14:24 pm 30 يناير 2021

أهم الأخبار الصوت العالي

القضاء الفلسطيني الجالس والواقف خط أحمر!!

القضاء الفلسطيني الجالس والواقف خط أحمر!!

رام الله -الشاهد| كتب المحامي إبراهيم شعبان : ضمن مسلسل القرارات بقانون (القوانين المؤقتة) بموجب المادة 43 من القانون الأساس الفلسطيني، صدرت مجموعة من هذه القرارات الرئاسية التي فهم منها أنها تمس باستقلال القضاء وتعديل تشكيل المجلس القضائي الأعلى وإنشاء محاكم إدارية عليا. وقد أثارت هذه القوانين المؤقتة المستعجلة حفيظة المجتمع الفلسطيني، وفي طليعته قضاة فلسطين على اختلاف درجاتهم، ونقابة المحامين وهيئتها العامة عبر تعليقات ومظاهرات وإضرابات. حتى الإتحاد الأوروبي يفكر في قطع المساعدات لقطاع العدالة الفلسطيني.

 

بداية، أحببنا أم كرهنا، قبلنا أو رفضنا، فأية دولة في العالم سواء أكان من العالم الأول أو الثالث أو ما بينهما يقوم على ثلاث سلط، هي التنفيذية والتشريعية والقضائية. وهذه السلط منفصلة عن بعضها فصلا مرنا وتمارس كل واحدة منها اختصاصها بدون تدخل من السلطة الأخرى. ولا يجوز أن تحل سلطة محل أخرى أو أن تلغى سلطة وتدمج في سلطة أخرى مهما أوتيت من قوة ورجال ومال. ولقد قرر فقهاء القانون الدستوري من زمن بعيد أن اجتماع سلطتين في يد واحدة يقود حتما إلى الإستبداد والطغيان. ومن باب أولى أن تجتمع السلطات الثلاث في يد واحدة.

 

بمعنى آخر، أن السلطة التنفيذية تتكفل بتقديم الأمن والغذاء والتعليم والصحة للأفراد، أما السلطة التشريعية فتقوم بسن القوانين والتشريعات وتحاسب الحكومة عن أفعالها، ويقوم القضاء بحل المنازعات والخلافات بين الأفراد بعضهم البعض وبين الدولة كذلك. وهذا ما عرف بمبدأ فصل السلطات وهو مبدأ دستوري وضمان أساسي لدولة سيادة القانون والعدالة بغض النظر عن النظام السياسي وطبيعته ولونه. ولا بد من أجواء وبيئة صالحة للقيام بمثل هذه الأعمال تتمثل بالحقوق والحريات العامة للأفراد التي اصطلح على تسميتها هذه الأيام بحقوق الإنسان.

 

وقد عرف من زمن بعيد، وهذا ليس خاصا بنظام سياسي على وجه التحديد دون غيره، تنازع الإرادة السياسية بالقواعد القانونية المستقرة. فالسياسيون يضيقون ذرعا بالقواعد القانونية الجامدة، ويعتقدون بحق أو بدونه أنهم أكثر كفاءة من المشرع الذي يضع قواعد تشريعية قانونية وبخاصة أن أعضاء البرلمان هم سياسيون وينتمون لأحزاب سياسية. بل يرى تزاحم أعضاء البرلمان في المزايدات السياسية والخصومات البرلمانية. من هنا يحاول السياسي في دول العالم أجمع تخطي القواعد القانونية الملزمة تحت مسميات كثيرة وذرائع عديدة، أبرزها المصلحة العامة المتخيلة والطوارىء وغياب البرلمان. وهناك أمثلة لا تعد ولا تحصى على هذه الخروقات التي يقوم بها السياسيون، لكنهم هناك ما يلبثون دفع ثمن غالٍ على خطيئتهم لأن روح سيادة القانون لا تسمح لهم بتجاوز سلطة القانون ولو كان جامدا.

 

والسياسي الفلسطيني ليس طينة مختلفة عن سياسيي العالم، فهم جميعا من طينة واحدة، بل قد يرى السياسي الفلسطيني أنه متقدم على غيره من سياسيي العالم، حيث لا يجاريه أحد في صياغة البيانات السياسية واتخاذ الإجراءات والقرارات العامة، فكيف يوقفه قانون أو تشريع مؤلف من كلمات لا تسمن ولا تغني من جوع. ولو رجع به الزمن لصنع تشريعا أو قانونا أفضل مما هو موجود أو مما يمكن أن يصيغه مجلس تشريعي منتخب أو هكذا يتصور ويتخيل. فالسياسي يرى في القانون اداة لتنفيذ سياساته وكفى، حتى لوتعارضت مع نصوصه الجامدة، وإن تعثرت فهو لها بالمرصاد حيث يمكنه إلغاءها أو تعديلها أو تجميدها، وهذا ما لمسناه في كثير من القوانين والتشريعات على مر الزمن.

 

بدأ التقاطع بين السلطة القضائية الفلسطينية والسلطة التنفيذية الفلسطينية من بداية البدايات وبعد أوسلو مباشرة. ومن الغريب والمستهجن أن السلطة الفلسطينية ورثت جهازا قضائيا نزيها مستقلا غير فاسد عن الإدارة المدنية الإسرائيلية وسلطة الحكم العسكري الإسرائيلي وإن كان مقيد الصلاحيات وبخاصة في الأمور الإدارية والطعن في قرارات الحكم العسكري الإسرائيلي. وكان هذا الإرث القضائي نواة وبذرة صالحة ومشروعا لتطوير القضاء الفلسطيني نحو الأفضل. ولكن بعض اشخاص السلطة التنفيذية على اختلاف مواقعهم لم يحملوا احتراما لرجال القضاء المستقل النزيه، لذا حاولوا بكل الوسائل التي بين أيديهم التدخل في الشأن القضائي لإفساده وحرفه عن مسيرته. فهذا محافظ يتدخل ويستدعي وكيل نيابة إلى مكتبه، وهذا وزير يمتنع عن تنفيذ حكم قضائي قطعي بحق وزارته، وهذا رجل مخابرات يمتنع عن إفراج عن معتقل لدى السلطة الوطنية، وهذا شخص يتولى منصبا قضائيا تقدم له سيارة مشطوبة حديثة لسوقها مقابل توقيع هنا أو هناك. ولم يقتصر الأمر على أجنحة السلطة التنفيذية بل سرت العدوى للسلطة القضائية والتشريعية واتسع الفتق على الراتق.

 

فرجال السلطة القضائية - قضاة ونيابة عامة – تنازعوا واختصموا فيما بينهم، وكل أراد أن يحتكر الكعكة وامتيازاتها لنفسه. فهذا يقبل تعيينه رئيسا لمجلس القضاء الأعلى وهو يعلم بشكل أكيد أن هناك من هو اسلم قانونا لتعيينه، ويعلم علم اليقين أنه بقبوله المنصب فهو يخرق القانون وهو القاضي الرفيع أو المتوقع أن يكون من أرفع وأعلى القضاة. وآخر يقبل تشكيل محكمة لا تلبث أن تلغى بعد حقبة زمنية كمحكمة الجمارك. وآخر يقبل راتبا أو سنا تقاعديا لا ينطبق على غيره من القضاة فيخرق مبدأ المساواة. بل قبل البعض وهو في أعلى درحة قضائية، قرار تعيينه في يوم توقيعه قرار استقالته بعد ترك التريخ للإستقالة فارغا، إثر الضغط عليه. ووجدتها السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية فرصة سانحة لضرب القضاة بعضهم ببعض وإذكاء نار الفتنة بينهم، وهكذا كان. وهذا ما يجري الآن على صعيد المرفق القضائي من إقالات وندب وهلم جرا.

 

وللموضوعية نقرر أن بعض أعضاء السلطة التشريعية (المجلس التشريعي الأول) لعبوا دورا رغم صغره في تحجيم القضاء في ذك الوقت حين سعوا إلى تجريد وزير العدل من أية صلاحيات قانونية، ونجحوا في ذلك. ووصل الأمر بعد ذلك إلى أن  بعض أعضاء قضاة المحكمة العليا ذهبوا في ليلة ليلاء إلى عدم دستورية قانون السلطة القضائية لعام 2002 الذي يطالب به جمهرة المحامين نتيجة لعوامل شخصية. ومن ذات القبيل سريان قوانين الثورة الفلسطينية في دولة مدنية، وتشكيل محاكم عسكرية وإجازتها يصب في ذات السياق وفي باب التجاوزات التي كان أضخمها وأكبرها القرارات بقوانين.

 

دعونا نقرر كما أسلفنا أن السلطة التشريعية تحتكر سن القوانين على وجه الحصر والحكر دون غيرها، مهما كانت مواصفاتها، فهي الجهة الموكول إليها سن التشريعات ومحاسبة الحكومة أي السلطة التنفيذية عبر سحب الثقة منها. لكن هذه السلطة التشريعية كبقية السلط، لها دورات ومواعيد لاجتماعاتها، وتذهب في إجازة صيفية، أو تحلها السلطة التنفيذية، إثر نزاع دستوري، وبالتالي تغيب عن الساحة بشكل مؤقت، وقد تحدث أثناء غيابها المؤقت أمور أو أحداث تتصل بالمجتمع الفلسطيني ولا تقوى على معالجتها التشريعات العادية، بل تحتاج لمبضع جراح تشريعي جديد ليعالج هذه الحالات المستجدة التي لا تحتمل التأخير. من هنا كانت المادة 43 من القانون الأساس التي أجازت للرئيس أثناء غيبة المجلس التشريعي أي في غير أدوار انعقاده وفي حالة حدوث ضرورة لا تحتمل التأخير وليس أي ضرورة أن يصدر قانونا مؤقتا أسماه القانون الأساس " قرار بقانون " . أي لا بد أن يجتمع الشرطان معا وهما الغياب التشريعي والضرورة التي لا تحتمل التأخير.

 

في البداية ونتيجة لغياب المجلس التشريعي وعدم الدعوة لانتخابات جديدة وتمديد هنا أو هناك، كان التوجه لهذه القرارات بقانون على استحياء وقليلة وبعد جهد جهيد يصدر قرار بقانون. لكن ما لبث هذا السير البطيء إلى نهج متسارع تحول إلى سيل من القرارات بقانون (القوانين المؤقتة) (القوانين المستعجلة) عملا بالمادة 43 من القانون الأساس لعام 2003 والتي بلغت حتى كتابة هذه السطور 146 قرارا. هذه القرارات الرئاسية وضعها المشرع الدستوري لضبط الحاجة التي لا تحتمل التأخير التي يمكن أن تحدث أثناء غياب المجلس التشريعي كونه في إجازته الصيفية أو نتيجة لحله، والتي تعترض المصلحة الفلسطينية كالكورونا أو الكوليرا أو هزة أرضية وهي لن تتجاوز أصابع اليد الواحدة على أقصى تقدير.

 

لكنها تجاوزت كل ما يمكن تصوره في هذا المجال. وغدت السلطة التنفيذية هي في نفس الوقت السلطة التشريعية وتسن القوانين المؤقتة دون مراعاة لأبسط قواعد الضرورة وبدون وجود حالة ضرورة ولا استعجالها وعدم تأخيرها. فغدونا نرى قرارات بقانون في شتى مواضيع القانون وفروعه وعلومه لا فرق بين خاص وعام، حتى وصل الأمر إلى فناء السلطة القضائية وقضائها الجالس وهددت استقراره ومنعته.

 

ولن يناقش هنا تفصيلات هذه القوانين المؤقتة الجديدة ومدى شرعيتها في كل نقطة، فهذا الأمر ليس له متسع الآن، بل سيناقش جوهر الموضوع ، من حيث جوازه أو عدمه بشكل أساسي. لكن ان يساق قانون السلطة القضائية على مذبح القرارات بقانون فهذا أمر غير جائز وغير مقبول. فهناك قانون ينظم السلطة القضائية الصادر في عام 2002، فهل يعقل وهل يستقيم أن تقوم السلطة التنفيذية بتعديل أو إلغاء أو تجميد قانونٍ للسلطة القضائية مهما كانت المبررات والأعذار. ولو حدث وهو قد حدث فهو يعد انحرافا تشريعيا كما وصفه فقيه الأمة العربية جمعاء عبد الرزاق السنهوري في خمسينيات القرن الفائت. هل يعقل أن تغتصب السلطة التنفيذية مهما أوتيت من حكمة وبعد نظر اختصاص السلطة التشريعية وتشرع للسلطة القضائية في زمن وشيك للإنتخابات التشريعية وتشكيل مجلس تشريعي وفي ظل انتفاء الضرورة التي لا تحتمل التأخير. أية ضرورة لا تحتمل التأخير بعد مرور عقدين من الزمان على سن قانون السلطة القضائية! هذه رزمة من القوانين غير دستورية لتعديها على القانون الأساس الذي رسم الطرق القويمة للقوانين المؤقتة.

 

أما القضاء الواقف الذي رفض وتظاهر ضد هذه القوانين المؤقتة، فقد غدا مهددا وفق الشائعات التي تسري في الشأن القضائي الفلسطيني بحل نقابة المحامين الفلسطينيين. وهو أمر على جانب كبير من الخطورة، فلم يسبق لأية دولة عربية بحل نقابة المحامين التي هي مرفق عام وبها أكثر من خمسة عشر ألفا من المحامين وقراراتها إدارية وتهدف إلى الصالح العام. بل إن دولا عديدة سواء جاورتنا أو بعيدة لم تجرؤ على حل نقابة المحامين فيها رغم تنافر النقابة والنظام السياسي في ذلك البلد. وبدلا من التفكير في حل نقابة المحامين، ليتنا نفكر بوسائل لجر مغانم لهذه الفرقة عبر تعديل قانون النقابة لإيجاد وسائل عمل قانونية جديدة للمحامين الذين يعانون، وهي وسائل كثيرة وتنتظر إعمال القانون وتنفيذه. ومهما زين لمعاول الهدم فمعاول البناء أبقى وأنفع.

 

الأصل في القانون أن يكون عاما مجردا لا يخاطب الشخص باسمه بل بوصفه وتسنه السلطة التشريعية، ويهدف إلى إقامة العدالة وحكم مستقر، ينفي الفوضى ويرعى المراكز القانونية الثابتة عبر قضاء نزيه مستقل . بدون القانون سنغدو دولة بوليسية دكتاتورية لا حرمة فيها لحق فردي أو عام، وهو طريقنا للسمو والعلو، فاتعظوا يا أولي الألباب!!!