16:51 pm 28 مايو 2018

الصوت العالي

ماذا كتب نجل المقاوم عبد المجيد دودين في ذكرى والده التاسعة ؟!

ماذا كتب نجل المقاوم عبد المجيد دودين في ذكرى والده التاسعة  ؟!
ابن الشهيد عبد المجيد دودين في ذكرى استشهاده يسطر ما يلي:
التاسعةُ يا أبي ! و ها انا أعاود الكتابة من جديد، تصرعني الأفكارُ قريبها والبعيد، يشدُّني ماضٍ لم يخلق ومستقبلٍ وليد، الماضي ! الذي نقشَ صورتك فيَّ بطلاً صنديد، بطلاً ثار على الواقع المرير وعزم على التحرير، ولم يثنه عن طريقه صغيرٌ ولا كبير، تسلّح بالرحمن، فكان أن عرف الفصل و الميزان، فلا هان ولا استكان ، كم داس الجرذان، كم أرعب خفافيش الظلام، حتى تفلت بعضهم وباعوه بأرخص الأثمان.

لم تعرفوا خصاله وما دريتم جُل أعماله، لم تخبروا سجاله، لم تجرؤوا على قتاله، ولكنكم والله ستبوؤن بشسع نعاله، قتلتموه ببضع دريهمات وإن قتل الأُسد بالدريهمات غالٍ .

والمستقبلُ إذ أسبح في أفق الخيال البعيد، من أبي؟ كيف كان؟ هل كان قوياً بمقدار ما يتمنى كل طفلٍ من أباه ؟ الحقيقة أني لا أعلم أكثر مما يعلم أي شخص عرف أبي، فأنا ما رأيته إلا محمولاً على الأكتاف أو موضوعاً فوق النعش، ولم أعرف عنه إلا ما أسمعه من قصص تُروى لي، لم أصارعه، لم أعش غضبه، حرنه، فرحه، أو أيا كان، لم أشعر يوماً أن هناك سلطة صارمة عليَّ ليس كسلطة الأم الحانية كما لم أشعر أن لي حائطا أتكئ عليه إذا ما كدت أسقط .
أترى كم هي المفارقات ؟ فما أبعد القريب ! وما أقرب البعيد!

يا يوم اذ كنت وحدك تزمجر، والكلاب مجتمعاتٍ وما بقي من عمر، خرجت تُريهم أن كلا لن يكون استسلاماً وطفقت تزأر، حتى حَنَا عليك وضمّك هذا البئر وأيما ضمّ
أيها السقف المتخابر، أيها الحائط المتآمر لماذا لم تكن جلدا ؟ لماذا ؟ لماذا لم تكن صابر؟ أهكذا تفعل بالزائر؟ أتقول لي أنا احتضنته أنا أحب هذا المغامر؟، أما كفاك كذباً ؟ أما كفاك هذراً ؟ إنّي أراك جائر.

يا يوم إذ جئت مضرَّجاً بالدماء وحولك الجماهير، ولا أدري ما أفعل، أحقاً هو أنت ؟ أم أنّي على غير هدىً أسير، أدركتُ أن هذا واقعاً ولو بالقدر اليسير، أدركت الحقيقة وكم هي مرة تلك الحقيقة، وتبدّى لي أن بعضاً مِن مَن مشوا في جنازتك كانوا يلبسون الأقعنة وأنك أنت كنت المكشوف الكبير.

يا يوم اذ يطلبون ان أنسى، أينسى السقف دعامته ؟ أينسى الرجل سنده ؟ فكيف بك أي سديَ المنيع.
يا قوة من عند القوي القادر، يا خسفا يصرع كل غادر، اللهم ما بحق كل قطرة نزفها ، كل حبةِ ترابٍ عانقها تقبله في عليين.

وددت لو أستمر بكتابة المزيد، لعل مخيلتي تستطيع استحضارك في لحظةٍ سارقةٍ للعقل تُغشي البصر أحيانا وتَزيده حدةً أحياناً أخرى، أيما إغشاء بل أيما غِشاوة، وددت لو اكتب فيك الروايات .
الذكرى التاسعة لاستشهاد ابي
"كلمات الغالي علي "