15:06 pm 11 نوفمبر 2022

الصوت العالي

كتب أحمد حسن: مأزق فتح ومعضلة المنظمة وشبح الترامبية

كتب أحمد حسن: مأزق فتح ومعضلة المنظمة وشبح الترامبية

رام الله – الشاهد| كتب أحمد حسن: ربما هذه هي اللحظة المناسبة كي يقول جميع الحريصين على فلسطين وبكل وضوح، إنّ رفض حركة فتح انعقاد "المؤتمر الشعبي" الفلسطيني لم يكن إلا تعبيراً بيّناً عن مأزقها المتفاقم والذي وقعت فيه مثلها مثل أي حركة تحرر عالمية حين انتقلت من الثورة إلى السلطة، وهو مأزق يكاد أن يرتقي إلى مرتبة المعضلة البنيوية.

 

وبالتأكيد، فإنّنا نستخدم كلمة "يكاد" كي نلّطف الأمر، لأنّ حالة "فتح" تبدو أفدح وأكثر خطورة من مثيلاتها في النضال التحرري، وعطبها يختلف عن أعطابهم، فهي وإن كانت قد وصلت إلى السلطة مثلهم إلا أنّها لم تصل إلى مرحلة التحرير والاستقلال الناجزين، وبالتالي لم تصل إلى محطة الدولة بمعناها الحقيقي بعد، لذلك يبدو أمرها أكثر مدعاةً للحذر والتحسب.

 

وبهذا المعنى يبدو رفضها للمؤتمر، وهو الأول من نوعه، والذي عُقد للمطالبة بإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإجراء انتخابات لاختيار المجلس الوطني فيها، سريالياً بصورة ما، فقد كان الواجب في الحالة العادية والطبيعية أن يكون ذلك مطلباً لـ"فتح" ذاتها، أو على الأقل ليس اعتداء على حقوقها كما حاول بعض قادتها أن يصور الأمر.

 

يبدو خوفها من مؤتمر شعبي غير مبرر وغير مفهوم إلا كمحاولة مستميتة للتمسك بالسلطة والكرسي ومنافعهما على حساب الشعب وقضاياه

 

فحقيقة أنّ "فتح" تحتاج إصلاحاً ليست خافية على أحد، وذلك ليس حالها فقط بل حال الجميع في فلسطين والمنطقة العربية بأسرها، لكن "فتح"، شئنا أم أبينا، هي واجهة الشعب الفلسطيني وممثّله الأكبر والأهم والتاريخي في الآن ذاته، لذلك يبدو خوفها من مؤتمر شعبي غير مبرر وغير مفهوم إلا كمحاولة مستميتة للتمسك بالسلطة والكرسي ومنافعهما على حساب الشعب وقضاياه، وذلك فيه ما يسيء ويضر أكثر مما يفيد وينفع، ولأنّها "فتح"، فإنّ ضرر موقفها هذا سيكون كبيراً على الشعب الفلسطيني وقضيته قبل أي أحد آخر، وتحديداً في ظل العودة "الترامبية"، كمفهوم وممارسة، إلى الكونغرس الأمريكي وقد تعود لاحقاً إلى "الإدارة"، بمواقفها الفجّة من فلسطين و"قدسها" وقضيتها بالمجمل، وبالطبع دون أن يعني ذلك أنّ الديمقراطيين أفضل.

 

لكن، وبغض النظر عن مخاوف "فتح" من استهداف ما، فإنّ المؤتمر جمع "ناشطين وسياسيين ومثقّفين، في الضفة الغربية وقطاع غزة ودول اللجوء والشتات"، هدفهم الدعوة "إلى انتخاب مجلس وطني جديد يقوم بانتخاب مجلس مركزي ولجنة تنفيذية للمنظمة، ويضع استراتيجية كفيلة بالحفاظ على القضية الفلسطينية، ويدفع بنضال الفلسطينيين قُدُماً نحو التحرير والعودة والاستقلال".

 

فهل تخشى "فتح" من ذلك؟، وهل يُعتبر هذا محاولة للالتفاف على منظمة التحرير الفلسطينية، البيت الجامع للكلّ الفلسطيني؟، وهل إنّ تشكيل هيئة توجيه وطني من الضفة الغربية وقطاع غزة والداخل الفلسطيني، ودول اللجوء والشتات، مُكلّفة بالعمل الدؤوب وتعظيم الجهود لتحقيق المطالب والأهداف يضر بـ"فتح" حقا؟.

 

ثم هل يستدعي الأمر كل تلك الإجراءات التعسفيّة التي اتخذتها السلطة في حقّ المشاركين؟، خاصة أنّ المؤتمر أكد أنّ "هدفه إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ممثّلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، وحاضناً أميناً للمشروع الوطني، المستند إلى الميثاق الوطني الفلسطيني لسنة 1968".

 

والواقع، فإنّ تلك الأسئلة تستمد مشروعيتها من الحال الفلسطيني الراهن ومن حقيقة أنّ صورة "السلطة ومكانتها تضرّرتا بشكل قاسٍ في عيون المجتمع الفلسطيني، إثر فشلها في الدفع قُدُماً بالرؤية القومية، أو طرْح أفق سياسي"، بحسب دراسة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في الكيان الصهيوني، أي أنّ الكيان ذاته يشير إلى هذا "العطب" الذي يفترض بـ"فتح" و"المنظمة" أن يكونا أول من يشير إليه ويبادر إلى معالجته.

 

إنّ عدم قيام أجهزة السلطة بدورها، أي دورها الأوسلوي إذا جاز التعبير، هو وسام يُعلّق على صدرها وفرصة لـ"فتح" و"المنظمة" وكل فلسطين لاغتنامها والخروج من مأزق السلطة الموهومة.

 

بيد أنّ ما يفترض بالحريصين على "فتح" أن يقولوه أيضا، إنّ الواقع يتغير، فالضفة لا تستكين، وبسبب ذلك دخلت "إسرائيل" في دائرة مغلقة، نتيجة ارتفاع عدد العمليات في الضفة الغربية وعدم قيام أجهزة السلطة بدورها، وفي ضوء تراجع سيطرتها، بحسب رئيس الشاباك، رونين بار، ونضيف أنّ عدم قيام أجهزة السلطة بدورها، أي دورها الأوسلوي إذا جاز التعبير، هو وسام يُعلّق على صدرها وفرصة لـ"فتح" و"المنظمة" وكل فلسطين لاغتنامها والخروج من مأزق السلطة الموهومة.

 

خلاصة القول، هذه مرحلة التسونامي "الترامبي"، وهي ستنتج مزايدة جديدة مع الديمقراطيين على حب "إسرائيل"، لذلك سترتفع، فلسطينيا، أهمية المطالبات بتعزيز "المنظمة" لمواجهة القادم. لواءها الذي رفعه الكثيرون سابقاً يحمله اليوم "المؤتمر الشعبي"، وغداً غيره، ولكن كم سيكون الأمر مفيداً لفلسطين وشعبها وقضيتها لو قامت "فتح" ذاتها بهذا الأمر؟!.