15:03 pm 1 نوفمبر 2022

الصوت العالي

كتب إبراهيم عز الدين: ما لا يعرفه المطاردون الذين سلموا أنفسهم للسلطة

كتب إبراهيم عز الدين: ما لا يعرفه المطاردون الذين سلموا أنفسهم للسلطة

رام الله - الشاهد| كتب إبراهيم عز الدين: في 14 يوليو 2007 صرح مسؤولون إسرائيليون أن أحد المطاردين الكبار في الضفة الغربية، ليس مشمولا في قائمة العفو بحسب تسمية السلطة، أو الاسترحام كما يسميها الإسرائيليون، لكن بعد ذلك بساعات صرح الشاباك الإسرائيلي أن الاسم موجود في القائمة، لكن خطأ تقني بسيط تسبب في نقل الاسم من قائمة "الاسترحام" إلى قائمة "المطاردين".

 

بهذه البساطة تحول مطارد سلم سلاحه، من شخص في مأمن من الملاحقة إلى شخص قد يتم اغتياله في كل لحظة. كل ما في الأمر خطأ تقني فني.

 

تشير هذه القصة بوضوح إلى هشاشة ما يسمى إسرائيليا بـ"الاسترحام"، والذي يقصد فيه أن يقوم المطارد بتسليم سلاحه للسلطة الفلسطينية، ويجري اعتقاله لفترة معينة، ثم يتم إبلاغه بأن السلطة قد أغلقت ملفه عند الاحتلال. لكن تبدو هذه مخادعة إذا ما تم تعريف فترة الاعتقال ضمن الرؤية الإسرائيلية لها.

 

 فالإسرائيليون يعتبرون أن هذه الفترة وما يليها هي "فترة تجربة" أي يخضع فيها المطارد للمراقبة، وإذا ما ثبت أن لديه نية أو توجه للعودة للعمل المقاوم، فإن هذا يعني اتخاذ قرار بملاحقته لكن دون إبلاغ السلطة هذه المرة.

 

وما سبق يعني أنه إذا تواصل المطارد الذي شمله "الاسترحام" مع صديق أو قريب له علاقة بالمقاومة أو بنشاطات وطنية، فإن هذا قد يلغي تماما "الاسترحام" وتصبح ملاحقته أمرا سريا تهتم به مخابرات الاحتلال فقط. أو إذا نشر ما يشير إلى تأييده للمقاومة، أو لخيار المواجهة، فإن هذا يعتبر نية مبطنة لديه وتحريض واضح مكشوف، وبالتالي فإن ذلك يحوله إلى مطارد لكن ضمن فرص مخابرات الاحتلال للوصول له.

 

هذه المتغيرات، لم تكن في عام 2007، أما اليوم في زمن السوشيال ميديا فإن ما يُنشر عليها أو يُناقش عبر تطبيقات المراسلة فيها، هو بمثابة مواد قد تنسف كل اتفاق "الاسترحام" أو "العفو" الخاص بأحد المطاردين.

 

إذن، التغيرات التكنولوجية إحدى المسائل التي لم يأخذها المطاردون الذين سلموا أسلحتهم مؤخرا بعين الاعتبار، فمواقع التواصل الاجتماعي أصبحت لائحة اتهام جاهزة للفلسطينيين يستخدمها الاحتلال متى شاء، مثلا: كثيرون ينشرون صور شهداء، لكن عندما يهتم الاحتلال باعتقال أحد الفلسطينيين، فإن نشره لصورة شقيقه الشهيد قد تعتبر تحريضا وفعلا مقاوما بالنسبة لهم.

 

ولذلك فإن الإمكانيات "القانونية" و"الأمنية" المتاحة لدى الاحتلال لنقد اتفاق "الاسترحام" أو "العفو" كبيرة جدا ومفتوحة وفضفاضة، وأهم مثال قريب على ذلك، تناقل بعض المجموعات الإسرائيلية القريبة من أجهزة مخابرات الاحتلال منشورات المطاردين والتركيز على على جملة "استراحة مقاتل" واعتبارهم إياها دليلا على وجود نية للعودة للمقاومة.

 

أمر آخر، جهله المطاردون الذين سلموا أنفسهم للسلطة الفلسطينية، هو اضطراب الحياة السياسية الإسرائيلية، على قاعدة: كلما دخلت أمة لعنت أختها.. التغيرات المتسارعة وغير المتوقعة داخل كيان الاحتلال، قد تؤسس لتغير دراماتيكي في القرارات والتوجهات، إلى درجة أن اتفاقا كما اتفاق الحدود البحرية مع لبنان، والذي كان برعاية دولية وأمريكية، يهدد بعض الأحزاب الإسرائيلية بالتراجع عنه في حال وصلت للائتلاف الحكومي، فكيف سيكون الحال مع اتفاق هزيل هش "اتفاق الاسترحام أو العفو" حدوده ضباط من السلطة وضباط من الاحتلال!!!.

 

إن دراسة الواقع الإسرائيلي الداخلي يعني أن أي حكومة قادمة قد تتخلى عن الاتفاق بكل سهولة، حتى لو كانت مشكّلة من نفس الأحزاب التي تزامن وجودها في الائتلاف في فترة تسليم المطاردين لأنفسهم، لأن السياسة الإسرائيلية منذ عقد من الزمن تقريبا، تخضع لتوجهات الرأي العام الإسرائيلي.

 

ومن المهم التأكيد على أن هشاشة الاتفاق نابعة من طبيعة أطرافه، ومن طبيعة الحياة السياسية الإسرائيلية في السنوات الأخيرة، والعلاقة المختلة بين المؤسستين الأمنية والعسكرية لدى الاحتلال، إذ أن توصيات المؤسسة الأمنية لدى الاحتلال لم تعد ذات أهمية عند السياسيين ومصالحهم.

 

الطرح السابق ناقش قضية "الاسترحام" أو "العفو" من خلال حسابات مصلحية أكثر من كونها قيمية وأخلاقية، ليتضح أن ما جرى كان خطأ فادحا وعدم قراءة دقيقة للواقع، وارتهان لوعود ليس لها أساس واقعي، بينما على المستوى القيمي الأخلاقي فإن الأمور تبدو أعقد بكثير.

 

إن المسألة بالنسبة للإسرائيليين فيما يتعلق بـ"العفو" أبسط من الخلل الفني التقني الذي بدأت فيه المقالة، قد يحصل هذا الخلل على حاجز أو خلال عملية عسكرية أو في أي سياق آخر، لكن الأكيد أن 2007 ليست اليوم، ومن المهم التذكير أن كثيرين ممن سلموا أسلحتهم في 2007 هم أسرى لدى الاحتلال، وهذا ما يمكن نقاشه بالتفاصيل لاحقا.