07:46 am 19 يناير 2019

الصوت العالي

هتافات الضمان: "انحريت... فحنيت"

هتافات الضمان: "انحريت... فحنيت"

هتافات الضمان: "انحريت... فحنيت"


بقلم الكاتبة مجد حثناوي


عفوية اللغة في الهتافات التي نسمعها في الحراك السياسي تكتنز بالإرث الاستعماري أو الثقافي أو الفني، والمتابع للهتافات التي رفعت ضد قانون الضمان الفلسطيني يرى تنوعًا زاخرًا فيها بدءًا بـ"هالقانون ليش ليش، وع المنارة وصلوا الجيش" حتى مقطع من أغنية أم كلثوم "إنما للصبر حدود".


اكتنزت فلسطين بانتفاضةٍ لغويةٍ كبيرة بدأت تأخذ طابعًا مدنيًا في مرحلة ما بعد أوسلو، وتطورت تلك اللغة مع تطور الأحداث والمجريات السياسية على الأرض، التي كانت آخرها مسيراتٌ تطالب بإلغاء قانون الضمان الاجتماعي.


الشعارات التي انتظمت في الصفوف لم تكن تنتقد بنودًا معينة في قانون الضمان الاجتماعي بقدر ما كانت ترفض النظام أو النسق الذي ينتج تلك القوانين


والمستمع لترديد الرسالة السياسية التي يحملها "الهتَّاف" -الشخص الذي يقع على عاتقه مسؤولية نقل الرسالة السياسية التي تتدحرج بخفة إلى المردد- يرى أنها تحمل دلالاتٍ وأبعادًا تسهم في صياغةٍ دلاليةٍ جديدةٍ في بنية الصراع، فلطالما تأثر الحراك السياسي الفلسطيني بإيقاع الهتافات الاستقطابية التي كانت ترفع في الميدان. ولم تنفصل هتافات الرافضين لقانون الضمان الاجتماعي عن تقديم لغةٍ دلاليةٍ مُحكمةٍ خرجت من قعر المعاناة، فالشعارات التي انتظمت في الصفوف بشكل تصاعدي، لم تكن تنتقد بنودًا معينة في قانون الضمان الاجتماعي بقدر ما كانت ترفض النظام أو النسق الذي ينتج تلك القوانين، فشعار "يلي بقولوا الضمان، يلا فرجونا الأمان"، يعبّر فيه المواطن عن "أزمة ثقة" أكثر من "أزمة تعديل قانون"، مع العلم أن الثقة في مؤسسات الدولة هي من أهم مكونات رأس المال الاجتماعي، وفقدانها قد يظهر على أشكال متعددة ونتائج غالبًا تكون غير متوقعة.


وفي خضم عملية الرفض وإعادة البناء اللغوي، أنتج المتظاهرون حصيلة لغوية ذات دلالةٍ مركبةٍ مرتبطةٍ بالإرث الاستعماري من جهة، والخذلان من مؤسسات الدولة التي تدير هذا الإرث من جهة أخرى، ونرى ذلك جليًا في عبارة "هالقانون ليش ليش، وع المنارة وصلوا الجيش"، وشعار "زوجة الشهيد لا ترث، لأن وفاته غير طبيعية".


ومن الملاحظ استحضار الثوابت الفلسطينية الشعبوية في أغلب التظاهرات، مثل القدس، الشهداء، الأسرى، ونلاحظ أن ترتيب "الهتّاف" للمطالب، يتجلى بصورة تراتبية تبدأ بالثوابت الوطنية المرتبطة بالاستعمار -التي لا ترتبط شرطًا بالثوابت التي تعززها السلطة-  و كأنه يرسم خارطة معرفية ويعيد بناء اللغة الخطابية السياسية لكن بأدواتٍ شعبيةٍ، وفق رؤيةٍ مناهضةٍ لخطاب السلطة، باعتبار التظاهرة ضد قانونٍ داخل مؤسسات السلطة بالأساس، وهو بذلك يؤسس أدواته المطلبية الخاصة خارج النسق المتعارف عليه.