21:56 pm 24 أغسطس 2021

الصوت العالي

كتب هاني عرفات: من الذي يجب أن يكون في قفص الاتهام؟

كتب هاني عرفات: من الذي يجب أن يكون في قفص الاتهام؟

رام الله – الشاهد| كتب هاني عرفات: آخر لقاء جمعني بفادي كان قبل عدة شهور، حينما كان في زيارة عمل لأميركا ، قلت له ممازحاً: لقد تأخرت في الزواج يا عم، سأمنحك حتى نهاية نيسان (الماضي) إن لم تجد عروساً بنفسك، سأضطر لتزويجك بنفسي. ضحك وقال: اتفقنا، كان يسخر مني على ما يبدو، فهو لم يتزوج حتى الآن

 

أكتب عن فادي ، ليس لأنه ابن أخي فحسب، بل لأن قصته وسيرته تقريباً متشابهتان تماماً مع أقرانه المعتقلين في سجون السلطة ، لا لشيء سوى موقفهم السياسي.

 

فادي لمن لا يعرفه ، شاب خجول ، هادئ بطبعه، مستمع جيد، لكنه قد يفاجئك على حين غرة، ويعرض موقفه بجرأة و وضوح ، قد يختلف معك أو يتفق، لكنه لن يجامل ، وفي نفس الوقت مرن وقابل للتعلم، ويحترم من يخالفه الرأي.

عندما أنهيت دراستي في الخارج وعدت إلى مسقط رأسي، كان بين ذراعي والدته ، ولم يبلغ من العمر سوى عاماً واحداً، وحين غادرت إلى مستقري الحالي ، كان فادي ابن الثلاثة عشر ربيعاً، يخطو خطواته الاولى في استكشاف هذا العالم، لم يعهد فادي زمن الاحتلال المباشر.

 

كان رضيعاً حينما اعتقل والده إداريًا على يد قوات الاحتلال ، وأودع سجن النقب الصحراوي ، أثناء الانتفاضة الاولى ، ولم يعي مطاردة الاحتلال لعمه الاصغر، ثم اعتقاله لاحقاً  هو الآخر وإيداعه السجن نفسه.

 

كان فادي يجلس بالقرب من جدته لأبيه ، ويستمع باهتمام ، الى قصص ترويها له، حول معاناتها والعائلة من الاقتحامات المتكررة للمنزل بحجة البحث عن عمه المطارد ، واعتقال جده الستيني في حينها و وضعه على مقدمة الجيب العسكري والطواف به في أنحاء المدينة، ثم تحدثه عن ثورة ال١٩٣٦، وتسمعه بعض الأهازيج  التي كان يرددها الناس دعماً للثورة : الحطة بأربع قروش والخاين لابس طربوش.

 

تشبع فادي بحب الوطن العفوي، وغير المشروط، تشكلت السلطة الفلسطينية وفادي لم يبلغ العاشرة من العمر بعد، نشط في مدرسته ، وخاض الانتخابات الطلابية في مدرسته ممثلاً عن حركة الشبيبة.

فادي قارئ جيد متابع للأحداث وذكي، فهم مبكراً أن الطريق الى الخلاص من الاحتلال، لن يتحقق من خلال اتفاقيات أوسلو وما تبعها ، وأدرك الخلل الواضح في ميزان القوى لصالح المحتل، لكنه آمن بضرورة النضال الشعبي والسلمي ، متأثراً بالغاندية السياسية.

 

شارك وبشكل فعال في الاحتجاجات ضد الاحتلال وقطعان المستوطنين ، كان يشد الرحال شمالاً وجنوباً ، على طول وعرض الجغرافيا الفلسطينية ، ليشارك في التظاهرات والاحتجاجات، أعتقل وجرح غير مرة، أصدقاء له إستشهدوا أمامه، لكن ذلك لم يثنه لحظة واحدة عن أداء واجبه الوطني ، بل زاده إصراراً.

 

التحق فادي بجده واجتهاده بأعرق الجامعات الأمريكية (ستانفورد) ، ونشط بشكل كبير في أوساط الطلبة هناك، لصالح القضية الفلسطينية ، وتخرج منها بشهادة في العلاقات الدولية والفيزياء.

 

بعد تخرجه نشط فادي في تجنيد حملات دولية لصالح القضية الفلسطينية، وحقق وأصدقائه إنجازات مهمة في المحافل الدولية ( الصور المرفقة تدلل على هذه الانجازات).

فادي معتقل منذ يومين الآن، والغريم هذه المرة هي السلطة الفلسطينية ، اقتيد من وسط مدينة رام الله معنفاً من قبل جهاز أمني، أودع هو وثلاثون آخرون عرف منهم الشيخ عدنان خضر  في غرفة لا تتسع إلا لعشرة أشخاص، ومرحاض مكشوف ، أمضى فادي ليله في المعتقل دون فراش أو غطاء ، لكن ما هي التهم الموجهة لفادي حسب محاميته:

 

التحريض على الطائفية والمذهبية!

 

التحريض على العنصرية!

 

التطاول على الرئيس!

 

الاعتداء على موظفين حكوميين!

 

التحريض العنصري!

 

توزيع العلم الفلسطيني!

 

لا أدري ما هي المؤهلات العلمية لمن صاغ هذه التهم لفادي، واضح أن لا مؤهلات، ولكن الأهم من ذلك ، لا بد وأن يكون هذا الشخص مستورد ، ليس من هنا. نحن في فلسطين لا يوجد لدينا مشاكل مذهبية ، وليس لدينا قوميات وأجناس لتكون لدينا عنصرية، من أين أتوا بهذا الهراء؟

 

ثم فادي إنسان مسالم ، يؤمن بالنضال السلمي ، لم يحمل سلاحاً يوماً ، كيف له أن يعتدي على موظفين حكوميين؟

 

أما موضوع التطاول على المقامات، أي مقامات يتحدثون عنها، الرئيس نفسه وقبل أن يصبح رئيساً ، هو نفسه انتقد مقامات عليا في حينه، الشتائم مرفوضة من أي كان ، لكن انتقاد شخوص يحتلون مراكز عامة بسبب الأداء السياسي من أعلى الهرم إلى أدناه، هو أمر مطلوب وينص على هذا الحق الدستور الفلسطيني.

أما الكارثة ، فهي توجيه تهمة حيازة أو توزيع العلم الفلسطيني من قبل هيئة قضائية فلسطينية، وكما قال فادي للقاضي، أرجو أن تثبتوا في محضركم هذه التهمة، فهذه أول مرة تتهم محكمة فلسطينية ، مواطن فلسطيني بجرم توزيع العلم الفلسطيني.

 

إلى أي درك وصلنا يا سادة؟

 

ابنتي الصغيرة قالت لي بالأمس بعد أن طالعت حملات تضامن دولية مع فادي ، على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت: كنت أريد أن أنشر بعضها على صفحتي، لكني تراجعت في اللحظة الاخيرة ، كي لا يستغلها أعداء الشعب الفلسطيني، ضد الفلسطينيين، هذه الطفلة لديها وعي أكثر بكثير من صاحبنا الذي وجه التهم.

 

بعد اعتقال فادي أشار عليه البعض الاتصال بالسفارة الاميركية، كونه يحمل الجنسية الاميركية أيضاً، رفض بشموخ وإباء أن يستنجد بأحد ضد أبناء جلدته.

 

المعتقلون جميعاً تقريباً ، لديهم مؤهلات وسير تتشابه مع فادي، تاريخهم النضالي نظيف ولا غبار عليه، لكن انسداد الأفق والقمع، وتكميم الأفواه دفعهم للخروج إلى الشارع ، بعد أن أغلقت في وجوههم الأبواب.

 

راقبوا حركة الشارع، كلما زاد القمع والترهيب ، تعمقت الاحتجاجات أكثر ، وانضم إليها شرائح وفئات أخرى، قلنا عدة مرات ، القمع لن يوقف الاحتجاجات، إطلاق الحريات، تحقيق شفاف وعادل في قضية نزار بنات، وإجراء انتخابات شفافة ونزيهة هو المخرج الوحيد. كل يوم يمر في ظل هذه السياسات ، يشعل الغضب أكثر فأكثر، ولن يكون في مصلحة من يقوم بها.

 

بعد كل هذا من تظنون أولى بأن يوضع في قفص الاتهام، فادي وزملائه المناضلين، أم من يوجه لهم لوائح الاتهام، لا لشيء بل لأنهم وطنيون أحرار؟.

 

أفرجوا عن فادي وجميع المعتقلين السياسيين الآن ، قبل أن تغرقوا وتغرقوا البلاد معكم.