10:02 am 8 مايو 2021

الصوت العالي

كتب ياسر الزعاترة: كوادر فتح والموقف من عباس.. وموقف الآخرين أيضا

كتب ياسر الزعاترة: كوادر فتح والموقف من عباس.. وموقف الآخرين أيضا

رام الله – الشاهد| كتب ياسر الزعاترة: كثيرة هي الغرائب في سيرة حركة "فتح"، لكن ما استوقفني مؤخرا في أثناء التفكير في ما فعله ويفعله محمود عباس، هو المقارنة بينه وبين ياسر عرفات رحمه الله. كلاهما كان رئيس منظمة التحرير وحركة "فتح"، ثم رئيس السلطة في آن؛ حتى لو قيل إن المسافة الزمنية بينهما كبيرة، من حيث المدة التي عاشها عرفات زعيما، والمدة التي عاشها عباس.

 

الشق الذي استوقفني أكثر من سواه في المقارنة يتعلق بموقف الكوادر والقادة من عرفات، مقابل موقفهم من عباس. ففي حين واجه عرفات عددا من القادة الكبار من وزن (أبو جهاد، أبو إياد وسواهما)، لم يواجه عباس سوى دحلان وحده، الذي كانت القضية معه شخصية صِرفة لا صلة لها بأي قضايا سياسية.

 

واجه عرفات أكثر من تمرّد وانشقاق، لكن عباس لم يواجه شيئا من ذلك، وسيكون الأمر أكثر إثارة إذا تذكّرنا أن عرفات كان مؤسسا وقائدا لعقود، بينما لم يكن عباس قبل "أوسلو" شيئا مذكورا، ولم يعرفه الناس إلا عندما تمّ استخدامه من قبل الغرب في مواجهة عرفات.

 

ثم تم فرضه كرئيس للوزراء من أجل حصار رئيسه، لا سيما حين وقف ضد إجماع الشعب الفلسطيني حول انتفاضة الأقصى. ما يتبع هذا الجزء من المقارنة، يتعلق بسؤال السبب وراء ما ذكرنا.

 

هنا تنهض قضيتان؛ الأولى أن العدو الصهيوني كان دائما يعيد تشكيل هرمية الفصائل الفلسطينية من خلال الاغتيال والاعتقال، إذ كان يبادر إلى اغتيال أو اعتقال كل من كان يرى فيه تحدّيا قويا؛ بحسب الحالة.

 

وحين تم توقيع "أوسلو"، كان العدو قد أصاب حركة "فتح" في مقتل، باغتيال كل قادتها الكبار، ولذلك لم يواجه عرفات تحديا يُذكر بعد "أوسلو". وحتى عباس لا يمكن وضعه في سياق التحديات؛ لأن القوة التي حصل عليها كانت من عامل خارجي، فيما كان عناصر "فتح" يرددون بشأنه وصف عرفات بأنه "كرزاي فلسطين"، ولم يكن يحظى بأي تقدير شعبي أو حتى من داخل الحركة.

 

القضية الثانية تتعلق باتفاق "أوسلو" نفسه، الذي حوّل غالبية الكوادر إلى موظفين من الناحية العملية، وصار بالإمكان التحكّم بهم، لا سيما أنهم جميعا تحت الاحتلال، ومن يتمرّد منهم سيتكفل به العدو؛ إذا لم تعاقبه السلطة ذاتها، خلافا لما كان عليه الحال قبل ذلك، حيث كان المنشقون أو المتمرّدون يبحثون عن ملاذ آخر بعيدا عن سطوة القيادة، وقد يتم تشجيعهم من قبل جهات عربية؛ تبعا لحسابات ما.

 

من هنا، أصبح عباس قائدا لكل شيء، ومتحكّما بكل شيء، وحين يخضع كبار الحركة، فلن يكون بوسع الكوادر أن يفعلوا شيئا، وسيتصرفون بعقلية القبيلة التي تدافع عن شيخها بالحق والباطل، لا سيما أن هناك حركة أخرى منافسة لا بد من مواجهتها (حماس بطبيعة الحال).

 

الجزء الثاني الذي استوقفني في المقارنة بين عرفات وعباس، يتعلق بالنهاية أو الخاتمة بالتعبير المعروف.

 

فما واجهه عرفات من معارضة أو معارضات وصلت حد رفع السلاح في وجهه، وتورّطه تاليا في مستنقع "أوسلو"، ومعه سلطة مصمّمة لخدمة الاحتلال، ولها محددات عجيبة. كل ذلك لم يمنعه من التمرّد حين وصل الجدار المسدود في كامب ديفيد، صيف العام 2000.

 

وكان أن أيّد انتفاضة الأقصى، وصولا إلى حصاره في المقاطعة ومن ثم اغتياله، الأمر الذي دفع كثيرين من أشد خصومه، ونحن منهم إلى الترّحم عليه، بل ومساندته حين حاول دحلان الانقلاب عليه بقوة السلاح قبل ذلك.

 

في المقابل، وصل عباس إلى ما هو أكثر من الجدار المسدود، فما عُرض على عرفات في "كامب ديفيد"، لم يعد يُعرض عليه (كان الأمر في الأولى استدراجا بطبيعة الحال؛ لأن الصهاينة لم يلتزموا بأي اتفاق من قبل).

 

وما التهمه الاستيطان في عهد عباس مهول، وكذا التهويد، لكن الرجل لم يغادر مربّعه التقليدي في تقديم أفضل احتلال في التاريخ للغزاة؛ حتى حين كانوا يدكّون قطاع غزة من الجو في ثلاث حروب متتالية.

 

هذه الحالة العجيبة في مستوى بؤسها في التاريخ الفلسطيني (حالة عباس بطبيعة الحال)، لم تجد أي معارضة داخلية تذكر من داخل "فتح"، وقد ذكرنا السبب أعلاه ممثلا في وجود موظفين دونه، وليس ثوارا يمكن أن يتمرّدوا، وهنا ينهض السؤال، هل غياب هؤلاء يفرض حالة يأس شاملة؟!

 

ألا يمكن أن تنهض ظواهر شبابية من داخل الحركة ممن يحبّون فلسطين، وممن يشاهدون غطرسة الاحتلال، ويحتفلون بصمود المقدسيين؛ تقود حملة ضد عباس تطالبه من خلالها بالرحيل وترك الأمر برمته، وقضاء أيامه الأخيرة بعيدا عن القيادة، وحتى عن فلسطين، إذا أحب.

 

قد يقول قائل إن الرجل في آخر أيامه البيولوجية كما تشير المعلومات الطبية، ولا حاجة لشيء كهذا، لكن الحقيقة لذلك أهمية كبيرة؛ لأنه قد يفضي إلى خليفة من لون مختلف. أما ترك الرجل دون احتجاج وسط كل هذه العواصف التي تحيط بالقضية، ووسط كل العبث الذي مارسه ويمارسه، فسيعني أن الخليفة سيكون من ذات اللون، وسيواصل ذات المسار، الأمر سيكون خطيرا على "فتح"، وعلى القضية في آن.

 

الخلاصة؛ أن "فتح" وكل الشعب الفلسطيني، في حاجة لأن يصرخوا بصوت واحد "ارحل يا عباس"، ليس خوفا من دمار جديد يرتّبه عليها، مع أنه قد يفعل، بل من أجل المستقبل.

 

وعلى "حماس" و"الجهاد" وبقية الفصائل أن تغادر مربع المجاملة، وترفع ذات الشعار أيضا، بخاصة بعد مهزلة الانتخابات وتأجيلها (كتبت ضدها من الأصل)؛ إلى جانب موقفه الهزيل من هبّة المقدسيين التي ما تزال مشتعلة