12:36 pm 2 أكتوبر 2022

الصوت العالي

كتب ماجد العاروري: هل سيكون الرئيس محمود عباس آخر الرؤساء الفلسطينيين؟

كتب ماجد العاروري: هل سيكون الرئيس محمود عباس آخر الرؤساء الفلسطينيين؟

رام الله – الشاهد| كتب ماجد العاروري: بعد ثلاثة عقود على نشوء السلطة لم يعد حل الدولتين الذي نادت به منظمة التحرير الفلسطينية ودعمه المجتمع الدولي ممكناً على الاطلاق، وبات الحديث عن دولة فلسطينية على حدود عام 1967 مجرد كذبة لا أساس لها على ارض الواقع حتى لو قرر العالم تنفيذها، ليس فقط بفعل سيطرة المستوطنون على الأرض، بل أيضاً بفعل سيطرة المستوطنين في الضفة الغربية فعليا على مقاليد الحكم في الدولة العبرية.

 

فالدولة العبرية القائمة هذا اليوم هي ليست بمواصفات تلك الدولة "الإسرائيلية" في عام 1993، حيث كانت بعض الأحزاب السياسية "الإسرائيلية" حينها تؤمن بحل الدولتين وإمكانية إقامة دولة فلسطينية محدودة او منزوعة القوة العسكرية.

 

يضاف الى ذلك ان الشعب الفلسطيني أضحى اليوم مقسماً الى قطاعات تختلف عن التقسيمة المعروفة منذ عام 1948 لغاية 1993، وهي ثلاث فئات لكل فئة ظروفها الخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات والمناطق المحتلة عام 1948، فقد بات فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة منقسمين على أنفسهم، وبات لكل تجمع نظام سياسي خاص به.

 

الحكومة "الإسرائيلية" اعتقدت انها قادرة على الإبقاء على قواعد اللعبة بين يديها من خلال هذه التقسيمة، تفاوض حين تشاء حكومة الضفة الغربية، وتحارب حين تشاء حكومة حماس في قطاع غزة، وتستخدم هذه المناطق كما تشاء في قواعد لعبتها السياسية والانتخابية.

 

فمثلا اعتبرت قطاع غزة لفترة طويلة مسرحاً للتصعيد العسكري بما يلبي مصالحها ومصالح احزابها الحاكمة، وباتت ترى في غزة المسرح الذي تخط عليه ملامح دعايتها الانتخابية، بعد ان كانت تستخدم لبنان لذات الغاية، حيث اكتشفت بعد حرب تموز عام 2006 أن لبنان لم يعد المسرح الملائم لدعايتها الانتخابية، فاتجهت لبسط عضلاتها الانتخابية على قطاع غزة منذ عام 2014.

 

لكنها فوجئت في اخر حرب لها عام 2021 بمقاومة شديدة جعلت من ثمن لعبة شد العضلات على قطاع غزة باهظ الثمن، وباتت محصورة خيارات شد العضلات الانتخابية بعد خروج لبنان وغزة من المعادلة، رافق ذلك حالة من عدم الاستقرار في الحكم وكثرة تغير الحكومات واجراء الانتخابات.

 

الأحزاب "الإسرائيلية" باتت في ورطة شديدة، وبالتالي ترتب عليها البحث عن واقع جديد، ما يتوجب عليها أن تضحي بالشريك الفلسطيني الحاكم في الضفة الغربية (السلطة الفلسطينية)، لكنها لن تتوسع في تضحيتها في السلطة الى درجة تحويلها الى عدو والتخلص منها نهائياً، وذلك لسببين:

 

الأول، لا يمكن للحكومة "الإسرائيلية" تحمل تكلفة الاحتلال للضفة الغربية سياسيا واقتصاديا. وثانيا، لا يمكنها أن تستغنى عن سلطة تنبذ كل اشكال العنف، ولا يوجد لديها أي تطلعات سياسية حقيقية، تحميها طبقة تبحث عن امتيازات شخصية أكثر من بحثها عن إنجازات سياسية وطنية، فهذه الحالة لم يكن يمكن تصورها حتى في الحلم "الإسرائيلي".

 

الحكومة "الإسرائيلية" أصبحت الآن أمام واقع جديد معقد ومركب ومتناقض، فهي لا يمكنها خلق حالة استقرار حكومي الا من خلال وجود عدو يتوحد عليه المجتمع "الإسرائيلي"، فأصبحت لعبتها تركز على الضفة الغربية دون غيرها لتحقق ما لم لا يمكن تحقيقه على الساحة اللبنانية وقطاع غزة.

 

أما في الضفة الغربية فأصبح الفلسطينيون منقسمون الى ثلاثة اطر غير منفصلة لكنها مختلفة. تجمع في جنوب الضفة الغربية تحكمه العشائر دون ان ينفصل عن السلطة ودون ان يسمح للسلطة ان يسيطر عليه تماماً، وتجمعا آخر وسط الضفة الغربية تتركز قوته في مدينتي رام الله واريحا، تسيطر عليه أجهزة السلطة الفلسطينية، وليست السلطة الفلسطينية.

 

فالسلطة في الوعي الفلسطيني ترمز إلى حكومة ومجلس تشريعي وقضاء فلسطيني، لكن السيطرة في واقع الأمر بقبضة الأجهزة الأمنية وما يتبعها من دوائر سياسية، وتنحصر حدود عملها السياسي والأمني في هاتين المنطقتين.

 

أما التجمع الثالث في شمال الضفة الغربية، فقد خلق هوية خاصة له ضمن نمط سياسي مختلف عن السابقين، لا تتحكم فيه الأجهزة الأمنية الفلسطينية ولا العشائرية، بل يخضع لقوة مجموعات شبابية فلسطينية مسلحة تمول نفسها بنفسها، استطاعت بذلك ان تشق مكانتها الوطنية يوما بعد يوم وتثبت وجودها كثقل ووزن سياسي وعسكري في المنطقة، ومدعومين بشكل متزايد بالحاضنة والتأييد الشعبي بفعل نشاطاتها النضالية وما تحققه من بطولات فردية.

 

وباتت تتحول هذه المنطقة الى منطقة عمل وطني منظم تتعدى حدوده الفصائلية التقليدية، وينشأ له قيادات محلية يلتف حولها جمهور واسع من عامة الشعب والمجموعات الشبابية المسلحة، والتي تتمركز في نابلس ومخيم جنين، وأصبحت تشكل مركزاً لحجيج بعض المسؤولين السياسيين بهدف كسب المزيد من الشرعية في ظل غياب أي شرعية انتخابية.

 

على ضوء ذلك باشرت الحكومة "الإسرائيلية" التعامل مع الواقع الجديد الناشئ في شمال الضفة الغربية بازدواجية، فمن جهة توجه له ضربات مؤلمة لتبقيه ضعيفا تحت السيطرة، ومن جهة أخرى تحوله إعلاميا الى هالة مرعبة لتستخدمه كفزاعة لتحقيق مكاسبها السياسية وقتما تشاء.

 

 

فتكلفة ازدواجية التعامل مع الحالة الناشئة لا يكلف "الإسرائيليون" ثمناً باهضاً كحال لبنان وحال غزة وبدا الأمر واضحا في الصورة التي يرسمها الاعلام "الإسرائيلي" لمخيم جنين تحديداً، وللفت أنظار العالم الى هذه المنطقة باعتبارها بؤرة ساخنة اغتال فيها الجيش "الاسرائيلي" الصحفية شيرين أبو عاقله.

 

وتسعى الحكومة "الإسرائيلية" في الوقت الراهن لتهيئة الأجواء النفسية لاستخدام الطيران الحربي في قصف هذه المناطق تحت شعار صعوبة التحرك الميداني في داخلها، وبالتالي سيكون شمال الضفة الغربية وعلى وجه الخصوص مدينة جنين ومخيمها ساحة الدعاية الانتخابية "الإسرائيلية" بمنحها الصورة ذاتها التي منحت الى قطاع غزة ولبنان سابقاً كما يتضح من المفردات "الإسرائيلية" التي تستخدمها اليوم لتوصيف المنطقة.

 

المناطق الفلسطينية الأربعة في قطاع غزة وفي الضفة الغربية يجمعها سياسيا الرئيس محمود عباس، لكن هذه الدائرة مظلله بلونين، لون مؤيد للرئيس عباس وآخر معارض لسياساته، وهذا يثير سؤالا حول حال هذه المناطق في اليوم الذي سيلي غياب الرئيس محمود عباس. هل سيكون هناك رئيسا فلسطينا واحد قادرا على حكم هذه المناطق.

 

فالواقع يشير الى أن الرئيس عباس هو آخر الرؤساء الفلسطينيين وفقاً للمنظومة السياسية التي سادت منذ عام 1964، وأي زعيم سياتي بعده لن يكون سوى زعيماً لإحدى هذه التجمعات بما فيها مدينة رام الله عاصمة السلطة الفلسطينية.

 

فنحن اليوم سياسيا على اعتاب مرحلة سياسية قد لا تختلف فلسطينيا عن الأحوال التي غاب فيها عن المسرح وجود زعيم فلسطيني واحد للفلسطينيين في الفترة الممتدة بين عامي 1948 – 1964، حيث رسمت ملاح منظمة التحرير الفلسطينية حينها، لكن بالمقابل قد تنشأ لدينا زعامات محلية وطنية وأخرى غير وطنية على غرار مرحلة الثلاثينات بسبب غياب النموذج السياسي والوطني الفلسطيني القادرة على حشد اجماع فلسطيني.