا العنف الثوري المستند الى رؤية واضحة هو أساس الشرعية في الحالة الفلسطينية.


إن تجديد الشرعية القانونية والسياسية في أي حزب او برلمان أو قيادة أو دستور لا يأتي بتغيير الأشخاص أو النصوص ولا بقرارات وفرمانات ولا بفرض سلطة الأمر الواقع. ويمكن اليوم لرئيس اللجنة التنفيذية في م ت ف وفريق أوسلو، يمكنهم عقد مجلس “وطني” و”مركزي” كل يوم، إذا أرادوا، لكن هذا لا شرعية له ولا قيمة له في ميزان الشرعية المفقودة، قيمته صفر، لأن الشعب الفلسطيني هو الذي يمنح الشرعية وهو صاحب الولاية وهو مرجعية كل المرجعيات. فالشعب هو مرجعية المنظمة وليس العكس.


وهناك طريق واحد لا غيرة في الحالة الفلسطينية لتجديد الشرعية في المؤسسة الفلسطينية، طريق الشرعية الثورية/ الشعبية، بالمقاومة المسلحة الشعبية التي يشارك كل فيها الشعب ويصوغ استراتيجيتها وأهدافها عبر الانتخابات في مؤسساته واتحاداته الشعبية والنقابية، أو بالتوافق الوطني. إن الانتخابات ”السياسية التمثيلية” مستحيلة التحقق في الحالة الوطنية لأنها لن تجري في ظروف وأجواء من الحرية والمساواة تحت الإحتلال.


كما أن محاولة إقصاء الشعب الفلسطيني ومصادرة إرادته تعتبر جريمة سياسية تاريخية ولا تحقق شرعية لمحمود عباس وفريقه، خاصة إذا تذكرنا أن كل قوانين او سلطة تأسست على الباطل فإن كل قراراتها تكون حُكماً فاقدة للشرعية وباطلة حتى لو شاركت فيها كل القوى والفصائل الفلسطينية. فكيف ونحن أمام سلطة فلسطينية فاسدة من أساسها الى رأسها؟.


وإذا كانت حركة فتح – “تيّار محمود عباس” ومعها القوى الآفلة الشكلية وتحالفها مع طبقة المال المُلحقة باقتصاد كيان العدّو والنظام الأردني قد جَمعّت وحشّدت نفسها في “المجلس المركزي بمقاطعة رام الله” تحت حراب الاحتلال وتحت سقف مشروع الحكم الإداري الذّاتي المحدود، وأسست لمرحلة جديدة من السلب والتفكك فان على قوى المقاومة الفلسطينية الشعبية، المسلحة على نحو خاص، أن تشرع فوراً في الحوار الوطني الدّيمقراطي لتأسيس جبهة المقاومة الوطنية التي من شأنها أن تقطع الطريق على مسار التسوية/ التصفية من جهة و تُعيد التوازن الدّاخلي للمعادلة الوطنية والشعبية من جهة أخرى وتؤسس لشرعية وطنية جديدة.


إن أحد أهم أولويات هذه الجبهة الوطنية الفلسطينية الواسعة هو العودة إلى الميثاق الوطني وإلى شرعية الجماهير الفلسطينية أولاً، وإلى الطبقات الشعبية المتضررة تحديدًا، باعتبارها الشرعية الشعبية الباقية والوحيدة ولأنها القوة الحاسمة صاحبة المصلحة في التغيير والتحرير والتقدم، والقادرة على حسم خيارات الحركة الوطنية وتحديد بوصلتها، هذا يعني، ويشترط أيضًا، تنظيم مسيرات شعبية ومؤتمرات مفتوحة وعلى نطاق واسع في الوطن والشتات تُعبر من خلالها جماهير الشعب الفلسطيني والشخصيات الوطنية الموثوقة من الشباب والنساء والحركات الإجتماعية الحزبية والمستقلة في فضاء من الحُرّية والمساواة، تقدم المُقترحات العملية والحلول الوطنية الواقعية البديلة لمغادرة مربع الأزمة وللخروج من دائرة اللّف والدوران إلى فضاء أرحب يُمكّنها من إستعادة روح المبادرة الشعبية. إن سؤال الشرعية الفلسطينية هو سؤال جماعي وبالتالي فان الجواب عليه يتشرط ان يكون جماعي.


لقد سقطت شرعية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وهي تشبه اليوم قيادة الهيئة العربية العليا التي هرمت وشاخت في أيامها الأخيرة قبل نحو ستة عقود. ويقول لنا الواقع: مر ربع قرن بعد توقيع ”اتفاق أوسلو” وجاء هذا الجيل الفلسطيني الجديد وبدأ يتلمس طريقه وقد آن أوان التغيير وتجديد الشرعية من خلال إعادة تأسيس (م.ت.ف) للمرة الثالثة وتجديد شرعيتها وفق أسس كفاحية وطنية وديمقراطية جديدة.


بقلم خالد بركات..