08:00 am 12 ديسمبر 2022

الصوت العالي

كتب مثنّى خميس: أحمد سعدات.. سيرة "الرأس بالرأس"

كتب مثنّى خميس: أحمد سعدات.. سيرة "الرأس بالرأس"

رام الله – الشاهد| كتب مثنّى خميس: في 25 أيّار/ مايو 2022، عقدت "الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" مؤتمرها الوطني الثامن بعد انقطاعٍ دام تسع سنوات من موعد آخر مؤتمر لها. تغيّرات كثيرة وقعت في هذا المؤتمر، كان أبرزها انتخاب نائب الأمين العام جميل مزهر من قطاع غزّة ليحلَّ مكان أبو أحمد فؤاد، وكذلك مغادرة أسماء مثل: ليلى خالد، وماهر الطاهر، ومريم أبو دقة، مقاعد المكتب السياسي.

 

إلا أنّ زوبعة التعديلات هذه، لم تمسّ بشخصيةٍ واحدةٍ ذهبُ المؤتمر بالإجماع لتجديدٍ استثنائي لها، هي: أحمد سعدات. يشغل سعدات منصب الأمين العام للجبهة الشعبيّة منذ أكثر من 20 سنة؛ سنة واحدة أدّى دوره فيها وهو طليق، وأما ما تبقّى فمن وراء قضبان سجون السلطة الفلسطينيّة وسجون "إسرائيل".2 فلماذا هذا الاستثناء بحقّ سعدات؟

 

الترانسفير إلى جهنم

تُكتسب الاستثنائية من طبيعة القرارات التي قد يأخذها القائد في الأوضاع الاستثنائية. في 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2001، كانت مجموعة من رفاق الجبهة الشعبية على موعد مع وزير السياحة الإسرائيلي في حكومة أرئيل شارون، رحبعام زئيفي (موعدٌ استثنائي بطبعه)؛ أحد "السفلة" الذين لم يألوا جهداً في ارتكاب المجازر والمذابح والدعوة لـ "الترانسفير".

 

قبل عملية الاغتيال هذه، وفي 27 آب/ أغسطس من العام ذاته، قصفت الطائرات الإسرائيليّة مكتباً في رام الله تواجد فيه الأمين العام الثاني للجبهة الشعبيّة أبو علي مصطفى. وفي أربعينيّة استشهاده، اعتلى المنصّة مَن خَلفه في منصبه؛ أبو غسّان، أحمد سعدات، وقال وعيده الشهير:

 

"لن نستحق احترام الشهداء، ولن نستحق احترام شعبنا؛ شهدائه من قادته أطفاله وشيوخه ونسائه، إذا لم يكن شعارنا: العين بالعين والسن بالسن والرأس بالرأس. فعهداً لك يا رفيقنا أبو علي، عهداً لك يا معلمنا، عهداً لك يا رمزنا، عهداً لك يا عنوان عزتنا، ألا يكون شعارنا أقلّ من الرأس بالرأس؛ هذا لكم يا كتائب الشهيد أبو علي مصطفى".

 

ثارت الجموع على وقع تلك الكلمات، وأخذ الأدرينالين الوطنيّ بالارتفاع على شكل تصفيق وتصفير، وهم غالباً على غير وعي منهم بأنّه وبينما أبو غسّان يخطب كان ثمّة من يُترجم الشعار واقعاً ماديّاً ويعدّ عمليّةً نوعيّةً ليومٍ سيكون مشهوداً. عاهد أبو غلمة، مسؤول الخليّة ومخرج العمليّة. حمدي القرعان، الرجل الذي وضع ثلاث رصاصات في جسد زئيفي. باسل الأسمر، المرافق الذي تمنّى ألا يكون زئيفي لوحده حتّى يشارك في الاشتباك. مجدي الريماوي، سائق السيّارة وأمين المخبأ.

 

فوراً، توجّهت الأنظار في هذه الحادثة إلى الرجل الذي لم يُخلف وعده. وحتّى تكتمل شروط هذه الشخصيّة الفريدة، فإنّ عمليّة اعتقاله تطلّبت حياكة مؤامرة ممن يختصون بذلك، وهي مؤامرة وقعت أحداثها في إحدى فنادق رام الله في 15 كانون الثاني/ يناير 2002. فمن هو هذا الرجل الذي تآمر عليه البعيدُ والقريب؟

 

 

محامي دفاع الشعب الفلسطيني

كمعظم قادة الانتفاضة الثانية، وُلِد أحمد سعدات بعد النكبة وقبل النكسة، عام 1953 في مدينة البيرة، من أسرة هُجّرت من بلدتها دير طريف قضاء الرملة. وهو توقيت ولادة استراتيجيّ، يمنح الفتى وعياً بالقضيّة الفلسطينيّة وعمادها التهجير، دون أن يرث اليأس الذي أخذ يفتك بالناس وقتها. نشط في أطر طلابيّة حتّى انضمّ إلى الجبهة الشعبيّة عام 1969، وهو منذ عام 1981 وحتّى تقلّده الأمانة العامة، يتنقّل بين مناصب قيادية في التنظيم.

 

تردّد سعدات كثيراً على السجون الإسرائيلية؛ "من لمّا كان عمره 16 سنة" تقول زوجته عبلة سعدات، فبلغ مجموع اعتقالاته ما يُقارب الـ 12 سنة دون احتساب اعتقاله الأخير، الذي مرّ عليه فيه 16 سنة من أصل 30 سنة حُكم بها على "رئاسته تنظيم سياسي محظور". في جميع سنين اعتقاله، لم يدلي سعدات باعترافٍ واحد عنه أو عن غيره، كما لم يكسر نفسه أمام ثكنة عسكرية من الجيش، إذ لم يرفع يديه استسلاماً عند اعتقاله الأخير. حتّى في المحكمة، لم يقف مرّةً واحدةً احتراماً للقاضي كما جرت العادة.

 

بل قدّم سعدات مرافعةً في إحدى جلسات المحاكم الإسرائيليّة، كان فيها محامي الدفاع عن الشعب الفلسطيني متجاهلاً -كعادته- أنه هو موضوع الجلسة، فقال ممّا قال:

 

أما مطاردته، فكانت سلوكاً رديفاً للحظة خروجه كلّ مرة من السجن، سواء من عند الاحتلال أو من عند السلطة الفلسطينيّة التي اعتقلته في سنة واحدة فقط أوّل مجيئها 3 مرات. كان سعدات في أكثر أيّامه متنقلاً من مخبأ إلى مخبأ، يُكثر الاختفاء عن الأنظار، وقلّما حظي بالاستقرار هو وأهل بيته.

 

"قضى سنوات انتفاضة الأقصى ماشياً على قدميه"، تقول عبلة. ولم يكن يفضّل التنقّل في المركبات، تحديداً مع مرافق سواء كان المرافق زوجته أو حارساً شخصيّاً، فزهد بالسيّارة التي يوفرها التنظيم لمنصب الأمين العام، كما زهد بالمرافق الشخصي. من جهة، كان الإسرائيليون كثيراً ما ينفذون اغتيالاتهم عبر تفخيخ سيّارة المطارد أو قصفها. ومن جهة أخرى، كان يكره أن يتضرّر أحد أو يُغتيل بسببه.

 

تقول عبلة عن أبو غسّان: "كان يقول لي: إنّني مستهدف، فإذا قام الإسرائيليون باغتيالي لماذا تكونين معي؟ وحتّى رفضه للمرافقين كان من هذا الجانب، فكان يقول: إذا اغتالني الإسرائيليون يقتلون شخصاً وليس مجموعة، ولا أقبل بأن يموت آخرون بسببي". ربّما كان يفكّر بأخيه محمد، الذي كان بمثابة الصديق والحارس ومستودع الأسرار، فلم يُرد لقربه منه أن يعني رحيله. ولكنّ لاحقاً سيغادر محمد الحياة شهيداً، فلا يُنجي حذرٌ من قدر، خصوصاً وقد كان محمد يسعى برجليه نحو قدره، وهو ذاك النوع الفريد من الرجال الذي تكفّل بأهل أخيه عنده غيابه، وقطع دربه إلى آخره مبتعداً عن الأضواء.

 

ومن جهة ثالثة، فسعدات كان مُحبّاً جدّاً لرياضة المشي. "يجيد المشي بلا حدود" كما تصف عبلة. واعتقل ذات مرّة وهو يتمشى في إحدى شوارع رام الله، عندما تفاجئ بدوريةٍ من الجنود الذين تعرّفوا عليه.

 

كيف عاش؟

يعيش سعدات فِكْرَه ممارسةً؛ الصفة التي بدأت تتراجع أو حتّى تُفتقد في بعض الأوساط اليساريّة والنضاليّة. رجلٌ زاهدٌ متقشّف، بيته بالإيجار حتّى الآن، لم يهتمّ أبداً بثياب، ولم تشغله مغريات الترف، ولم يُلق بالاً بالمظاهر، ولم يتغيّر فيه شيءٌ باستلامه منصبَ الأمانة العامة.

 

وهو علاوةً على ذلك، يُحبّ الأشياء البسيطة. يفضّل الفلافل على الشاورما مثلاً، مُتعلّق بـ"النواشف"، ويتقن صنع "الشكشوكة"، ومغرمٌ بالشاي كما لم يُغرم به أحد. يقول حسن سلامة، أسير من "حماس" شارك سعدات في زنزانته: "كنت كل يوم أنتظر برّاد الشاي الذي يصنعه أبو غسان، ويأخذ منه كاسة ويترك الباقي حتى استمتع بشربه". وعن هذه الصفة تحديداً، تخبرنا عبلة فتقول: "وحين يكون الطعام شحيحاً يتظاهر بأنه يأكل حتى يشبع الآخرون، لكنه وحين يكون الطعام كثيراً فإنه يعرف كيف يتلذذ به".

 

هذه سمةٌ بارزة عند سعدات، إنّه لا يفكر بنفسه إلا لِماماً. على سبيل المثال، فور دخوله إلى قسم عزلٍ جديد عليه، أخذ يُسجّل أسماء المعزولين ويسأل عن أحوالهم وأوضاعهم المالية، ثمّ بادر إلى إرسال أسماء هؤلاء إلى مؤسسات الأسرى لمتابعة أمورهم. وحين كتب عن سياسة العزل كتاباً أسماه "صدى القيد" (2017)، غلب عليه البُعدُ عن الجانب الشخصي، وهو الذي عُزل في زنازين لا تتعدّى مساحتها الـ (1.8 * 2.7 متر) أكثر من 600 يوم. كذلك، خاض عدة إضرابات لا لأجل نفسه، إنما إسناداً لغيره من الأسرى، وهو في سنّ قد لا تساعده. من ذلك؛ إضرابه عام 2016 تضامناً مع الأسير بلال كايد، وإضرابه عام 2017 تضامناً مع أسرى حركة "فتح".

 

كان سعدات شديد الاهتمام بأهل بيته من زوجته وأولاده، تحديداً أمه وأبيه. فعمل لمساعدة والده في محل "بوظة ركب" في رام الله، وبائعاً لصحيفة القدس، ومراقباً في مصنعٍ للأعلاف، لكنّ اهتمامه بأهل بيته لم يصرفه عن أهالي الأسرى والشهداء. ممّا تذكره عبلة عن ذلك، أنّها كانت تطلب منه أحياناً طلباً بسيطاً فيردّ عليها: "أنت لك زوجك وأولادك وإذا طلبت طلب يُنفّذ لك، أما زوجة الشهيد من الذي يُنَفِّذ لها مطلبها؟"، بل وكان يأخذ أغراضاً من بيته وحرّ ماله ليُعطيه إلى أهالي الأسرى والشهداء.

 

عاش أبو غسّان حياتَه حول قضيةٍ جماعيّة، حتّى أن أكثر ما هو شخصي لديه؛ أولاده، منحهم أسماء كأنها بيانات سياسية. فهذا غسّان الأكبر نسبةً إلى غسّان كنفاني، ويسار نسبةً إلى الفكر الذي تُمثّله الشعبيّة، وابنتاه صمود وإباء اللتان يناديهما بـ "ليلى خالد ورسمية عودة" مُشتقّتان من الجَلَد في التحقيق. وحينما كانت تخرج إحدى بناته للفعاليات المناهضة للاحتلال، كان يعترض على طلب زوجته منعه إيّاها: "لماذا أمنعها؟ بنتك أحسن من هؤلاء الناس؟!".

 

العورة

على إثر اغتيال زئيفي، شنّت الأجهزة الأمنية الفلسطينية حملةَ اعتقالاتٍ في الضفّة استهدفت أبناء الجبهة الشعبيّة، وبالغت في تعذيبهم والتنكيل بعائلاتهم. لأجل ذلك، وفي 15 كانون الثاني/ يناير عام 2002، لبّى سعدات دعوة توفيق الطيراوي الذي كان يُلحّ باستمرار على لقائه. لم يستمر اللقاء الذي جرى في فندق "السيتي إن" في رام الله أكثر من خمس دقائق ربّما، إذ قاطعته مكالمةٌ جاءت للطيراوي يطلبه فيها ياسر عرفات. استأذن الطيراوي ثمّ عاد بعد أقلّ من نصف ساعة، ومعه مركبات الأجهزة الأمنيّة تحوّط الفندق لاعتقال سعدات. لم يخطر في ذهن سعدات أن "المناضلين القدامى" قد انحرفت فوّهات بنادقهم إلى الدرجة التي أصبح فيها هو العدوّ.

 

استخدمت السلطة حجّة "الحماية" لاعتقال سعدات، وهي الذريعة الشائعة حتّى اليوم لتبرير "التنسيق الأمني"، مصحوبة بمحاكمة صوريّة دون أن تكلف نفسها عناء الشرح: كيف للحماية أن تجتمع مع الإدانة؟

 

ثمّ استعملت سعدات فيما بعد كورقة مساومة مع الإسرائيليين، وذلك للتفاوض على رفع الحصار عن أبي عمّار في المقاطعة، حين حوّطته الآليات العسكريّة الإسرائيلية في 29 مارس/ آذار 2002 ضمن عملية "السور الواقي". وبالفعل، وفي الأوّل من أيّار/ مايو تمّت الصفقة التي وضعت وفقها سعدات ومنفذي عمليّة اغتيال زئيفي والقيادي الفتحاوي فؤاد الشوبكي في "أمانة" الحراسة الأميركيّة والبريطانية في سجن أريحا.

 

أمضى سعدات ومن معه حوالي 4 سنوات في سجن أريحا، ولكنه منذ اللحظة الأولى كان يعلم أنّه "وديعة" ستسلّم إلى "إسرائيل" عاجلاً أم آجلاً. "إنّ أموراً مريبة تحدث في السجن"، قال لعبلة. بعدها بخمسة أيّام فقط، أُفرغ المقرّ من الأسلحة، وجرت تنقّلات غريبة على رجالات الشرطة، كما أشارت ابنته صمود. بعد يومين، وتحديداً في 14 آذار/ مارس 2006، انسحبت القوات الأميركية والبريطانية من محيط السجن لتسلّم "العهدة" (كما حدث من قبل) للقوات الإسرائيلية التي طالبت الموجودين بتسليم أنفسهم.

 

خرج السجّانون بملابسهم الداخليّة، فيما خرج سعدات رافضاً حتى رفع يديه مغبّة أن يظنّ الناس أنّه سلّم نفسه. كان هذا المشهد يشرح بصمتٍ، وبشكل صارخٍ أيضاً،  الفروق الجوهريّة التي بدأت تتعاظم بين توجهين متناقضين. قال أبو غسان: "لقد أبرزت تجربة الاعتقال تحت الرقابة البريطانية-الأمريكية، عمق التشوهات التي ألحقها منهج أوسلو بالوضع الوطني الفلسطيني، إذ جعلتني اتفاقية أريحا وديعةً للإسرائيليين في سجن السلطة وبضمانات أمريكية، وهذه الوديعة استردَّتها حكومة الاحتلال عندما احتاجت إلى توظيفها... كما كشفت الغطاء عن مقولة "الحماية"، الاسم الحركي للاعتقال السياسي ولرضوخ السلطة للإملاءات الأمنية الإسرائيلية".

 

ها هو الرجل ذو الرأس الشائب يقبع في سجنه، يعدّ ما تبقى لـ"إسرائيل" من "عمرها"، ويعدّ ما تبقّى للأسرى من محكوميّاتهم، متجاهلاً أن يعدّ لنفسه. إنه هناك منذ زمن، يدفع ثمن "خطيئةٍ" ارتكبها من هو غير معنيّ بالتوبة ولا ستر عورته التي تكشّفت (ماديّاً قبل معنويّاً) يوم تسليمه.