22:02 pm 6 مايو 2021

الصوت العالي

كتب خالد الحروب: نقد الحاكم واجب .. ومدحه خطيئة

كتب خالد الحروب: نقد الحاكم واجب .. ومدحه خطيئة

رام الله – الشاهد| كتب خالد الحروب: قبل الديموقراطية الحديثة بخمسة عشر قرنا كان ثمة حوار عبقري بين حاكم وشعب، يرجو فيه الحاكم شعبه ان يقوموه إن رأوا فيه اعوجاجاً، فيرد الناس "لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا".

 

حدث هذا في قلب جزيرة العرب وحدث هذا وسط ناس وقبائل كانت ترضع الفروسية والمروءة والتمرد وترفض الانصياع للظلم. انحدر العرب والمسلمون كما نعرف من تلك الإلماعة التاريخية الكبرى، وظلوا ينحدرون الى ان وصلنا اللحظة الراهنة التي تأله فيها الحاكم وصار فوق أي نقد، وصار الناس فيها قطيعا من الخراف.

 

حيثما كان الناس جحافل من الاحرار، في أي بقعة على الأرض، فإن الاعوجاج والاستبداد ينحسران. وحيثما يتحولون الى قطعان عبيد تركع عند اقدام الحكام فإن اوطانهم هي اول ما يُستباح.

 

فلسطينيا، كلما انتقد أحدنا الرئيس محمود عباس ينبري في وجهه كثيرون يدافعون عنه بمسوغات عديدة. يُقال لنا ان الرئيس أفضل من منافسيه ومن قوى المعارضة السياسية التي تنازعه موقعه، او مواقعه العديدة.

 

انجازات وهمية

يُقال لنا ان الرئيس وقف في وجه صفقة القرن وصمد امام ضغوط كبيرة من دول عربية وغير عربية كانت تدفع به للموافقة على الصفقة، ويُقال لنا ان إنجازات الرئيس العديدة تفوق اخفاقاته وتستوجب الشكر والامتنان. ويُقال ويُقال الكثير!.

 

عربيا، نجد ذات الخطاب التبريري في كل حالة من حالات الحكام العرب. فالحاكم المعني هنا او هناك أفضل من معارضيه أيا ما كانوا، وهو هبة الله التي على الشعب ان يشكر لها ويحمد، والحاكم العتيد وقف في وجه التحديات التي يواجهها البلد رغم كل الصعوبات والضغوطات، وبطولاته تفرض على شعبه ليس فقط الطاعة والانصياع بل وجوب الامتنان الدائم.

 

في بيئة الاستبداد وثقافة الطغيان يتحول الحاكم او المسؤول الى اشباه آلهة. ترفعهم آليات القمع وآليات النفاق والمنافقين الى مرتبة ما فوق النقد. في العالم العربي اليوم (بما في ذلك فلسطين)، وفيما عدا حالات استثنائية قليلة، يتبختر الحكام والمسؤولون فوق ظهور شعوبهم، يحتمون بأجهزة الامن من الداخل وبدعم الأجنبي من الخارج، وبدعاية بطانات السوء التي تغني لهم قصائد مدح صباح مساء.

 

فن التطبيل

وأي قرار او سياسة او قول يأتي من الحاكم يصبح عين الحكمة، ويستوجب التطبيل الفوري له. من ينتقد الحاكم او المسؤول يُتهم بالمروق عن الوطن، ويُتهم بالعمالة للخارج، ويُسأل فورا "ماذا فعلت انت أصلا وبأي حق تنتقد؟".

 

وفي بيئات انتشار الرثاثة والاستبداد وثقافة الهزيمة والتبعية ولعق اقدام الحكام والمسؤولين يصير من الضروري التأكيد على بديهيات في السياسة العامة وتعريف موقع الحاكم وموقع الشعب وموقع المثقف:

 

وإذا فشل الحاكم او المسؤول في أداء وظيفته، عليه ان يتنحى او يُنحى. وإذا لم يحدث ذلك فإن عملية تقويض الوطن والشعب وكل شيء له علاقة بهما تستمر سنوات وربما عقود، والشواهد على هذه السيرورة كبيرة وعديدة ومريرة.

 

وهذا ما شهدناه عربيا في حقبة ما بعد الاستقلالات وعلى مدار عقود طويلة شائكة، وهذا ما شهدناه فلسطينيا على الأقل في الحقبة العباسية المُخجلة والمدمرة وبالغة البشاعة.