16:55 pm 9 نوفمبر 2022

الصوت العالي

كتب عبد الله المشوخي: أوهام صاحبت القضية الفلسطينية

كتب عبد الله المشوخي: أوهام صاحبت القضية الفلسطينية

الضفة الغربية- الشاهد| كتب عبد الله المشوخي.. إن المتابع للقضية الفلسطينية عبر عدة عقود خلت يلاحظ أن الشعب الفلسطيني وقع في أوهام عدة تجاه قضيته المقدسة ولعل أبرز تلك الأوهام هي:

١- وهم الاستخفاف باليهود:

فقبل وقوع حرب ١٩٤٨م بعدة عقود لم يدرك الشعب الفلسطيني خطر هجرة اليهود لفلسطين التي ظهرت بوادرها منذ عام ١٨٨٢م تحت ظل ولاة عثمانيين مرتشين.

بدأ الشعور بالخطر مع ازدياد وتيرة الهجرة في ظل الانتداب البريطاني لفلسطين منذ عام ١٩١٩م إلى عام ١٩٤٨م.

وقد تبدد هذا الوهم عندما دارت رحى حرب ٤٨ حيث تكشفت الأمور على خلاف كل توقع وتبين أن لليهود جيشا قويا قوامه يزيد على٦٠ الف مقاتل، جيش منظم ومدرب، يملك اقوى عتاد عسكري، إضافة إلى وجود مؤسسات علمية يهودية وإعلامية، واتصالات دولية، وجامعة.. إلى غير ذلك من مقومات لمستقبل دولة قوية، ولم يكن خطاب بن غورين عند إعلان مولد دولة ما يسمى ب (اسرائيل) في شهر مايو من عام ١٩٤٨م -كما يقول الباحث الفلسطيني أنيس الصايغ - سوى إزاحة الستار عن بنيان شامخ شيد منذ فترة.

٢- وهم وعود العرب بتحرير فلسطين:

بعد هزيمة العرب سنة ال٤٨ واستيلاء اليهود على أغلب أرض فلسطين وتهجير غالبية السكان إلى دول الجوار ظهرت وعود عربية تنادي بتحرير فلسطين تحت  شعار:  ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة).

وازدادت وتيرة الوعود والتهديد من خلال الصحف والإذاعات، إضافة إلى خطابات تحمل في ثناياها كل وعيد للكيان الصهيوني من قبل بعض زعماء العرب .

انطلى هذا الوهم على كثير من أبناء فلسطين حتى إن بعضهم عاش لحظات التحرير بعد كل خطاب إلى أن وقعت فاجعة هزيمة ١٩٦٧م التي أجهزت على ما تبقى من أرض فلسطين إضافة إلى احتلال أجزاء من بعض  الدول العربية المجاورة حينها انطفأت كل بارقة أمل عند الشعب الفلسطيني. 

٣- وهم اليأس والاستسلام والبحث عن السلام:

بعد هزيمة ١٩٦٧م أصاب معظم العرب اليأس والقنوط من هزيمة اليهود، وشاع بين الناس مقولة أن الجندي الإسرائيلي لا يهزم، وبدأت تلوح بالأفق بوادر الحل السلمي ومهادنة اليهود وظهر على السطح ما يسمى بمبادرات السلام التي حمل رايتها دبلوماسيون أمريكان ضمن رحلات مكوكية بين الكيان الصهيوني وبعض العواصم العربية أسفرت فيما بعد عن معاهدة كامب ديفيد سنة ١٩٧٨م  التي أدت إلى تحييد مصر وتوقيع اتفاقية سلام مع اليهود.

 بعد ذلك ظهر ما يسمى بمؤتمر مدريد عام ١٩٩١م بهدف إحياء عملية السلام بين اليهود والفلسطينيين وبمشاركة بلدان عربية (الأردن، لبنان، سوريا).

ثم حدث عامي ١٩٩٣م و١٩٩٥م  ما يسمى باتفاقيات أوسلو (١) وأوسلو (٢) حيث تم عقد تفاهمات بين منظمة التحرير الفلسطينية  والكيان الصهيوني من أجل إعلان مبادئ حول ترتيبات حكم ذاتي انتقالي للفلسطينيين مقابل اعتراف المنظمة بدولة اسرائيل وتخليها عن المقاومة.

وفي عام ١٩٩٤م تم عقد معاهدة سلام بين الكيان الصهيوني والأردن تحت مسمى معاهدة وادي عربة.

وغاب عن الدول المطبعة أمور عدة :

أن هزيمة العرب عام ١٩٦٧م أمام اليهود التي أوجدت قناعة عند العرب بعدم جدوى القتال مع اليهود لم تكن سوى مسرحية هزلية، ومؤامرة وخيانة وقتال من طرف اليهود وانسحاب وهروب من طرف العرب.

أن السلام مع اليهود يعد خيانة وجريمة كبرى بحق فلسطين وشعبها وتفريطا بالأرض المقدسة وبمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أن السلام مع اليهود لا يجلب معه سوى تحقيق مصالحهم  الأمنية والاقتصادية وتحقيق حلمهم بالهيمنة على كافة موارد الدول العربية ومقدراتها.

٤- وهم الندم على عدم القبول بمشروع التقسيم عام ١٩٤٧م:

ظن بعض الواهمين أن العرب لو قبلوا بمشروع التقسيم الذي صدر عن الأمم المتحدة عام ١٩٤٧م لكان أفضل للشعب الفلسطيني... وغفل هؤلاء عن حقيقة أطماع اليهود حيث تتجاوز كل أرض فلسطين إلى أرض تمتد من النيل إلى الفرات.  ومما يدل على ذلك أن كافة الدول العربية قبلوا بقرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ الذي ينص على انسحاب اليهود من الأراضي الفلسطينية التي احتلوها عام ١٩٦٧م مقابل السلام والاعتراف بهم وبالرغم من ذلك فقد رفض اليهود هذا المقترح. 

٥- وهم جدوى السلام مع اليهود:

توهم فريق من الفلسطينيين أن توقيع اتفاق سلام مع اليهود سوف يحقق بعض الأهداف المشروعة للشعب الفلسطيني وذلك بقيام كيان فلسطيني مستقل على أرض الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة .

وفي سبيل ذلك قاموا بعقد اتفاق سلام مع اليهود تضمن الاعتراف بدولتهم  والتخلي عن المقاومة بل والتنسيق الأمني مع اليهود لمنع وقوع أية مقاومة مسلحة ضد اليهود لكن ماذا كانت النتيجة؟؟؟ كانت وما زالت كما لخصها الباحث أنيس الصايغ بقوله: (أوصدَت باب العودة وتنازَلت للعدو عن الأرض كلها، وحرّمَت النضال، ومنعت فرص التهيؤ لمواصلة الجهاد وهي تحاول أن تفرغ البطولات من معانيها، وأن تجعل التضحيات وكأنها سدى).

٦- الوهم الأخير: الاعتماد على المتغيرات الدولية:

هناك فئة من أصحاب الأقلام لا زالت تعيش على وهم المتغيرات الدولية، تنتظر وقوع معجزات خارجية كقيام حرب بين روسيا وأمريكا، أو بين أمريكا  والصين، أو وقوع حرب بين إيران واليهود، لينجم عن ذلك تغير في موازين القوى  العالمية وبالتالي يضعف الكيان الصهيوني ويفقد مقومات قوته ... هكذا يبني بعضنا طموحاته وآماله وفق  المتغيرات الدولية كبارقة أمل لصالح الشعب الفلسطيني.

وبالنظر إلى واقع الأمر فإن هناك بونا شاسعا بين الحقائق وبين الأوهام والأحلام الوردية.

فالحقيقة قد تكون مؤلمة بعيدة المنال لكنها أفضل بكثير من زيف الوهم لأن الزيف مهما كان لونه ورديا ومظهره نضرا إلا أنه يبقى سرابا يحسبه الظمآن ماء.

وتبقى الحقيقة رغم مشقتها السبيل الوحيد لتحرير فلسطين وأبرز معالمها إعداد العدة من عتاد وغيره وقبل ذلك اعتماد على الله وإعداد جيل جهادي ونفض غبار الوهم عن أنفسنا والعودة إلى عالم الواقع والمعرفة الحقيقية وتسخير كافة الإمكانيات من أجل تحرير فلسطين.

ولعل ما يحدث اليوم على أرض فلسطين من مقارعة لليهود هو بداية الطريق والخطوة الأولى نحو التحرير بإذن الله تعالى على أمل توحيد  الأمة في المستقبل القريب ووقوفها صفا واحدا في مقارعة العدو حينها يتحقق النصر بإذن الله

وما ذلك على الله بعزيز .

ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا .