05:40 am 26 نوفمبر 2022

الصوت العالي

كتب المحامي عصام عابدين: بدعة أعمال السيادة وخطايا التَرزي وقضاة المحكمة الدستورية

كتب المحامي عصام عابدين: بدعة أعمال السيادة وخطايا التَرزي وقضاة المحكمة الدستورية

رام الله - الشاهد|  كتب المحامي د. عصام عابدين: قرار المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية في الدعوى الدستورية رقم (2022/05) بشأن "أعمال السيادة" هو مُجرّد هذيان.

 

الهدف من هذا القرار هو تحصين نظرية (بدعة) ما يُسمى "أعمال السيادة" التي نشأت في ظروف سياسة خاصة بفرنسا. يسعى هذا القرار، غير الدستوري، إلى إطلاق العنان للرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته السيد محمود عباس أن يفعل ما يشاء دون رقابة القضاء، رغم التدهور الحاصل في السلطة القضائية ومنظومة العدالة، خاصة في هذه المرحلة الحسّاسة في تاريخ السلطة الفلسطينية، وتحت عنوان "أعمال السيادة " ارتباطاً بمنصب الرئيس القادم وصلاحياته والانتخابات .. وغيرها.

 

يُمكن رسم الصورة الكاملة، لهذه العملية غير الدستورية برمتها ومنذ بدايتها، على النحو التالي:

بتاريخ 2017/03/28 قررت محكمة صلح جنين وقف النظر في الدعوى الحقوقية رقم (2016/487) من خلال المادة (2/27) من قانون المحكمة الدستورية العليا؛ وإحالتها إلى المحكمة الدستورية للفصل في المسألة الدستورية، وبذلك أخطأ قاضي الموضوع حتماً في الإحالة للدستورية، كان عليه المضي قُدماً في الفصل بدعوى تدخل في صُلب اختصاصه، وترتب على هذا الخطأ "خطيأتين" من المحكمة الدستورية؛ وسنبدأ بتسليط الضوء على الخطيئة الأولى، ومن ثم ننتقل إلى الخطيئة الثانية.

 

تتمثل الخطيئة الأولى للمحكمة الدستورية بإقحام "أعمال السيادة" بالقرار الصادر في الطعن الدستوري (2017/4) بلا مُبرر، بنتيجة تلك الإحالة الخاطئة من قاضي الموضوع، وتحديداً في السطر التالي من حيثيات قرار المحكمة الدستورية ".. ومن ثم فإن الاتفاقات الدولية ليست قرارات أو أعمال إدارية، وإنما قد تم تصنيفها في سياق القانون الإداري ضمن "أعمال السيادة" التي تخرج عن رقابة القضاء الإداري ..".

 

وبذلك جرى استغلال المادة (41) فقرة (1) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006 وتعديلاته "أحكام المحكمة [المحكمة الدستورية العليا] في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة" خاصة بشأن أعمال السيادة.

 

الفُرصة مواتية، للتَرزي؛ وبتعبير أدق لمَن يعمل لصالحهم؛ وخاصة في هذه "المرحلة الحساسة" وتعقيداتها من أجل حسم مسألة "أعمال السيادة" في تشريع استثنائي (قرار بقانون) خلافاً للدستور؛ وهذا ما تكفل به قرار بقانون المحاكم الإدارية رقم (41) لسنة 2020 المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) في العدد ممتاز (22) بتاريخ 2021/01/11 الذي أقحم أعمال السيادة، لأوّل مرة في التشريع الفلسطيني، وتحديداً في الفقرة (3) من المادة (20) من هذا القرار بقانون؛ والتي نصت على أنْ "لا تختص المحكمة الإدارية بالنظر في الطلبات أو الطعون المتعلقة بأعمال السيادة".

 

أوّل ما يقفز إلى الأذهان، والحالة تلك، أنهم "لا يثقون" بقضاء هو أساساً صنيعتهم. رغم أن حال القضاء يُرثى له في الحياد والاستقلالية.

 

مع التأكيد، للجميع، بأنَّ المجلس التشريعي الفلسطيني (المشرّع الأصيل) سبقَ وأن صَدّ "ببسَالة" عدة محاولات من السلطة التنفيذية لإقحام "أعمال السيادة" في التشريع الفلسطيني، وجميع تلك المحاولات فشلت فشلاً ذريعاً، والله شهيد.

 

وجاء الطعن الدستوري في الدعوى الدستورية رقم (2022/05) بتاريخ 2022/03/23 الذي يُطالب المحكمة الدستورية بالحكم بعدم دستورية الفقرة (3) من المادة (20) من قرار بقانون المحاكم الإدارية رقم (41) لسنة 2020 (أعمال السيادة) لتعارضها مع القانون الأساسي المعدل.

 

الفرصة المواتية، مُجدداً، للتَرزي وقضاة المحكمة الدستورية لتحصين الفقرة (3) من المادة (20) من قرار بقانون المحاكم الإدارية (أعمال السيادة) في مواجهة نص المادة (30) من القانون الأساسي الفلسطيني (إرادة المشرّع الدستوري) الذي يؤكد بهذا النص الواضح والقاطع بأنَّ تحصين ما يُسمى "أعمال السيادة" من رقابة القضاء يُشكل خروجاً مؤكداً على مبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء وسمو الدستور، وعدواناً سافراً على إرادة المشرّع الدستوري الفلسطيني.

 

قضت المحكمة الدستورية العليا، المُشكَّلة خلافاً للدستور وقانونها، بنتيجة هذا الطعن الدستوري، الذي كان فريسة سهلة للتَرزي وقضاة المحكمة الدستورية العليا الذين استمرؤا انتهاك الدستور والقَسَم؛ بأن النص المطعون فيه، موضوع هذه الدعوى؛ أي الفقرة(3) من المادة (20) من قرار بقانون المحاكم الإدارية (أعمال السيادة) هو نصٌ لا يشوبه عِوار دستوري! .

 

وبذلك، استغل التَرزي وقضاة المحكمة الدستورية العليا، مُجدداً، نص المادة (41) فقرة (1) من قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006 "أحكام المحكمة في الدعاوى الدستورية وقراراتها بالتفسير ملزمة لجميع سلطات الدولة وللكافة".

 

ولا بأس، والحالة تلك، برأي مُخالف من "قاضٍ" في المحكمة الدستورية لقرار "الأغلبية" في المحكمة الدستورية بشأن "أعمال السيادة" فالقرار في النهاية للأغلبية! ولا حاجة فيما يبدو لأنْ يُقدّم صاحب الرأي المُخالف استقالته على الفور في مسألة دستورية بهذا الحجم وتلك الخطورة، وفي هذه المرحلة الحساسة بالذات، فهو مُجرد رأي مخالف في قرار للأغلبية وانتهى الأمر! .

 

قرار المحكمة الدستورية المُشكَّلة خلافاً للدستور وقانونها، باعتبار النص الذي جرى إقحامه تحت جُنح الظلام في الفقرة (3) من المادة (20) من قرار بقانون المحاكم الإدارية رقم (41) لسنة 2020 بشأن أعمال السيادة "نص دستوري" عدوانٌ وقحٌ على الدستور الفلسطيني وإرادة مُشرعنا الدستوري، عدوانٌ سافرٌ على سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء، وهو أخطر قرار اتخذته هذه المحكمة (المحكمة الدستورية) منذ نشأتها، ولمثل هذا نشأت تلك المحكمة؛ محكمة السلطان.

 

المحكمة الدستورية، المُشكَّلة خلافاً للدستور وقانونها، تُريد التأكيد مُجدداً وبأثر كاشف على رسالة الطاعة العمياء والولاء المطلق للسلطان وأعوانه، من خلال هذا العدوان الهمجي على الدستور الفلسطيني، ومفادها أنَّ بإمكانها اتخاذ القرارات التي يُراد لها اتخاذها في مسائل عديدة شديدة الخطورة؛ كمنصب الرئيس القادم وصلاحياته والانتخابات وغيرها، دون رقابة قضائية، بمباركة المحكمة الدستوية، عدوة الدستور، لا حارسته، وتحت ستار "أعمال السيادة" التي تنتهك أحكام القانون الأساسي المعدل (المادة 30) ومبدأ سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء انتهاكاً واضحاً وصريحاً ومؤكداً.

 

تجدر الإشارة إلى أن نظرية (بدعة) أعمال السيادة نشأت في فرنسا، عندما أراد مجلس الدولة الفرنسي أن يتجنب الاصطدام بنظام الحكم الملكي بعد سقوط امبراطورية نابليون بونبرت عام 1814. وعلى هذا الأساس؛ تخلى مجلس الدولة الفرنسي عن فرض رقابته القضائية على الأعمال المتعلقة بنظام الحكم، كي لا يتم إلغاؤه بفعل بطش الحاكم آنذاك، واكتفى بالرقابة على الأعمال الإدارية، ليبدأ بعد ذلك عملية البحث عنها ولملمتها قدر المستطاع بعد فقدان ماء الوجه (مجلس الدولة الفرنسي).

 

 ولطالما أكد الفقه الفرنسي على أن نظرية (بِدعة) أعمال السيادة غير الدستورية قد نشأت في ظروف سياسية تخص فرنسا.

 

لا يُمكن لنظرية أعمال السيادة، وتطوراتها اللاحقة، أن تتحدى القانون الأساسي المعدل (الدستور) في الحالة الفلسطينية. لأنها تسقط بالضربة القاضية بِسَهم المادة (30) من الدستور الفلسطيني وسيادة القانون والفصل بين السلطات قولاً واحداً.

 

هذا القرار، الصادر عن المحكمة الدستورية، غير الدستورية؛ لمخالفة تشكيلها وقراراتها لأحكام القانون الأساسي (الدستور) وعدوانها السافر على الحقوق والحريات الطبيعية والدستورية، هو الأخطر في تاريخها الأسود، إنه يُعرّي هذه المحكمة، بالكامل. إنها المحكمة التي لاقى تشكيلها وقراراتها اعتراضات واسعة، وستترك إرثاً رديئاً يبقى لعنة تُطارد كل مَن شارك في قراراتها القبيحة.

 

يُدرك رئيس المحكمة الدستورية وقضاتها "إنعدام" قرار تشكيل المحكمة الدستورية وقراراتها؛ كون "اليمين القانونية" لرئيس وأعضاء المحكمة الدستورية مُخالفة لقانون المحكمة الدستورية العليا (المادة 7) التي تشترط حضور كل من رئيس المجلس التشريعي ورئيس مجلس القضاء الأعلى؛ وذلك بسبب عدم حضور رئيس المجلس التشريعي أداء اليمين لرئيس المحكمة وقضاتها.

 

ولطالما جرى التلويح بإمكانية استخدام هذا النص المتعلق بانعدام تشكيل المحكمة الدستورية في وجه رئيس المحكمة الدستورية لتقديم المزيد من الولاء والطاعة في مقابل العطايا الكاسية المستمرة. وقد جرى تعديل هذا النص بالقرار بقانون رقم (32) لسنة 2022 باشتراط حضور "أي من" رئيسي المجلس التشريعي ومجلس القضاء الأعلى أداء اليمين، وهذا التعديل، لا يؤثر في انعدام تشكيل المحكمة الدستورية الذي جرى خلافاً للقانون الأساسي (الدستور) وقانون المحكمة، وانعدام قراراتها.

 

وأمّا الخطيئة الثانية في الطعن الدستوري رقم (2017/4) سالف الذكر؛ المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) في العدد (138) بتاريخ 11/29/ 2017 - إلى جانب ما يُسمى "أعمال السيادة" - فتتمثل في قرار المحكمة الدستورية في الطعن الدستوري التالي نصّه "تُقرر المحكمة بالأغلبية الفصل في المسألة الدستورية موضوع الإحالة بتأكيد سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الداخلية، بحيث تكتسب قواعد هذه الاتفاقيات قوة أعلى من التشريعات الداخلية، بما يتواءم مع الهوية الوطنية والدينية والثقافية للشعب العربي الفلسطيني، مع تمتع الأمم المتحدة ومؤسساتها بالحصانة من الإجراءات القضائية الوطنية".

 

جُملة من "الخطايا" في قرار المحكمة الدستورية، التي تجهل أبجديات القرار والتسبيب، من بينها أن مكانة الاتفاقيات الدولية في التشريع الداخلي ليس من اختصاص المحكمة الدستورية، ولا تندرج ضمن اختصاصاتها المُبينة في قانون المحكمة الدستورية العليا رقم (3) لسنة 2006، وما فعلته المحكمة الدستورية هو بمثابة إبداء "تحفظات عامة" على الاتفاقيات الدولية وإبداء التحفظ له أصول وإجراءات في الأمم المتحدة تجهلها المحكمة كما يتضح من قرارها، ولجان الاتفاقيات الدولية في الأمم المتحدة (الآليات التعاقدية) لا تسمح بأية تحفظات عامة على الاتفاقيات الدولية أساساً! .

 

كما أنَّ القول في حيثيات هذا القرار الصادر عن المحكمة الدستورية، بإحالة خاطِئة من قاضي الموضوع، بأن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (UNRWA) تتمتع بـ "حصانة شاملة" سنداً لاتفاقية المقر 1996 واتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها 1946 والحالة تلك مُجرّد هذيان!.

 

حاولت المحكمة الدستورية تدارك فشلها الذريع بشأن مكانة الاتفاقيات الدولية في التشريعات المحلية في التفسير الدستوري رقم (2017/5) المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) في العدد (141) بتاريخ 2018/3/25 فوقعت في "بئر الخطايا" عندما قررت بالأغلبية ما يلي:

 

 1. تعتبر وثيقة إعلان الاستقلال جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الدستورية في فلسطين، بل وأعلاها سمواً، يأتي بعدها القانون الأساسي الفلسطيني، وبما أن المحكمة الدستورية العليا في فلسطين قد أعلنت سمو المعاهدات والاتفاقات الدولية على التشريعات الوطنية العادية (القوانين والقرارات بقوانين)، فإن المعاهدات والاتفاقيات الدولية تأتي في مرتبة أقل من القانون الأساسي، يأتي بعدها مختلف التشريعات المعمول بها في فلسطين.

 

2. وجوب مصادقة رئيس الدولة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية وفقاً لما جاء بيانه في متن قرار التفسير.

 

3. المعاهدة أو الاتفاقية لا تعد بذاتها قانوناً يُطبق في فلسطين، وإنما لا بد أن تكتسب القوة من خلال مرورها بالمراحل الشكلية الواجب توافرها لإصدار قانون داخلي معين لإنفاذها.

 

4. احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وأسس الإلزام والالتزام به على الصعيد الوطني يكون بإدماج مختلف هذه المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان ضمن التشريعات العادية داخل دولة فلسطين، بما لا يتناقض مع الهوية الدينية والثقافية للشعب الفلسطيني، وعلى أساس احترام مبدأ دستورية هذه التشريعات مع المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، والمتطابقة مع القانون الأساسي.

 

5. ضرورة اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات التشريعية الداخلية من أجل تسهيل إعمال هذه الحقوق والحريات الأساسية ضمن عملية مراجعة لمختلف القوانين والتشريعات ذات العلاقة بهدف تحقيق إندماج أفضل لكثير من مقتضيات المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان التي تمت المصادقة عليها من طرف رئيس دولة فلسطين، وذلك من خلال مراجعة أنظمته القانونية، وملاءمة تشريعاته الوطنية مع الآليات الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان وكرامته، وتحديد الأولويات في مجال الملاءمة".

 

بمرور سريع، على قرار المحكمة الدستورية، التي شُكّلت في 2016/03/31 خلافاً للدستور والقانون، وما زالت، نُفيد بما هو آت:

 

1. يجب أن تُشكّل المحكمة الدستورية بموجب القانون الأساسي المعدل (الدستور) وقانون المحكمة الدستورية العليا 2006. إنَّ قرارات تشكيل المحكمة وتِبعاً القرارات الصادرة عنها مخالف/ة  للقانون الأساسي (مادة 103) وقانون المحاكمة الدستورية (مادة 7) الأمر الذي يُرتب "الإنعدام" لكل ما يصدر عنها لانتهاكه أحكام القانون الأساسي وإرادة المشرّع الدستوري الفلسطيني.

 

2. كيف للمحكمة (المحكمة الدستورية العليا) التي يُفتَرض أنْ تُشكَّل بموجب القانون الأساسي المعدل (الدستور) من أجل حراسة الدستور وحماية الحقوق والحريات الدستورية؛ أن تَعتبر وثيقة إعلان الاستقلال أو أية وثيقة أياً كانت فوق الدستور؟!.

 

3. مصطلح "رئيس الدولة" الوارد في حيثيات وقرار المحكمة الدستورية مخالفٌ للقانون الأساسي المعدل (الدستور) الذي يُفتَرض أن تَحرُسه المحكمة الدستورية؛ لإنه غير وارد في جميع نصوص القانون الأساسي الفلسطيني المعدل (121 مادة) على الإطلاق.

 

4. إنَّ المصادقة (الانضمام) على الاتفاقيات الدولية ليس من صلاحيات رئيس السلطة الفلسطينية الواردة في القانون الأساسي، وإنما من صلاحيات الحكومة، كون صلاحيات الرئيس "حصرية" بموجب القانون الأساسي (المواد 38 و 63) [ورقة د.عصام عابدين بعنوان: صلاحيات الرئيس وحصار القانون الأساسي المعدل منشورة على وكالة وطن على شبكة الانترنت].

 

5. ورد في البند (1) من قرار المحكمة الدستورية في هذا التفسير الدستوري (2017/5) الآتي " .. وبما أن المحكمة الدستورية العليا في فلسطين قد أعلنت سمو المعاهدات والاتفاقات الدولية على التشريعات الوطنية العادية (القوانين والقرارات بقوانين)، فإن هذه المعاهدات والاتفاقيات الدولية تأتي في مرتبة أقل من القانون الأساسي، يأتي بعدها مختلف التشريعات المعمول بها في فلسطين".

 

هذا الكلام غير صحيح (كذوب) لأن قرار المحكمة الدستورية في الطعن الدستوري (2017/4) جاء كاملاً بالآتي "تُقرر المحكمة بالأغلبية الفصل في المسألة الدستورية موضوع الإحالة بتأكيد سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الداخلية، بحيث تكتسب قواعد هذه الاتفاقيات قوة أعلى من التشريعات الداخلية، بما يتواءم مع الهوية الوطنية والدينية والثقافية للشعب العربي الفلسطيني، مع تمتع الأمم المتحدة ومؤسساتها بالحصانة من الإجراءات القضائية الوطنية". 

 

6. وبذلك، فإنَّ المحكمة الدستورية، نتيجة الجهل المعتاد، أكدت في الطعن الدستوري (2017/4) على "سمو الاتفاقيات الدولية على التشريعات الداخلية" وهذا يعني أن الاتفاقيات الدولية تسمو على القانون الأساسي (الدستور) أيضاً. ولكنها عادت في التفسير الدستوري (2017/5) تستدرك جَهلها فقالت ".. وبما أن المحكمة الدستورية العليا في فلسطين قد أعلنت سمو المعاهدات والاتفاقات الدولية على التشريعات الوطنية "العادية" (القوانين والقرارات بقوانين)، فإن هذه المعاهدات والاتفاقيات الدولية تأتي في مرتبة أقل من القانون الأساسي، يأتي بعدها مختلف التشريعات المعمول بها في فلسطين"!.

 

علماً أنَّ المحكمة الدستورية أعلنت هذه المرة "سمو المعاهدات والاتفاقات الدولية على التشريعات الوطنية العادية (القوانين والقرارات بقوانين)" فهل هذا يعني أنَّ الاتفاقيات الدولية لا تسمو على التشريعات الفرعية المحلية (الأنظمة مثلاً) وبذلك تسمو التشريعات الفرعية على الاتفاقيات الدولية! .

كما أنَّ القرار بقانون ليس تشريعاً عادياً (القانون الصادر عن المجلس التشريعي هو التشريع العادي) وإنما تشريعاً استثنائياً، يُعاني نهج إساءة الاستخدام وتضارب المصالح وانتهاك الدستور، إنه الفساد التشريعي.

 

 7. خالف قرار المحكمة الدستورية غير الدستورية أحكام الدستور عندما أخذ بمبدأ "ثنائية القاعدة القانونية" في مكانة الاتفاقيات في التشريع المحلي، دون أساس قانوني أو تسبيب أو توضيح كما العادة، ولم يكشف قرار المحكمة عن إرادة المشرّع الدستوري الفلسطيني الذي تبنى مبدأ "وحدة القاعدة القانونية". ويعني مبدأ ثنائية القاعدة القانونية أن الاتفاقية الدولية لا تصبح نافذة محلياً إلاّ من خلال مرورها بالمراحل الشكلية الواجب توفرها في التشريع المحلي.

 

 ما يعني أن جميع الاتفاقيات الدولية التي جرى الانضمام إليها لا تصبح نافذة ما لم يتم إقرارها في تشريع محلي. والاتفاقيات الدولية التي جرى إقرارها بــ"قرار بقانون" ونشرت في الجريدة الرسمية هي فقط الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD) واتفاقية حقوق الطفل (CRC) في العام 2021 ما يعني أن جميع الاتفاقيات الدولية المتبقية (أكثر من 120 اتفاقية دولية) هي غير ملزمة! .

 

8. وجَّهت اللجان الدولية في الأمم المتحدة التي ناقشت التقارير الرسمية الفلسطينية انتقادات لاذعة للمحكمة الدستورية الفلسطينية؛ وهي - لغاية الآن- اللجنة المعنية بالقضاء على التمييز ضد المرأة ولجنة القضاء على التمييز العنصري واللجنة المعنية بحقوق الطفل، في الأمم المتحدة، وقافلة اللجان الدولية مُستمرة في مواجهة المحكمة الدستورية العليا الفلسطينية، وكذلك مجلس القضاء الأعلى. هنالك قلق كبير في تقارير اللجنة الدولية في الأمم المتحدة بشأن أداء المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى.

 

9. أكد القانون الأساسي المعدل (الدستور) في المادة (10) على أن "1. حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ملزمة وواجبة الاحترام 2. تعمل السلطة الوطنية الفلسطينية دون إبطاء على الانضمام إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية والدولية التي تحمي حقوق الإنسان". إرادة المشرّع الدستوري الفلسطيني، واضحة، ومفادها أنَّ الاتفاقيات الدولية التي جرى الانضمام إليها تتمتع بالقوة الإلزامية التي يتمتع بها الدستور الفلسطيني، وأن الانضمام للاتفاقيات الدولية يعني نفاذها مباشرة وفق مبدأ "وحدة القاعدة القانونية" وليس "ثنائية القاعدة القانونية" وهي لا تحتاج إلى تشريع داخلي لنفاذها.

 

وبالإمكان الرجوع إلى الأعمال التحضيرية (المحاضر الحرفية) للقانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) في المجلس التشريعي الفلسطيني التي تجهلها تماماً المحكمة الدستورية العليا.

 

وختاماً، لا بد وأن نُشير بأنَّ التعديلات التي جرت مُؤخراً على قانون المحكمة الدستورية العليا 2006 بالقرار بقانون رقم (32) لسنة 2022 المنشور في الجريدة الرسمية في عدد ممتاز (27) بتاريخ 2022/07/24 هي عبارة عن "كومة من الامتيازات المالية والوظيفية لرئيس المحكمة الدستورية وقضاتها" وقد استثنت أيضاً "التدريس في الجامعات" من حظر الجمع بين وظيفتين الذي كان منصوصاً عليه في القانون الأصلي 2006 (مادة 6) للحصول على المزيد من الأموال.

 

 لطالما كانت الأموال والامتيازات والتقاعد الفاخر المُحرّك الأساسي للتعديلات المُتلاحقة التي جرت على قانون المحكمة الدستورية 2006 في غياب المجلس التشريعي؛ ولسان حال قضاتها دوماً هل من مزيد.

 

تلعب التشريعات الاستثنائية (القرارات بقوانين) دوراً حاسماً في خلق بيئة خصبة لتضارب المصالح الذي يعد جريمة فساد بموجب قانون مكافحة الفساد رقم (1) لسنة 2005 بهدف ضمان التبعية المطلقة للسلطة الحاكمة على حساب حراسة الدستور وصيانة الحقوق والحريات الدستورية والكرامة الإنسانية للمواطنين. هي عطايا السلطة الحاكمة لرئيس الدستورية وقضاتها حدّ التُخمة على دورهم في تحطيم الدستور والمبادىء والقيم الدستورية وحقوق وحريات المواطنين بدل حراستها.

 

القرارات بقوانين، غير دستورية ابتداءً، ليس فقط لعدم وجود "ضرورة لا تحتمل التأخير" لإصدارها كما تنص المادة (43) من القانون الأساسي المعدل (الدستور) وإنما لأنه ينبغي أن تصدر أيضاً في "غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي" كما تنص ذات المادة (43) من القانون الأساسي التي يتم الاستناد لها في إصدار قرارات بقوانين غير دستورية ابتداءً.

 

إنَّ النص الدستوري المذكور (مادة 43) يَفترض أنَّ المجلس التشريعي "قائم" ولكنه ليس في دورة انعقاد (عادية أو غير عادية حسب المادة 16 من نظامه الداخلي) ولكن بما أنَّ المجلس التشريعي (السلطة التشريعية) قد جرى "حلّه" بطريقة تشكل عدواناً سافراً على القانون الأساسي الذي لا يُجيز مطلقاً حل المجلس التشريعي (مادة 113) فإن "النظام السياسي الفلسطيني" فقد بوصلته وأحد "أعمدته الثلاثة" أي أن الضربة أصابت "النظام السياسي برمته" ولا يمكن إصدار أيّ قرار بقانون والحالة تلك. ولا يوجد حل دستوري سوى الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية. لذلك، حصلت النتائج الشاذة (ضرورة لا تحتمل التأخير تستمر سنوات طويلة)!.

 

المثير للغثيان، في التعديل الذي جرى مؤخراً على قانون المحكمة الدستورية 2006 بالقرار بقانون رقم (32) لسنة 2022 أنه قد جرى شطب "حق الناس" الذين انتُهكت حقوقهم الدستورية من تقديم طلبات التفسير التي تُقدّم والحالة تلك إلى المحكمة الدستورية من خلال وزير العدل (المادة 30) وتمَّ الاكتفاءُ بالطلبات المقدمة من "رئيس الدولة أو رئيس مجلس الوزراء أو رئيس المجلس التشريعي أو رئيس مجلس القضاء الأعلى أو رئيس المحكمة الإدارية العليا" بموجب هذا القرار بقانون (مادة 16 المعدلة للمادة 30 فقرة 1 من القانون الأصلي). رغم أن الناس، مصدر السلطات والسيادة، هم الذين يدفعون من جيوبهم وقوت أبنائهم فاتورة تلك الأموال والامتيازات والعطايا الكاسية لقضاة المحكمة الدستورية .. التي لا تنتهي! .

 

الخزينة العامة؛ هي التي تدفع "كامل" نِسَب ومساهمات التقاعد لرئيس وأعضاء المحكمة الدستورية العليا - وغيرهم كالوزراء والمحافظين .. إلخ - وهم ولا يدفعون فِلساً واحداً مقابل "التقاعد الفاخر" الذي سيحصلون عليه بموجب التعديلات التي جرت بنهج السرية على قانون المحكمة الدستورية (وغيره)، تلك المحكمة البائسة التي تحولت إلى كومة من الأموال والامتيازات لقضاتها في ذاك المبنى الفاخر، فيما تزداد شِدَّة التدهور والبؤس الذي يطال الدستور وحقوق وكرامة الناس أمام ذات المبنى العاجز.

 

نصيحتي للجميع، إنْ كان للنصيحة مكان في هذا الزمن الرديء، لا تقتربوا من المحكمة الدستورية وخاصة في هذه المرحلة الحسّاسة إطلاقاً، أُنبذوها وإرثها الرديء، لأنَّ إثارة أي شيء أمامها يعني المزيد من التحطيم والتدمير للدستور الفلسطيني في مرحلة حسّاسة. وفي دولة القانون، يُحال قضاة تلك المحكمة وغيرهم إلى لجنة صلاحية ويحاسبون بتهمة الفساد وخيانة الدستور. فلا تقتربوا نهائياً من هذه المحكمة.

فوربِكَ لنحشُرنَّهم والشياطينَ ثم لنُحضِرنَّهُم حولَ جهنَّمَ جِثيَّا. صدق الله العظيم.