16:32 pm 2 مايو 2021

الصوت العالي

كتب د. حسام سليمان: أزمة الحكومة مع الاضرابات – اضراب الأطباء نموذجا

كتب د. حسام سليمان: أزمة الحكومة مع الاضرابات – اضراب الأطباء نموذجا

بيت لحم – الشاهد| كتب د. حسام سليمان: في آخر بيان اللجنة الوزارية التي تابعت شأن اضراب الأطباء الأخير وبعد اتهام الأطباء باستغلال مرض الناس في فترة الجائحة لتحقيق مصالحهم المادية كما ادعى البيان يخاطب البيان ضمير الأطباء للكف عن هذه الاجراءات  بدعوى "أن مهنتكم إنسانية" ..

 

فهل حقا مطلوب من معشر الأطباء وحدهم السلوك الانساني القويم أم أن خطاب الانسانية هو غطاء لإسكات المطالب المشروعة ؟.

 

عن حراك النقابات في التاريخ الفلسطيني بداية أتحدث ، فمنذ بداية عشرينات القرن العشرين كانت الشرارة بنقابة عمال السكك الحديدية واضرابهم في وجه المستعمر الانجليزي لتحصيل حقوق العمال، ثم توالت النقابات في المجتمع الفلسطيني لتكون رأس الحربة للاصطدام مع الاحتلال في زمن الانتداب البريطاني ومرحلة الاحتلال الاسرائيلي لاحقا.

 

فإضراب عام 1936 الشهير الذي استمر لأشهر لكسر ارادة المستعمر الانجليزي كان تطبيقا عمليا لمفهوم النقابات العمالية للمطالبة بحقوق العمال، وفي منتصف الستينات تبنت منظمة التحرير منذ تأسيسها نفس النهج في الشارع الفلسطيني بالشتات والداخل فبدأت بإنشاء نقابات للعمال والأطباء وجعلها عنوانا للتصدي للاحتلال وكسر ارادته وتوعية المجتمع الفلسطيني بحقوق عماله وموظفيه وعدم السكوت عن حقوق يتحكم بإعطائها الاحتلال بشكل مباشر.

 

التغير الجوهري في عمل النقابات بعد انشاء السلطة الفلسطينية اثر اتفاقية اوسلو في بداية التسعينات والبدء بتحمل سلطة الحكم الذاتي لملفات الحياة اليومية للشارع الفلسطيني في مناطق أ كما نصت أوسلو.

 

هنا تحول مفجرو الاحتجاجات سابقا والمظاهرات النقابية إلى سلطة ومشروع دولة كما اعتقدوا لها حساباتها الداخلية والخارجية ولم يعد كل المطالب مدرجة في خانة الحق المطلق.

 

وأصبح التعامل الرسمي بحذر مع كل مطالبات نقابية إما بوعودات تخديرية أو تنصل من المسؤوليات بدعوى أننا جميعا تحت احتلال وضغوط وظروف سيئة.

 

كمطلب أساسي في الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان التزمت بفحواها السلطة بالتعهد بالالتزام بإقرار حقوق العاملين بعمل اضرابات لمطالب مشروعة وهكذا تبنى القانون الأساسي الفلسطيني لعام 2003 الحق بالإضراب للمطالبة بالحقوق المشروعة .

 

تكررت الاضرابات فلا تمر سنة دون اضراب لنقابة من النقابات كظاهرة صحية لمطالب يراها أصحابها مشروعة لتحسين اوضاع العمل او تحسين الوضع المادي كحق طبيعي، مرت السلطة بتجارب طويلة مع اضرابات خصوصا اضراب 2006 واضراب 2016 .

 

من تكرار الاضرابات يبدو أن أصل المشكلة هو ازدواجية تعامل السلطة مع مؤسسات ونقابات المجتمع تارة أنها الدولة المسيطرة التي لا ترتهن لكل المطالب ولا تلين بسهولة وتارة من منطلق سلطة الحكم الذاتي تحت احتلال يتحكم بمواردها واثارة الشفقة بانتظار الدعم الخارجي لبناء المؤسسات ودعم المشاريع او تحسين الميزانية.

 

في اضراب الأطباء الذي لم يأت فجأة بل هو نتاج حراك متكرر منذ 2013 تكمن المشكلة في عدم توقع السلطة لمطالب "مادية" من احتجاجات نقابة الأطباء بدعوى "انسانية" مهنتهم، وكأن المهن الأخرى غير مطلوب منها الانسانية، وكأن فكرة الانسانية تتعارض مطلقا مع مطالب مادية قد لا تتجاوز ال100 دينار في احسن الظروف كمطلب معيشي.

 

بغض النظر عن تفاصيل المطالب وهل هي ضرورة أم ترف من وجهة نظر الحكومة وعامة الشعب ، إن ضعف الاحتواء لهكذا مطالب مشروعة والدفع باتجاه جعل الاضراب يأخذ منحى قد يؤثر على صحة الناس –بالرغم من ان الاضرابات الى الان استثنت الحالة الطارئة غير المؤجلة- كله تتحمل مسؤوليته الحكومة بشكل أساسي لضعف سياسة الاحتواء والحوار السليم.

 

لن نتطرق الى الوضع السياسي الحرج الذي يمر بالشعب الفلسطيني  وتفاصيل التجاوزات المالية  الذي ان تم محاصرة جزء بسيط منها لحلت كل مشاكل طبقة الأطباء التي لم تطلب مطالب تعجيزية أو غير متوقعة.

 

إن ردات فعل المجتمع العنيفة تجاه كل ما يخص الأطباء هو نتيجة جهد عملت به الدوائر الرسمية وغير الرسمية بماكنات اعلامية مضللة عملت على تشويه وشيطنة كل ما هو مطلب حقوقي من أي فئة وخصوصا الأطباء فالكل شرب أو سيشرب من هذه الكأس لاحقا.

 

إنه أيضا نتاج غياب نخب سياسية ومجتمعية فعلية توجه الناس وتحذر من مغبة استفراد الحكومة بشريحة معينة من المجتمع لها مطالب محقة.

 

ليس مطلوبا الايمان القوي من المجتمع بتفاصيل المطالب الحقوقية للأطباء او غيرهم، فشريحة الأطباء كغيرها من الشرائح لها مطالب حياتية او تفاصيل معيشية كثيرة، المطلوب من مجتمع تحت احتلال هو الايمان بضرورة حل كل اشكالية بطرق منطقية تقوم الحكومة من باب انها الحضن الأوسع باستيعاب ومناقشة كل مطلب فهي التي وضعت نفسها بموضع تحمل المسؤولية أولا وأخيرا.

 

على حكومة شعب يرزخ تحت احتلال ، محدودة الصلاحيات أن تحدد موقفها ليس من اضراب نقابة الأطباء فحسب بل اتجاه كل صوت فيه انتقاد أو ملاحظات أو مطالب، إما أن تكون في خندق الشعب ونحتج جميعا أمام العالم على الظلم الواقع على شعبنا وما يتبعه من عوائق نهضوية، أو أن تلعب دورها "كدولة" وتتحمل مسؤولياتها دون انتظار تبرير وتخدير لفئة مطالبة بحقها.

 

إن التطور الملحوظ في الاجراءات النقابية منذ 2013 ونتيجة لتنكر الحكومة مرارا وتكرارا لكل اتفاقية موقعة مما اضطر نقابة الأطباء لإعلان يوم بداية الاضراب الشامل حتى للحالات الطارئة في المستشفيات الحكومية ، كل ذلك يجعلنا نطالب وجود نخب عاقلة تضع الضمانات وتسعى لحلول ليست تعجيزية هدفها حفظ كرامة الأطباء الذين واجهوا الوباء بكل شجاعة.

 

إن كرامتهم ليست بتحصيل بضع نقود كما ادعت لجنة الوزارة، إن كرامتهم تحفظ بالسماع لمطالبهم العادلة مهما بلغ شكلها فهم شريحة لا يستهان بها من شرائح مجتمعنا الفلسطيني ومطالبهم ليست مريخية.