07:58 am 21 أكتوبر 2019

الأخبار أهم الأخبار

ستون عام من الخداع ... حركة فتح من مشروع الزعيم الى مشروع التصفية

ستون عام من الخداع ... حركة فتح من مشروع الزعيم الى مشروع التصفية
مراجعة كتاب "ستون عام من الخداع ... حركة فتح من مشروع الزعيم الى مشروع التصفية"

بين دلبح وأبو الخيزران ومنير شفيق: من الخادع ومن المخدوع؟

صدر الكتاب مؤخرا عن دار الفارابي في بيروت للكاتب محمد سعيد دلبح، وقد نفدت نسخه التي عرضت في معرض الكتاب في عمان في وقت قياسي نظرا لما سبق نشر الكتاب رسميا في الاسواق من تعليقات أو استعراض لمحتواه ممن اطلعوا عليه كاملا أو على اجزاء منه، والذي ساهم عنوانه "المستفز" في لفت الانتباه إليه. وما زالت تتوالى المراجعات للكتاب والتعليقات ما يؤشر أن الكاتب نجح في "استفزاز" القراء، بدرجة أو بأخرى.


تمكن محمد دلبح في سرده لتاريخ التحولات في البرنامج السياسي لحركة فتح ودور الزعيم المرحوم أبوعمار فيها، من إعادتنا لسردية غسان كنفاني الخالدة "رجال في الشمس" حول رجال تملكهم السعي نحو الهدف لدرجة لم يلحظوا تلاعب أبو الخيزران - دليلهم - بهم والأغرب أنهم حتى اللحظة الأخيرة ظلوا متمسكين بتعليماته ولم يدقوا جدران محبسهم (الخزان) حتى ماتوا. يقول دلبح: حاولت أن أدق جدران الخزان، لعلنا نتجنب مصير رجال غسان كنفاني وما صنعه أبو الخيزران.

لم يقدم دلبح روايات جديدة لم نعرفها أو نسمعها من قبل، ولم يضف على ما كتبه و وثقه عديد من قيادات فتح بدءا من صلاح خلف وخليل الوزير بالاضافة الى قائمة طويلة جدا استند اليها في كتابه أغلبها من القيادات الفتحاوية الكبيرة، ولعلنا في مجالسنا نتداول ما هو أشد منها ما زالت حبيسة القلوب، لكنه أحسن الفهم والتحليل ومن ثم إعادة تركيب السياقات ليتمكن من عرض تاريخ التراجعات السياسية والفاعلين الرئيسيين فيها. لم يحاول الكاتب تجميل أي حدث أو موقف كما لم يجبن عن تسمية المسؤولين أو المشاركين فيه، من واقع أنه تاريخ حدث فعلا ولا يمكن تغييره، لكن يمكن دوما إعادة دراسته.

اختار دلبح اطلاق الأوصاف المباشرة على أفعال معينة بغض النظر عن نية أصحابها والتي كان ينبغي التصدي لها و وأدها في مهدها – من وجهة نظر الكاتب - بينما اختار الأستاذ منير شفيق - مثلا - في تعليقه على الكتاب تسميتها (الخطايا التي لا تغتفر، أخطاء جسيمة، وتجاوز أغلب الخطوط الحمر في التنازلات المخزية والمروعة) والتي وبالرغم من فداحتها كما يقول الاستاذ منير يعود ليعتبرها ظواهر حتمية مترافقة أزليا وفق منطق أرسطو كما يقول، ومدللا على وجاهة موقفه بالتذكير بشهداء المسيرة وخصوصا القادة منهم، في ربط غير موفق – برأيي – بين الشهداء والمفاوضين، والمقاومة والمساومة، ليغدوا المنطق أقرب الى المنطق التبريري لا اكثر، بحيث يصبح مشروعا ومقبولا فعل الموبقات ما استمر الالتزام بالصلاة والصيام ودفع الزكاة.

نجح الكتاب في استعراض مراحل تغيير البرنامج السياسي في حركة فتح، العملية التي قادها الزعيم المرحوم أبو عمار وقلة قليلة في قيادتها، كما نجح في ابراز أسلوب أبو عمار في فرض رؤيته السياسية وقوة شخصيته وثبات ارداته واصراره على ذلك، رغم كل الصعوبات والنكسات التي واجهها، وقدرته على تحويل الهزائم البادية كشمس منتصف النهار إلى فرص جديدة للاستمرار في القيادة والمزيد منها بدلا من الابتعاد والإعتزال كما يتوقع في الحالات المشابهة. فيما يستنتج منه – برأيي الشخصي - أن ذلك البرنامج السياسي الذي جسده أبوعمار كان له حوامل فكرية واجتماعية عميقة تمده بعوامل الاستمرار (تعرض لها الكاتب سريعا وبدون استفاضة كبيرة)، لكن نجح أبو عمار في اختزالها بشكل (مرعب) في شخصيته ولا أظنه قابل للتكرار.أقول مرعب، لأنه لا صحة أو عافية في برنامج سياسي لقضية كبرى مثل القضية الفلسطينية يختزل في رؤية شخص واحد وفي أوسع نطاق عدد قليل من الأشخاص، مهما بلغ أو بلغوا من الحكمة.

كما أوضح الكاتب بموضوعية أن نجاح الزعيم أبو عمار لم يكن كاملا أو مطلقا، بل كان بالقدر الذي مكنه من الاستمرار وتلقي الضربات التي يمكن احتمالها، والمثال الأفضل في هذا السياق أن نجاح الزعيم في قيادة منظمة التحرير وسوقها التدريجي واستدراج فصائلها نحو برنامج التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني، كان أكبر بكثير من نجاحه في فرض هذا البرنامج على حركة فتح ذاتها. حيث كانت مقررات مؤتمرات فتح تعود وتؤكد على ثوابتها ومنطلقاتها التي تتعارض وتتناقض مع قيادة أبوعمار وسياساته في المنظمة (انظر التناقض بين فرض البرنامج المرحلي وتبنيه في منظمة التحرير عام 1974 وعجز الزعيم عن فرضه على حركته – فتح – التي يقودها في مؤتمرها الرابع عام 1980). وهذا يوضح معنى العنوان المستفز الذي اختاره الكاتب المحدد في نصه ومنطوقه: الزعيم. ولم ينسحب ذلك الطرح على حركة فتح بمجملها ولا على باقي فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية ولا الشعب الفلسطيني وتضحياته كما شاء الأستاذ منير شفيق أن يستنتج ويحمل النصوص ما لا تحتمل، وينطقها بما ليس فيها. بينما اكتفي الأستاذ منير بتصحيح واقعة محددة تخصه نافيا حصولها، و لم يعلق عما نسبه إليه المؤلف - في الكتاب - من اعتباره أنظمة عربية كالعربية السعودية من القوى التقدمية بعد حرب اكتوبر 1973 أو استجلاء موقفه من القوى الإنعزالية في لبنان (حزب الكتائب وحلفاؤه) إبان الحرب الأهلية اللبنانية وهي موضوعات أهم بنظري لعل الأستاذ منير يقدم لنا – نحن تلامذته الذين نعتز به معلما وقائدا - مراجعات جديدة بشانها.

يقول دلبح، بعد مشروع الزعيم المرحوم أبوعمار بدأ مشروع التصفية الذي قاده الرئيس محمود عباس فيما يصف: التصفية لما تبقى من حركة فتح (المؤتمرين السادس والسابع) والتصفية لما تبقى من امكانية الاستدارة وعكس الاتجاه الذي بدأه المرحوم أبو عمار (كما ظن أو كما مارس السياسة) عند اطلاقه الانتفاضة الثانية وصولا الى استشهاده مسموما. ويعرض الكاتب لحوادث و وقائع تلك الفترة الغريبة بدءا من غياب أبومازن الكامل تقريبا عن الساحة السياسية بعد توقيع اتفاق أوسلو 1993 ومعاودة ظهوره المفاجئ عام 2002 كمعارض قوي لأبو عمار وصلاحياته الواسعة وقيادته الفردية (التي كانت كذلك منذ الستينات ولولاها لما أدخل أبومازن الى اللجنة المركزية لحركة فتح حيث لم يكن معروفا للكثيرين ولا كان جزءا من النضال العسكري للحركة) ثم بدء الحملة الشعواء على أبوعمار بقيادة شارون والولايات المتحدة وأطراف عربية وفلسطينية منها أبومازن ومحمد دحلان، لتعيينه رئيس وزراء ونقل قسم من الصلاحيات له.

يوضح الكاتب نجاح أبومازن في استحداث المنصب والذي لم يهنأ به طويلا حيث لم يحتمل معارضة أبوعمار المستمرة له، بل ولم يحتمل ما وصفه به أبو عمار من أنه "كرزاي فلسطين"، ويا له من وصف سيئ لمن يأتون لسدة القيادة عبر دعم العدو وحلفائه، ويزيد من ثقل الوصف ووطأته أن يصدر عن القائد الرمز "ياسر عرفات"، ليقرر ابومازن الاستقالة ويبدأ بخطط الرحيل إلى كندا. إلا أن القدر – والغدر – الذي غيب أبوعمار أعاد أبومازن مرة أخرى، لكن إلى كرسي عرفات ذاته، في مشهد سريالي غريب، حيث يتم انتخاب أبو مازن رئيسا رغم "وصية" الزعيم الرمز ياسر عرفات !

ولعل المغزى من سرد ذلك، هو تبيان كيف أدى غياب أو تغييب العمل المؤسسي وتراجع القيادة الجماعية في حركة فتح الى بروز زعامة أبو عمار الذي قادها بعيدا عن منابعها، وذات الغياب أوصل في النهاية أبومازن لسدة الرئاسة. كما أن غياب أو تغييب المؤسسات في منظمة التحرير مكن من حرفها عن ميثاقيها القومي والوطني، بتقصير أو تواطئ من بقية الفصائل التي ارتضت الصمت وادارة الوجه مقابل ما كانت توفره قيادة عرفات من اموال ومخصصات.

برأيي، الكتاب يتحدث عن مشكلة كبيرة (سماها الكاتب خديعة) عايشتها وعانت منها حركة فتح ومناضليها وشهداؤها، عندما كان يتم التاكيد ليل نهار على الالتزام بالمبادئ والمنطلقات والثوابت بينما كانت مسيرة التسوية السياسية تمر بهدوء، ولم يتحدث الكتاب عن خديعة قامت بها حركة فتح، بل لعلها كانت أول ضحاياها. أما مشروع الزعيم الذي تحدث عنه الكاتب، فلعل كلمات الأخ أبو ماهر غنيم – عضو اللجنة المركزية لحركة فتح وأحد القادة التاريخيين لها – تلخصها أفضل تلخيص عندما كان يقول: اجتمعت اللجنة المركزية وقرر الأخ أبو عمار بالإجماع ... وما أسماه الكاتب مشروع التصفية فـرموزه ما زالوا بيننا ولكل قارئ الحق في الوصول الى استنتاجاته.
كتاب محمد دلبح جدير بالقراءة ويحتمل الصواب والخطأ في اكثر من موضع، وليس في ذلك مشكلة.

وائل ملالحه



كلمات مفتاحية: #محمود عباس #حركة فتح

رابط مختصر

مواضيع ذات صلة