13:06 pm 17 يناير 2023

الصوت العالي

كتب المحامي عصام عابدين: القدس والشيكل وحُرمة المال وحصاد الفشل والخيام

كتب المحامي عصام عابدين: القدس والشيكل وحُرمة المال وحصاد الفشل والخيام

رام الله – الشاهد| كتب: المحامي الدكتور عصام عابدين: نشرت وسائل الإعلام الفلسطينية أن السيد محمود عباس الذي دخل عامه الـ19 في الرئاسة وانتهت ولايته الدستورية منذ سنوات أصدر قراراً بقانون لتنظيم جمع التبرعات من مشتركي خدمة الاتصالات في فلسطين بحيث تتم المساهمة بشيكل واحد من جيوب الناس من الفاتورة الشهرية (أموال طائلة) بذريعة دعم القدس. وقد سبق وأن قام السيد عباس بتأجيل الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية وللمجلس الوطني والمساس بالإرادة العامة للناس بتاريخ 30 نيسان 2021 بذريعة القدس وأهل القدس.

 

يبدو أن القدس، وأهل القدس، باتوا شماعة لتبرير الانتهاكات الصارخة للقانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) والاعتداء الصارخ على مال الناس (حُرمة المال) بهذا التحالف "العميق" القائم منذ زمن طويل بين السلطة ورأس المال الذي يتحكم بالبلد ويُديرها على أنقاض الدستور والحُكم الصَالح، في زمن الانحطاط شامل، وغير المسبوق في تاريخ السلطة الفلسطينية.

 

القدس، كما العرين والكتيبة والأحرار في فلسطين والعالم، أهلي وأحبائي، ونحن لا نقبلُ أن يُزج اسمُنا وعزمُنا وبأسُنا ومقاومتنا الراسخة على أرضنا ومقدساتنا إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، بانتهاك حُرمَة مال الناس وانتهاك الدستور الذي هو تعبيرُ الإرادة العامة للناس مصدر كل السلطات وأصحاب السيادة! فلا تُلقوا علينا حصاد فشلكم الذريع على مرّ السنوات الفارطة.

 

القانون الأساسي الفلسطيني المعدل (الدستور) واضحٌ تماماً وقد أكد - كما هو الحال في دساتير العالم - على أنه لا يُمكن فرض أية رسوم مالية أو أية ضرائب أو إعداد وإقرار أية موازنات عامة أو عقد أية قروض مالية عامة أو منح أية عقود امتياز لشركة الاتصالات وغيرها إلا مِن خلال "قانون أصيل" صادر عن المجلس التشريعي الفلسطيني باعتباره السلطة الدستورية "الوحيدة" المخولة دستورياً باسم الشعب بمناقشتها والتعامل معها في جلسات برلمانية علنية وطِبقاً لأحكام الدستور الفلسطيني العُليا.

 

هذا ما شددت عليه المواد (88، 61، 90، 92، 94) من القانون الأساسي الفلسطيني (الدستور) وإرادة الدستور الفلسطيني هي العُليا (سمو الدستور) ولا يحق لأيّ قرار بقانون أو مرسوم أو قرار صادر عن الرئيس أن يُخالف أحكام الدستور تحت طائلة "الإنعدام" لمخالفة الدستور. والانعدام هنا يعني أنها "وُلِدَت ميتة" ولا يُمكن لها أن تُرتب أيّ أثر، ولا تُحيي العِظام وهي رميم.

 

كما أنَّ جميع الصلاحيات المتعلقة بمال الناس تخرج عن الصلاحيات "الحصرية الثانوية" للرئيس المنتهية ولايته المؤكد عليها في المادة (38) من القانون الأساسي المعدل (الدستور) والتي شددت صراحة على أن "يُمارس الرئيس الفلسطيني سلطاته ومهامه التنفيذية على الوجه المُبين في القانون الأساسي" وتلك الصلاحيات المالية ليست واردة في القانون الأساسي (121 مادة) بأكمله، بمعنى أنه لو كان الرئيس الفلسطيني مُنتخباً شعبياً فلا يحقُ له ممارستها في ولايته الدستورية وذلك لأنها ليست من صلاحياته.

 

وهذا القرار بقانون غير الدستوري الذي ينطوي على اعتداء على حُرمة مال الناس بذريعة القدس بصرف النظر إنْ كان قرار بقانون أو مرسوم أو قرار رئاسي (مبدأ سمو الدستور) غير منشور في الجريدة الرسمية بما ينتهك أصول وأبجديات التشريع.

 

وبحصيلة تلك الانتهاكات الدستورية الواسعة للقانون الأساسي وإرادة المُشرّع الدستوري الفلسطيني العُليا نكون أمام انتهاك واضح يطال "القَسَم الرئاسي" المُبيّن في المادة (35) من القانون الأساسي الذي يُقسِم بموجبه الرئيس اليمين التالية "أُقسِم بالله العظيم أن أكون مُخلصاً للوطن ومقدساته، وللشعب وتراثه القومي، وأن أحترم النظام الدستوري والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب الفلسطيني رعاية كاملة، والله على ما أقول شهيد". والمساسُ بحُرمة مال الناس مساسٌ بالقَسَم والدستور.

 

وانتهاك سيادة القانون في فلسطين؛ هو انتهاكٌ مؤكدٌ لأحكام المادة (6) الراسخة في القانون الأساسي الفلسطيني المعدل "مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص".

 

ولمّا كانت المادة (4) فقرة (2) من القانون الأساسي قد أكدت على أن "مبادىء الشريعة الإسلامية" مصدر رئيسي للتشريع، فقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم يطوف بالكعبة ويقول "ما أعظمك، وأعظم حُرمتك، ما أطيبك وأطيب ريحك، والذي نفسُ محمدٍ بيده لَحُرمَة المؤمن أعظم عند الله حُرمة منك: مالُه ودمُه". ولمّا كانت حُرمَة مال الناس؛ أعظم عند الله من الكعبة المُشرّفة؛ فلا تُحَمّلوا أهل القدس وِزرَ هذا الأمر الجَلل وابتعدوا عن تُخُوم القدس.

 

حقُ أهل القدس في الدعم المالي والميزانيات المالية الخاصة وبرامج وخطط التطوير والأولوية الخاصة راسخٌ في "القانون" الذي أقره المجلس التشريعي الفلسطيني قبل (21) عاماً (قانون العاصمة رقم 4 لسنة 2002) المنشور في الجريدة الرسمية (الوقائع الفلسطينية) في العدد (44) في أذار/ مارس عام 2003. وأنتم تجاهلتم أهَمَ قانون أقره "التشريعي" لدعم صمود القدس، وأبناء القدس، وما زِلتُم.

 

شدّد قانون العاصمة 2002 في المادة (3) على الآتي "تُخَصّص حِصة خاصة سنوية من الموازنة العامة إلى مدينة القدس الشريف وتُوضَع البرامج والخطط لتشجيع الاستثمار العام والخاص فيها وتظل منطقة تطوير (أ) ذات أولوية خاصة".

 

وزير ماليتكم الحالي الذي يُخفي الموازنات المالية العامة (أموال الناس) في جاروره ولا ينشرها للعامة، ومَن سبقه من وزراء مالية، يعلمون جيداً، أنه لا يوجد مركز مسؤولية (مركز مالي) باسم "القدس" في جميع الموازنات العامة للسلطة الفلسطينية على الإطلاق خلافاً للدستور وقانون تنظيم الموازنة العامة والشؤون المالية الذي أقره المجلس التشريعي منذ العام 1998.

 

أين برامج وخطط تشجيع الاستثمار العام والخاص في القدس التي أكد عليها قانون العاصمة منذ العام 2002؟! وهل هي منطقة تطوير (أ) ذات أولولية خاصة على الموازنات العامة وفي دورة الموازنة كاملة؟! وهل يُتَصوّر دورة سنوية للموازنة المالية العامة أساساً في غياب المجلس التشريعي الفلسطيني ويتم إعداد وإقرار وتنفيذ الموازنة (دورة الموازنة) في غُرَف سوداء مُظلمة وبُسطاء الناس الذين يُمولون من "جيبوبهم" الإنفاق الحكومي العام ونفقات الرئيس وغيره لا يعلمون شيئاً عن الموازنات ومصير أموالهم؟! .

 

هل توجد دولة في العالم بأكمله، دكتاتورية أو ديمقراطية، تقوم بمثل تلك الشعوذات وهذا الاحتقار الفج للناس الذي بات نهجاً في أدائكم وسلوككم؟!.

 

لا حل، نهائياً، للخروج من النفق المُظلم والانحطاط الشامل وغير المسبوق في التاريخ الفلسطيني ونظامه السياسي المُتهالك، إلاَ بواحد من أمرين لا ثالث لهما: الانتخابات الرئاسية والتشريعية وللمجلس الوطني دون إبطاء، أو العصيان المدني الشامل.

 

وكلاهما حقٌ طبيعيٌ وأصيلٌ للناس، مصدر السلطات والسيادة، للتعبير الإنساني الحضاري عن رفض ونَبذِ التشريعات الظالمة التي تعتدي بالباطل على أموال وحقوق الناس، على غرار تجارب الشعوب في الهند وجنوب أفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها.

 

وعليه، يتم نَصْبُ الخِيام في الساحات والميادين العامة في المدن والقرى والمحافظات، ويتم الامتناع عن دفع الضرائب والرسوم وأية التزامات مالية للخزينة العامة ورفض الخدمة في نظام استبدادي ومسائل أخرى في عالم المناصرة والحقيبة الاستراتيجية مع الأناشيد الوطنية والأعلام الفلسطينية وكرامة الشهداء والأسرى والجرحى والمظلومين تملأ أرض فلسطين، إلى أن يندحر الطغاة وأزلامهم بنصر حضاري مهيب بإذن الله.

 

ويبدأ برنامج تقرير المصير والإصلاح الشامل واستعادة الوحدة الوطنية وإنقاذ غزة وتعزيز صمود الناس على أرضهم (أرض الأباء والأجداد) في مواجهة الاحتلال الاستعماري ونظام الفصل العنصري، وخطة العدالة الانتقالية للإصلاح الشامل وللانتقال من زمن الظلم والاستبداد إلى عهد الحرية والقانون والحقوق والكرامة. الله غالب.