07:35 am 8 نوفمبر 2022

الصوت العالي

كتب المحامي إبراهيم شعبان.. مبدأ الفصل بين السلطات في ذمة الله!

كتب المحامي إبراهيم شعبان.. مبدأ الفصل بين السلطات في ذمة الله!

الضفة الغربية- الشاهد| كتب المحامي إبراهيم شعبان.. في ظل إصدار عباس حوالي أربع مائة قرار بقانون ليومنا هذا، وفقا للمادة 43 ‏من القانون الأساس الفلسطيني، كان آخرها القرار بقانون لإنشاء مجلس أعلى للهيئات والجهات ‏القضائية قبل حوالي أسبوعين.

 وسبقه قرار بقانون رقم 7 لعام 2019 تحت عنوان " المجلس ‏التنسيقي الأعلى لقطاع العدالة، يمكن أن نعلن للجمهور الفلسطيني موت " مبدأ الفصل ما بين ‏السلطات "، بل موت " القانون الأساس الفلسطيني لسنة 2003 " برمته.‏

بعد أقل من عشرين عاما على إصدار القانون الأساس الفلسطيني، هوت أعمدته الرئيسة التي ‏أقامها وتمناها كل فلسطيني عاشق للحرية وسيادة القانون. فالشعب لم يعد مصدرا للسلطات ‏يمارسها عن طريق السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية على أساس مبدأ الفصل بين ‏السلطات.

 ( المادة الثانية من القانون الأساس ). ولم تعد فلسطين نظاما ديموقراطيا نيابيا يعتمد ‏على الحزبية السياسية والحزبية وينتخب فيه رئيس السلطة الوطنية انتخابا مباشرا من قبل ‏الشعب وتكون الحكومة مسئولة أمام الرئيس والمجلس التشريعي وفقا للمادة الخامسة من القانون ‏الأساس .

 وأضحى سيادة القانون وعلى رأسه القانون الأساس بعد تغييب السلطة التشريعية أثرا ‏بعد عين بعد أن تم التوسع في إصدار القرارات بقانون بشكل غير مقبول وتناول أمورا لا ‏تشكل ضرورة لا تحتمل التأخير.

 أولم يقسم الرئيس على احترام النظام الدستوري الفلسطيني ‏والقانون عملا بموجب المادة 35 من القانون الأساس الفلسطيني. ودون أدنى شك احترام مبدأ ‏الفصل بين السلطات جزء لا يتجزأ من النظام الدستوري الفلسطيني. وقطعا الرئيس لا يملك ‏صلاحية تعديل القانون الأساس أو تعطيله أو إلغاءه أو حلّه.‏

ولو قام جون المفكران الإنجليزي جون لوك أو الفرنسي شارل مونتيسكيو من قبريهما وشاهدا ‏ما يحدث في الدولة الفلسطينية، لأعاد الأول كتابة في الحكومة المدنية قبل ثلاثة قرون ونصف، ‏ولعدّل الثاني كتابه الشهير " روح القوانين " الذي كتبه في عام 1748، حيث أرسيا مبدأ ‏الفصل بين السلطات كضمان للدولة القانونية عبر سيادة القانون. ‏

رب قائل أن هذا المبدأ ما هو إلا ثرثرة سياسية أو فلسفية أو كليهما معا، ولا حاجة له، ويمكن ‏ترتيب أمور وشئون الدولة بدونه. هذا القول غير صحيح البتة وفاقد للحجة ويؤدي إلى ‏الفوضى والتحكم والطغيان.

 فكل دولة بها سلطات ثلاث وهذا عمادها، واحدة تسن التشريعات ‏وتراقب عمل الحكومة وتسمى بالسلطة التشريعية. وثانية تتولى الفصل في المنازعات ‏والخصومات سواء بين الأشخاص الطبيعيين أو الأشخاص الإعتباريين كالشركات والجمعيات.

 ‏وأخطرها المنازعات التي تكون الدولة طرفا فيها وتسمى بالسلطة القضائية، وثالثة تقوم بإشباع ‏حاجات المواطنين من أمن وصحة وتعليم وتموين وما إلى ذلك وتسمى بالسلطة التنفيذية. وترد ‏نصوص دستورية لضمان ورفعة هذا المفهوم.

 بمعنى آخر تضمن هذه الأعمال والمفاهيم ‏نصوصا دستورية هي الأسمى والأعلى ولا يستطيع أي نص قانوني آخر مخالفتها وإلا اتسمت ‏بالبطلان الشكلي والموضوعي معا. ولو سمح بتجاوزها من أي كان لفقدت قيمتها، وانتفت ‏رفعتها وسموها، ولعاد بقدرة قانون عادي أن يعدل هذا النص الدستوري، وبالتالي يغدو النص ‏الدستوري عقيما، وفقد التدرج النصوص القانوني قيمته وأهميته. ‏

وحتى لا تطغى سلطة على أخرى قام مبدأ الفصل بين السلطات المرن وليس الجامد بينها. ‏بمعنى أن يكون هناك تعاون بين هذه السلطات مجتمعة لأنها توجد في دولة واحدة، ولأن الفصل ‏الجامد الكلي، غير عملي وغير مطبق في دول العالم.

ولو أجزنا المزج الجزئي أو الكامل بين ‏السلطات، سيختلط الحابل بالنابل وتصبح الفوضى والإستبداد شعار المرحلة. بكلام آخر لو ‏أجيز للسلطة التنفيذية أن تشرع فهي ستشرع وفق مقاسها ومصالحها، وبخاصة أننا نرى تعاظما ‏في دور السلطة التنفيذية في اية دولة.

 فهي تملك قوات الأمن باذرعه المختلفة من شرطة ‏وجيش ومخابرات وموظفين وأموال، اما السلطتين الأخريين فتفتقدان هذه المزايا المادية ‏والعسكرية، وستشعر بالضعف إزاء السلطة التنفيذية ولا تجد قوة تحميها، سوى النصوص ‏الدستورية المتمثلة في القانون الأساس عندنا أو في الدستور في الخارج، وأحكام المحاكم ‏المستقلة الموضوعية المحايدة على اختلاف مسمياتها.‏

لذا يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من زمن بعيد تاريخيا، وليس وليد اللحظة أو العصر أو ‏حتى القانون الأساسي، ركيزة أساسية في القانون الدستوري لضمان الحقوق الفردية والسياسية ‏والإقتصادية والإجتماعية والثقافية على حد سواء وقيام الدولة القانونية وسيادة القانون جزء ‏منها. وأي اهتزاز في هذا المبدأ أو اي اختلال في وجوده أو فهمه سيؤدي لا محالة إلى ضياع ‏الحقوق الفردية وسلب الحريات العامة.‏

أما القرار بقانون بشأن المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية لسنة 2022 الحديث، ففيه ‏ثقوب كثيرة من عنوانه حتى آخر سطر به، إذا تمت قراءته في ضوء المبادىء الدستورية ‏العامة المستقرة عالميا، وفي ضوء مواثيق حقوق الإنسان التي انضمت إليها فلسطين.

 وفي ‏ضوء القانون الأساس الفلسطيني لعام 2003، وفي ضوء قانون السلطة القضائية، وحتى في ‏ضوء القرار بقانون رقم 7 لسنة 2019 بشأن تشكيل المجلس التنسيقي الأعلى لقطاع العدالة. ‏وقطعا ليست هذه المقالة لبيان هذه العيوب التشريعية والتناقضات والتنازعات والصلاحيات ‏والتشكيلات والإشكاليات.

 والآثار التي يرتبها هذا القرارا بقانون المتفرد في مضمونه ونصوصه ‏شكلا وموضوعا، ومدى تعارضه مع كثير من النصوص الدستورية والهيئات القضائية ‏واختصاصاتها. نقاط كثيرة تحتاج إلى ندوة أو يوم دراسي. ويبقى السؤال الجوهري هل هذا ‏القرار بقانون ما هو إلا توطئة وتمهيد لتعطيل القانون الأساس الفلسطيني لعام 2003. ‏

يبدو أن كل هذه المشاكل التشريعية وبخاصة ما يسمى القرارات بقانون التي فاضت عن أربع ‏مائة قرار بقانون، التي تعاني منها الدولة الفلسطينية مصدرها غياب السلطة التشريعية ‏الفلسطينية أي غياب المجلس التشريعي الفلسطيني.

وكان الله في عون أي مجلس تشريعي قادم ‏ليقرر مصير كل هذه القرارات بقانون التي تصدرت الموقف التشريعي الفلسطيني، بل فاقت ‏جميع التشريعات التي أصدرها المجلس التشريعي الفلسطيني ذاته طيلة حياته.‏

ببساطة يشكل قرار إنشاء مجلس أعلى للهيئات القضائية خرقا دستوريا واضحا وفاضحا، ‏ومخالفة للقانون الأساس الفلسطيني لعام 2003، وتناقضا مع مبدأ الفصل بين السلطات.

 ‏ولصلاحيات الرئيس كما أوضحها القانون الأساس، ومخالفة للتشريع الفلسطيني في كل ‏مسمياته، وخالقا لتنازعات لا أول لها ولا آخر، ودعاوٍ تمتلىء بها قاعات المحاكم، وإثقال على ‏السلطة القضائية، لكن الروح تواقة والجسد ضعيف ولولا الأمل لانفطر الفؤاد!!!‏