15:51 pm 20 يناير 2023

الصوت العالي

كتب د. عصام حجاوي: المشروع الصهيوني واستنفاذ مهام سلطة أوسلو وسؤال.. ماذا بعد؟

كتب د. عصام حجاوي: المشروع الصهيوني واستنفاذ مهام سلطة أوسلو وسؤال.. ماذا بعد؟

رام الله – الشاهد| كتب د. عصام حجاوي: قامت الحركة الصهيونية ومنذ تأسيسها رسميا في مؤتمر بال - سويسرا في العام ١٨٩٧ بإعلان أهدافها بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ولم تنتظر طويلا بعد ذلك للبدء بالعمل على تحقيق ذلك المشروع، والذيل لم يكن له، لينجح إلا بالارتباط بشكل عضوي مع قوى الاستعمار والإمبريالية العالمية التي تبدلت أدوارها منذ ذلك الحين وحتى اللحظة، ليتحول الكيان منذ إقامته في العام ١٩٤٨، من تابع للمركز الإمبريالي، لشريك كامل راهنا، يتعدى دوره البقعة الجغرافية لفلسطين، لدور لا نبالغ إن قلنا: إنه يتعدى حدود الإقليم الشرق أوسطي.

 

إن الحقائق التاريخية سالفة الذكر، تلقى اجماعا في الوعي الجماهيري العربي ما زال قائما، رغم انفراط عقد الإجماع الرسمي العربي منذ اتفاقية كامب ديفيد وما تلاها، من اتفاقيات لاحقه تزداد وتيرة انتشارها وآخرها ما عرف بالاتفاقية الإبراهيمية، والتي هي مرشحة للاتساع في تناقض جوهري مع الوعي الجماهيري العربي والذي تجلى أثناء مونديال قطر، حيث تم التأكيد على قضيتين جوهريتين، سيكون لهما بالغ الأثر على المدى الاستراتيجي بمآلات الصراع العربي الصهيوني مستقبلا.

 

وأول تلك الحقائق هو مركزية القضية الفلسطينية في الوعي الشعبي العربي رغم ٤٠ عاما أو أكثر من مصالحات الأنظمة والتطبيع. وثاني تلك الحقائق هو الإيمان بوحدة الشعب العربي من محيطه لخليجه، رغم قيام الدول القطرية التي انهارت حدودها أثناء المونديال. وبدمج تلك الحقيقتين معا، يصبح من الجلي أن تحرير فلسطين لن يتم إلا من خلال نجاح المشروع القومي العربي الوحدوي بكل تجلياته السياسية- الاقتصادية والاجتماعية.

 

وهكذا، فقد حرصت قيادة الحركة الصهيونية وبعد نجاحها في خلق الكيان بالاستمرار تدرجا في اغتصاب ما تبقى من فلسطين، حيث نجحت في ذلك في العام ١٩٦٧، وها هي في المرحلة الأخيرة، من استكمال المرحلة النهائية ببعدها الجغرافي، حيث لن يمر كثير من الوقت قبل أن تعلن ضمها للضفة الغربية نهائيا، على غرار ما فعلت بخصوص القدس والجولان، وسيكون ذلك الإجراء والذي كان جوهر البرنامج الانتخابي التي على أساسه تم تشكيل حكومة نتنياهو الأخيرة بالدعوة والالتزام بضم الضفة وزيادة الاستيطان التزاما حرفيا - أيديولوجيا ووظيفيا بإعلان مؤتمر بازل المذكور.

 

إنه من السذاجة التاريخية، أن يستمر البعض بقراءة الخطوات الأخيرة لحكومة نتنياهو على أنها مجرد رد فعل على قيام سلطة أوسلو بالتوجه للمؤسسات الدولية، فالمتمعن في تلك التوجهات والقرارات، سواء أهمها كما أشرنا وهو ضم الضفة واعتبارها أرضا إسرائيلية، إلا أن بقيتها تخدم مستلزمات ضرورية استراتيجيه، انتهجها الكيان منذ قيامه - كل الأرض بأقل عدد من الفلسطينيين.

 

إن قرار تسريع تهويد القدس، بما فيها المسجد الأقصى واقتحاماته، إحياء قانون إعدام الأسرى، إلحاق حرس الحدود بوزارة الأمن القومي، تسريع تسليح عصابات المستوطنين، إلحاق الإدارة المدنية للضفة بوزارة المالية، كل تلك القرارات وما سيتبعها سيخدم كما أشرنا إلى استكمال المرحلة الأخيرة من المشروع الصهيوني جغرافيا.

 

ما هو مصير سلطة أوسلو في ظل تلك التوجهات؟

للإجابة على هذا السؤال في سياق تاريخي، لا بد من العودة للوراء وقراءة مسيرة المفاوضات ما بين الكيان وبين الطرف الفلسطيني. فمن المؤكد تاريخيا أن اتصالات الكيان قد بدأت في بداية سبعينيات القرن الماضي على الأقل بشكل غير رسمي مع شخصيات فلسطينية محسوبة على منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة بعد الاعتراف بالمنظمة كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني في العام ١٩٧٤، وإعلانها للبرنامج المرحلي في حينه والذي أسس لتبرير تلك الاتصالات - وطنيا - من قبل القيادة المتنفذة وحلفائها في حينه واستمر ليتوج باتفاقيات أوسلو، والتي كانت الطعنة النجلاء في قلب مشروعنا الوطني.

 

وبدون الخوض بتفاصيل تلك المرحلة وصولا للحظة الراهنة، إذ ما يهمنا الآن هو سبر غور مصير قضيتنا ومصير سلطة أوسلو ومحاولة الإجابة على تساؤل جوهري ووحيد، هو: إلى أين نحن ذاهبون؟ وما هو المطلوب منا كشعب وكقوى مقاومه للاستمرار في مواجهة الكيان وسياساته القادمة؟

 

أوسلو مصيبة المصائب

قد يخطر على بال أي متابع لتطور مسيرة المفاوضات ما بين الكيان وقيادة المنظمة، تساؤل مشروع مفاده: إذا كانت المفاوضات بين الكيان والطرف الفلسطيني، قد بدأت منذ بداية سبعينيات القرن الماضي كما أسلفنا، فلماذا لم تتوج تلك المفاوضات باتفاقية شبيهة لأوسلو قبل عام ١٩٩3؟.

 

إن الإجابة على هذا التساؤل المشروع تكمن في فهم حقيقة المشروع الصهيوني المشار له وتطوره على الأرض ولا تتعلق برغبة أو استعداد الجانب الفلسطيني أصلا، والتي كانت متوفرة، منذ خروج قوات الثورة الفلسطينية من الأردن بالتحديد، والتي شكلت نهاية الثورة التي انطلقت بعد عام ٦٧، ثورة لم تدم أكثر من ٤-٥ سنوات، رغم كل صراخ وبهلوانيات قيادتها المتنفذة وحصار القوى التي كان من المفروض أن تشكل صمام أمان استمراريتها.

 

كما أسلفنا، فجوهر المشروع الصهيوني، كامل الأرض من نهرها إلى بحرها، مع الحد الأدنى من الفلسطينيين، فكيف إن كان ذلك ممهورا بتوقيع قيادة اعترف العالم بتمثيلها للشعب الفلسطيني، فرغم استعداد القيادة المتنفذة للبصم على تسوية، فإن مشروع الكيان في مرحلته النهائية لم يكن مكتملا بعد، ولم تكن اتفاقيات أوسلو إلا خطوة لا بد منها من منظور الكيان لاستكمال المرحلة الأخيرة.

 

وعليه، فإن أوسلو كانت حاجه وضرورة صهيونية ومقبرة للقضية الوطنية الفلسطينية، فبعيدا عن بهلوانيات قيام السلطة ووهم قيام دوله فلسطينية كاملة السيادة على المحتل من عام ٦٧ وعاصمتها القدس، استمر الكيان بفرض استراتيجيته على الأرض: استيطانا وتهويدا وتطهيرا وتميزا عرقيا، كممارسه يومية راسخة على كامل فلسطين التاريخية وإن يكن بشكل مكثف في الضفة.

 

وفي هذا السياق، يفسر تخلي الكيان إراديا لعوامل ديمغرافية بحتة عن قطاع غزه لاحقا، إذ أنه ليس بحاجة لأقل من ألف كم مربع من الأرض يسكنها قرابة ٣ ملايين فلسطيني، وكان جل استهدافه الاستراتيجي هو الضفة والقدس والمغتصب عام 1948.

 

ما هو مصير سلطة أوسلو الآن؟

كما أسلفنا، فقد كان دور سلطة أوسلو من منظور صهيوني هو تأمين الغطاء- الشرعي- لاستمرار الكيان بمشروعه الاستراتيجي، ورغم عنتريات السلطة، فقد قامت بهذا الدور بدون الخوض في قضية وعيها أو غبائها ومصالح الفئات المجتمعية التي نشأت في ظلها والتي كان وما يزال لها مصالح ذاتيه بالضرورة أن تصطدم بمتطلبات واستحقاقات العمل الوطني التحرري بما جسدته من فساد وإفساد وبلطجة… الخ.

 

إن استكمال المرحلة الأخيرة من المشروع الصهيوني، يستدعي وبالضرورة من وجهة نظر صهيونية، إنهاء وحل سلطة أوسلو بواقعها الحالي ومؤسساتها كافة، والتي هي أصلا على حافة الانهيار، رغم استجدائها للكيان بمدها بعوامل استمراريتها من خلال تأكيدها قولا وفعلا، أنها مؤهله للاستمرار بدورها الخياني على كافة الصعد، إلا أنها لا تدرك أن ذلك لن يلبي احتياجات المرحلة الأخيرة من مشروع الكيان الصهيوني.

 

إن قيادة السلطة تدرك ذلك وتدرك يقينا أنها مهما حاولت واستجدت الكيان من أجل بقائها إلا أن صلاحيتها، قد انتهت من منظوره وآن الأوان لحلها وإن يكن بشكل جزئي على الأقل كمرحلة أولى، حيث يوظف الكيان المسيرة السوداء للسلطة وانفضاح دورها وفسادها، مما أدى إلى فقدانها أية مشروعيه وطنيه، جماهيرية أو قانونية لحلها أو على الأقل العمل على تسارع سقوطها وفرض هيكلية سلطوية، داخل الضفة الغربية، تكون تابعا مباشرا للكيان، وهذا ما يعمل عليه الكيان منذ فترة ليست بالآنية.

 

وهذا يفسر أيضا وإن يكن جزئيا، حالة الصراع والتفسخ والفضائح والتسريبات التي تزكم الانوف والتي استشرت داخل أركان وأزلام السلطة، في محاولات أطرافها، لتزكية أنفسهم كمتطوعين في سباق محموم للتعاون مع الكيان، استمرارا لدور قد يحفظ لهم مكاسبهم التي تحققت في ظل أوسلو وسلطتها اللعينة.

 

إن قطاعا كبيرا من المهتمين بالعمل الوطني وكذلك قيادات السلطة، على علم بالخطوات العملية التي ينتهجها الكيان بهذا الخصوص، والمتمثلة بالاتصال والتباحث مع وجوه عشائرية ومخاتير... لا تمثل إلا نفسها من أجل تشكيل هياكل تتبع مباشرة للكيان، ربما على نسق روابط قرى مصطفى دودين، ولكن بمضمون أسوأ، حيث المطلوب منهم أن تكون هيكليتهم جزءا لا يتجزأ من الكيان في المرحلة الأولى على الأقل، والتي يمكن أن تستمر لعدة سنوات، تكون مقدمتها الضم الرسمي للضفة وتنتهي بمواطني الضفة، كسكان في مناطق تخضع كاملا للسيادة الصهيونية بشكل كامل، مع استمرار سياسات الطرد والقتل والسياسات المنهجية التي لم تتوقف أصلا للتخلص من أكبر عدد ممكن منهم.

 

ومما يؤكد ما يسعى إليه الكيان في هذا السياق حقيقة قد يتفاجأ بها الكثير من أبناء شعبنا والمتمثلة بأن مكاتب روابط القرى لم تقفل منذ تأسيسها، وأنها كانت وما تزال تعمل في بيت إيل: بقيادة خليفة مصطفى دودين المدعو محمد صبح.

 

صحيح أن هناك من يعتقد خاطئا أن هناك مشروع أخر، يعمل عليه الكيان بالشراكة مع قوى الإقليم وبالتحديد مصر والأردن، فحواه نوع من الإدارة الذاتية التابعة لكلا البلدين، حيث يتم إلحاق غزه بمصر والضفة بالأردن وضمن ترتيبات أمنية مشتركة، بين الأطراف الثلاثة، يستثنى منها سلطة أوسلو، إلا أن ذلك لا يعدوا أضغاث أحلام، لا تستوي مع الحقائق الجيوسياسية في المنطقة.

 

خلاصة الحديث: إن الكيان مستمر باستراتيجيته بابتلاع فلسطين الجغرافية، ضمن إطار قانوني - الضم- وسياسات لم تنقطع، بل تكرس يوميا على الأرض، فماذا نحن فاعلون؟.

 

بناء جبهة وطنيه ديمقراطية مقاومة، على أساس ميثاق ١٩٦٤، على أساس وحدة الأرض والشعب والقضية وأولويتها الأولى تأمين الحماية السياسية للمرحلة التي يخوضها شعبنا الآن في كافة أماكن تواجده، وخاصة في الضفة.