09:48 am 7 يناير 2023

الصوت العالي

كتب محمود الفطافطة.. عندما قُتل "الأخوين الديك" أربع مرات!!

كتب محمود الفطافطة.. عندما قُتل "الأخوين الديك" أربع مرات!!

الضفة الغربية- الشاهد| كتب محمود الفطافطة.. عندما قُتل "الأخوين الديك" أربع مرات!!

 إن تقصير صاحب المسؤولية في انقاذ الملهوف يُمثل تقصيراً مركباً: التقصير الأول يتجسد في التخاذل بأداء مهمة العمل باعتبارها أمانة موكل صاحبها بتنفيذها، في حين قد يصل فعل التقصير الآخر إلى الجريمة؛ خصوصاً في حال تعرضت الضحية إلى فقدان الحياة أو تعطل إحدى أعضاء الجسم أو أكثر عن الحركة والنشاط.

هذه المقدمة نوردها إيذاناً بالانطلاق نحو حديثنا عن قضيةٌ يشكو منها عددٌ ليس بالقليل من أبناء مجتمعنا؛ تلك القضية المتعلقة بالتقصير في القيام بالواجب الرسمي: الأخلاقي والمهني؛ تجاه أولئك الذين تعرضوا لأزماتٍ أو شدائد أودت بحياتهم تارة، وبديمومة تعاستهم؛ لتحولهم إلى خانة ذوي الاحتياجات الخاصة تارة أخرى.

وما يزيد هذا التقصير وجعاً للضحايا وأهالي الثكالى ومحبيهم عدم تحقيق العدالة المطلوبة ومحاسبة المقصرين، الأمر الذي يُبقي جروح النفس والقلب والذاكرة مفتوحة.

 ليظل أصحابها يتجرعون مرارة الظلم وقسوة التهميش. وبالرجوع إلى العديد من التحقيقات والتقارير، المنشورة إعلامياً وحقوقياً، نجد جملة ٌمن القضايا التي أحدثت أثراً وجدلاً في الحالة الفلسطينية دون تقديم المتسببين فيها إلى المساءلة والمحاكمة.

لجان بدون نتائج!

وفي تحقيق استقصائي أعدته الزميلة الإعلامية أنصار طميزه لحساب تلفزيون وطن يتبين أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة استطاعت وحدة الصحافة الاستقصائية في وطن رصد ما مجموعه 8 لجان فيما يتعلق بالشأن العام شكلتها حكومتا الدكتور رامي الحمد الله (لجنتان) والدكتور محمد اشتية (ست لجان).

وكذلك الأمر، نجد تقارير أعدتها مؤسسات حقوقية فلسطينية مستقلة تؤكد غياب أو تغييب إجراءات التحقيق والمساءلة العادلة والشفافة لعديد القضايا التي راح ضحيتها أرواحٌ وأبرياء.

ومما تؤكده هذه التحقيقات، وتلك التقارير، أنه لم يتم نشر ما توصلت إليه العديد من لجان التحقيق الرسمية من نتائجٍ، ولم يتم حتى الإعلان عن انتهاء أعمال بعضها. والحديث في مثل هذه القضايا.

 يمتاز بالكثير من التشابك والتعقيد إلى حد الغموض والجدل الشديدين، وذلك لصعوبة الإجراءات، وتضارب أو تجاوز الصلاحيات، عدا عن تناقض التشريعات، وسواها من العوامل التي من شأنها عرقلة عملية التحقيق النزيه والمستقل، ومن ثم الوصول إلى الحقيقة والعدالة.

ونظراً إلى أن الحديث في هذا الشأن يحتاج إلى تقارير وتحقيقات شتى؛ فإنني سأخصص حديثي، هنا، لقضيةٍ ما زال جرحها نازفاً، والحزن على ضحاياها عميقاً ومتواصلاً. وأقصد بذلك حادثة، بل فاجعة وفاة الشقيقين ضياء وعمار الديك اختناقاً داخل بئر ماء في بلدة كفر الديك بمحافظة سلفيت يوم 13-6-2020.

 هذه الفاجعة ما زالت حلقاتها مفتوحة، وعائلتهما لا تزال تبذل الكثير من الجهود والحراك والعلاقات من أجل مساءلة من قصروا في انقاذ ولديهما.

تقارير متضاربة

وتتلخص الحادثة في وفاة شقيقين (ضياء وعمار الديك) في بئر ماء داخل منزل العائلة أثناء قيامهما بتنظيف البئر، نتيجة لنقص الأكسجين.  وفي اعقاب الحادث، قرر محافظ محافظة سلفيت، اللواء عبد الله كميل، بتاريخ 17 / 6/ 2020 تشكيل لجنة تحقيق للوقوف على حقيقة ما جرى في الحادث،.

وأصدرت اللجنة تقريرها بتاريخ 2020 /7/28 متضمنا عددا من الاستنتاجات والتوصيات. وبالتوازي قامت قوى وفعاليات وأهالي بلدة كفر الديك بإصدار بيان حملت جهاز الدفاع المدني الفلسطيني مسؤولية التقصير والإخفاق في الإنقاذ الذي أودى بحياتهم، حيث ورد في البيان أن طواقم الدفاع المدني وصلت متأخرة لمكان الحادث ولم يكن لديهم عتاد كافٍ للإنقاذ.

وبناءً على طلب من العائلة، ونتيجة لتأخر الجهات الرسمية في الاعلان عن النتائج أو اطلاع عائلة المواطنين المرحومين على نتائج التحقيق، قامت الهيئة بمخاطبة محافظ سلفيت بتاريخ 22 / 7/ 2020 بكتاب رسمي للحصول على نسخة من تقرير لجنة التحقيق.

 والذي بدوره قام بتزويد الهيئة بذلك التقرير الذي يفيد مسؤولية الحادثة للشقيقين ضياء وعمار وحملتهما مسؤولية موتهما . ورغم أن عائلة الشقيقين الديك تعاونت مع لجنة تحقيق المحافظة وقدمت لها كافة المعلومات إلا أن تلك اللجنة لم تضم أي ممثل عن العائلة أو أي خبراء إنقاذ" حسب العائلة.

بالمقابل شكلت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان لجنة تقصي حقائق حول الحادثة وخلصت لنتائج مغايرة لما ورد في تقرير لجنة التحقيق الرسمية، حيث طالب التقرير الصادر عن الهيئة بإعادة صياغة تقرير لجنة التحقيق التي شكلها محافظ سلفيت ونتائجه، والتركيز على مجريات الإنقاذ، بعيداً عن تحميل الضحية المسؤولية.

وفي المقابل فإن تقرير اللجنة الرسمية الخاصة بوفاة الشقيقين عمار وضياء الديك لم يشر صراحة لأي تقصير أو خلل من الدفاع المدني.

ولم يستعن بأي خبراء إنقاذ يقدرون الوقت، وقد جاء فيه أن "هناك تأخيراً في طلب المساعدة من الدفاع المدني والإسعاف، وكانت هناك استجابة فورية من قبل الدفاع المدني وان وصولهم لم يستغرق 10 دقائق من لحظة الاتصال بهم".

جهاز مترهل!!

وعلى عكس ما أظهرته نتائج لجنة التحقيق الرسمية فقد أشار تقرير لجنة تقصي الحقائق الذي أعدته الهيئة المستقلة، الى وجود ضعف شديد في الامكانات لدى جهاز الدفاع المدني من ناحية التواصل.

حيث لا يمكن لتقرير تحقيق أن يشير إلى أن المواطن لم يحدد حالة المواطنين في البئر، فالأصل أن تكون الاستجابة قائمة مهما كان نوع الحادث.

كما أظهر تقرير الهيئة أن الأدوات لدى أفراد الدفاع المدني لم تكن كافية لإتمام عملية الإنقاذ، فلم يكن لديهم سوى حمالة لنقل الجرحى، كما وجدت لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الهيئة المستقلة أن التخبط ساد عمل الدفاع المدني عند محاولة عملية الإنقاذ.

 كما أن الجاهزية من حيث الزي الخاص بالإنقاذ لم تكن موجودة لدى أفراد الدفاع المدني. وعليه، خلص تقرير الهيئة أن جهاز الدفاع المدني يتحمل المسؤولية الكاملة عن الحادثة ووفاة الشقيقين عمار وضياء الديك، بعد أن قام شخص مدني بإنتشالهما.

إلى ذلك، يبين تحقيق " وطن"، وعلى لسان خبراء في القانون، أن لجان التحقيق المشكلة من قبل مجلس الوزراء في فلسطين تفتقد الى أي إطار قانوني ينظم عملها، وبالتالي فان توصياتها غير ملزمة.

ويحذر هؤلاء الخبراء من "خطورة التساوق مع واقع غير دستوري، عبر تثبيت وتعزيز هذا الواقع غير الدستوري في ظل غياب البرلمان، وخلق أدوات تتساوق مع هذا الواقع للقبول بنتيجة أننا لسنا بحاجة لوجود برلمان، طالما بالإمكان تشكيل لجان وإصدار قوانين وسن تشريعات".

لجان تحقيق بلا إطار!!

ويقول عمار دويك مدير عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، بأنه لا يوجد حتى الآن أي إطار قانوني واضح ومفصل فيما يخص لجان التحقيق، سواء من ناحية تشكيلها والعضوية والإطار الزمني وصلاحيتها ومهامها والجهة التي تشكلها والجهة التي يجب أن تقدم لها تقاريرها.

 كما أن الطبيعة القانونية لتوصياتها غير واضحة، ان كانت ملزمة أم لا، وكذلك إلزامية نشر تقاريرها من عدمه.

وفي هذا الإطار، فقد رفضت نقابة المحامين في مجلسها السابق الانضمام لأي لجنة تحقيق تشكلها الحكومة وفقاً لما قاله عضو مجلس النقابة أمجد الشلة الذي أوضح لوطن بأن "مجلس النقابة الذي كان يترأسه النقيب جواد عبيدات لم يشارك بأي لجنة تحقيق تعرض علينا.

 وقلنا إنه بالنسبة لنا كمحامين نحترم القانون، فإننا لا نستطيع أن نشارك في لجان، تُشكل من جهة تعتبر أصلا متهمة بالقضية، لان هذا يخالف الدستور".

وأكد الشلة أن القضاء يرفض نتائج وتوصيات لجان التحقيق هذه، فلا يجوز أن تكون الحاكم والجلاد، كما أن توصيات ونتائج هذه اللجان تكون عرضة للطعن والرفض أمام القضاء وبالتالي فإن الهدف من تشكيلها هو امتصاص نقمة أو حالة سخط أثيرت في المجتمع، وتأتي الحكومة لامتصاص هذه الصدمة، مؤكداً أن التوصيات غير ملزمة.

تهميش للتشريعي!

ويرى الشلة أن لجان التحقيق حسب القانون منوطة بالمجلس التشريعي، فالحكومة تمثل السلطة التنفيذية، وعادة ما تكون السلطة التنفيذية هي الجهة المتهمة، وبالتالي لا يجوز منطقاً أو أصولاً او قانوناً أن تكون السلطة التنفيذية عضواً في لجنة التحقيق.

 ولا يجوز أصولا أن تقوم اللجنة التنفيذية بتشكيل لجنة تحقيق، فأعضاء لجنة التحقيق يجب أن يكونوا مستقلين ونزيهين يستأنس بهم المجلس التشريعي للوصول إلى حقيقة ما، متسائلاً: كيف يمكن للسلطة التنفيذية أن تشكل لجنة تحقيق يكون بعض أعضائها أطرافا متهمة بالقضية؟

وبحسب حسن خريشة، العضو السابق ورئيس لجنة الرقابة بالمجلس التشريعي آنذاك، فإن من يشكل هذه اللجان يدرك أنها لجان صورية تتعاطى مع مطالب المواطن واستجابة لرغبة الناس ولتمييع القضية وعدم اتخاذ اجراءات حقيقية بهذا الشأن وفي النهاية تصب بعدم مصداقيتها وصدقيتها وهي لجان فاقدة شرعيتها.

المساءلة: تدفئة للعدالة، وتبريد للقلوب!!

بدوره، يقول شقيق الأخوين د. علاء الديك: إن غياب المساءلة والمحاسبة بحزم وثبات، وعدم تحمل المسؤولية في المراجعة الدقيقة لعمل وتقييم أداء المؤسسة.

 من أجل تحقيق الإنضباط والإنتماء والحوكمة في عملنا، يجعلنا نضرب بعرض الحائط كمؤسسة وطنية وكقوى وفعاليات ومجتمع مدني كل تضحيات شعبنا التي مضت من أجل بناء المؤسسة وسيادة القانون وأنه لا أحد فوق المؤسسة والقانون.

ويضيف" فلا يزال الحزن والجرح يزداد عمقاً وألماً بداخلنا نحن كعائلة، فالحزن الأول على فراق شقيقي عمار وضياء الديك رحمهما الله، والبطولة التي قدمها أخاً من أجل توفير ماء شرب نقي للعائلة والبطولة الثانية أخاً محاولاً إنقاذ أخاه من الموت.

 فرحلا الشقيقين شهداء في عليين. والحزن الثاني في عدم إحترام تلك التضحيات ومسيرتهم الوطنية والإجتماعية والإنسانية من قبل المنظومة الرسمية بهدف إنقاذ المقصرين وأصحاب النفوذ من أجل كرسي، وكأن شيئاً لم يحدث، ولم يكترثوا للفاجعة وضحاياها ولذويهم والشعور الذي نعيشه كل لحظة.

ويؤكد د. علاء الديك أنه" لن نستسلم ولن ننسى، وسنناضل ونكافح مع كل الشرفاء أبناء المؤسسة الوطنية وجماهير شعبنا بكل أماكن تواجدهم، لحين تحقيق العدل تجاه المقصرين والمتآمرين، وهذا عهد على رقابنا، من أجل أن تبقى فلسطين حية وشعبها حي تحت راية الحق والعدل وسيادة المؤسسة والقانون، وصولاً للحرية وتقرير المصير.

ما تعرضت له عائلة الديك من فقدانٍ فاجع لابنيهما يُذكرنا بعديد الفواجع التي زُهقت فيها أرواحٌ بريئة دون أن تُجرى بشأنها التحقيقات الواجبة، والمساءلة المطلوبة، والعقوبة اللازمة لكل مقصر وصامت ومتواطئ. لقد قُتل الأخوين (ضياء وعمار الديك) أربع مرات.

 الأولى بموتهم البيولوجي المتجسد بزهق أرواحهم خنقاً لانعدام الأكسجين، في حين قُتلوا ثانية عندما تم التقصير ممن يتوجب عليه انقاذهم، بينما تم قتلهم مرة ثالثة عندما تم الخروج بتقريرٍ يتهم الضحية بقتل نفسها، وفي مرة رابعة قتلوا عندما تم تغييب العدالة والمساءلة في ملاحقة أو تجريم ممن كان له اليد في هذا التقصير الذي أودى بأرواحٍ شابة، ونفوس بريئة.

إن ظلمة البئر التي سفكت روح الشهيدين الديك قد تكون أقل ظلاماً من ظلم أولئك الذين تركوا حبل الحقيقة يلتف حول رقبة الضحية لا حول رقبة الجلاد. إن الرحمة بالظالم ظلمٌ للمظلوم؛ فلا تكونوا عوناً للظلم وسنداً للظالمين، بل كونوا عنواناً للعدل والعدالة، وباباً يُفتح أمام استرداد حقوق المظلومين.