10:18 am 22 مايو 2021

الصوت العالي

كتب هاني عرفات: شرق أوسط فلسطيني جديد

كتب هاني عرفات: شرق أوسط فلسطيني جديد

رام الله – الشاهد| كتب هاني عرفات: لم تكن غونداليزا رايس تعلم وهي ترسم ملامح الشرق الاوسط الجديد قبل عشرين عاماً، بأن شعباً يرزح تحت الاحتلال ، سيقلب الطاولة رأساً على عقب، ويخط ملامح شرق أوسطه الجديد.

 

كما لم يكن يعلم دونالد طرامب وصهره جاريد  كوشنير وصديقهما نتنياهو ، بأن كل ما فعلوه طوال أربعة أعوام، لإذلال الشعب الفلسطيني وتصفية قضيته وسلبه عاصمته الابدية، بأن هذا الشعب نفسه الرازح تحت الاحتلال ، سيمسح كل ما فعلوه خلال أسابيع معدودة. كوشنير قال يومها بزهو: هذا ما سأقدمه لكم ، عليكم أن تقبلوا به  وإلا فلن يكون لكم مكان تحت الشمس.

 

نتنياهو هو الآخر صال وجال ، جلب بعض زعماء العرب الى الحظيرة ، وعد الإسرائيليين بشرق أوسط مزدهر ، وسلام موهوم تحت زعامته ، وكثير من الاستثمارات ، ظن وأوهم مناصريه أنه قد تمكن أخيراً من رقبة الشعب الفلسطيني ، وأطلق الرصاصة الاخيرة على رأسه.

 

لكن الفلسطينيون كان لهم رأي آخر ، كانوا يخططون لبداية جديدة ، بعد أن كانوا الكرة السياسية، التي تقاذفها الخصوم، أصبحوا بين ليلة وضحايا يسيطرون على الملعب السياسي بأكمله ،صار العالم يدور في الفلك الفلسطيني ، وتولوا إدارة دفة الصراع بإقتدار، لأول مرة في تاريخ الصراع، ينتقل مركز الثقل بكامله نحو الفلسطينيين، أصبح مستقبل نتنياهو السياسي في مهب الريح .

 

الفلسطينيون لا يمتلكون ترسانة عسكرية يعتد بها ، لكن لديهم الارادة، القتلى والإصابات في الجانب الاسرائيلي محدودة ، في بداية التسعينيات كانت عملية واحدة كافية لأن توقع خسائر أكبر، لكن المختلف هذه المرة، هو أن يتحول شعب منقسم على نفسه ومنهك ، تخلى عنه الاشقاء والاصدقاء ، الى مارد جبار موحد ليس فقط في ضفته وغزته، إنما في الداخل الفلسطيني، قطعة واحدة متدحرجة ، مثل جلمود صخر حطه السيل من عل.

 

ثم امتدت ضربات الصواريخ لتشمل كل أنحاء فلسطين، هذه الصواريخ في الحقيقة ، كان مداها أبعد بكثير مما صرح عنه، ضربت أهداف بعيدة الاف الكيلومترات ، وصلت الى الصحراء العربية وهزت بعنف ودون رحمة ، كثير من القصور هناك، لقد ظن بعض زعماء الخليج ، أو أوهموا شعوبهم بأن إسرائيل القوية ، سوف تحميهم من الخطر الإيراني الداهم ، هذا برسم وعود نتنياهو، الذي تبين أنه غير قادر على حماية مؤخرته.

 

هذه الجولة ، ربما ستكون الجولة الاخيرة ، في هذا الصراع، ما لم يكن ممكناً قبل أسابيع فقط ، أصبح في متناول يد الفلسطيني، وما كان يبدو نصراً لنتنياهو وأصدقائه ، تحول الى كابوس رهيب.

 

الفلسطينيون لديهم الآن القدرة على إدارة المعركة باقتدار، لكن ذلك لا يمكن أن يتحقق، إلا بإدارتها تحت نيران هبة شعبية متواصلة، ومحسوبة بدقة متناهية. القيادة الفلسطينية اليوم لديها فرصة ذهبية في تصحيح عقود من الوهن والضعف، بعد أن كبلتها اتفاقيات أوسلو بالتزامات وضعتها في تعارض مع الأهداف الوطنية.

 

حركة فتح التي فجرت الثورة الفلسطينية المعاصرة، يجب أن تقول كلمتها اليوم، يجب أن تعيد توجيه البوصلة ، إذا أرادت أن تبقى ، لقد بات واضحاً لمن هم خلف أسوار المقاطعة في البيرة ، أن لا أحد خارج هذه الاسوار يريد أن يسمع ، نفس الاسطوانة المشروخة التي كانوا يستمعون لها على مدار العقود الثلاثة الاخيرة. ليس مطلوباً منهم أن يذهبوا الى الحرب، المطلوب فقط هو عدم إعاقة ثورة شعبهم، وهذا يتطلب تقديم مهلة للمجتمع الدولي، لا تتعدى الستة شهور، لتنفيذ المقررات الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية ، وإنهاء الاحتلال وعودة اللاجئين، ووقف سياسة التمييز العنصري ضد الفلسطينيين في الداخل.

 

أوسلو مات منذ أكثر من عشرين عاماً ، وهناك من لا يزال يرفض أن يتقبل العزاء به. بعد هذه المهلة ، وإذا لم تتحقق المطالب الفلسطينية ، لن يكون هناك مكان لتنسيق أمني ، هذا هو الشيء الوحيد الذي تبقى من أوسلو، كل ما عدا ذلك ، ألقت به اسرائيل في سلة المهملات منذ زمن بعيد.

 

الرئيس محمود عباس قبل حوالي عشرة أعوام ، قال في مقابلة تلفزيونية مع الاعلامية اللبنانية جيزيل خوري: إذا طلب مني الفلسطينيين الرحيل ، سوف أرحل، واضاف حتى لو تظاهر عشرة أشخاص ضدي خارج المقاطعة سوف أرحل. أعتقد أن هناك أكثر من هذا العدد موجود هناك في الخارج، لكن الاهم من الرحيل أو عدمه ، هو أن الناس يريدون إصلاحاً شاملاً ، واعادة بناء م ت ف على أسس جديدة ، تضمن الوحدة الوطنية ، وتمثيلاً مستحق لقوى المقاومة .

 

إذا ما تم ذلك فإنه سيفضي ليس فقط الى وضع نهاية للاحتلال، بل الى شرق أوسط فلسطيني جديد، ومستقبل مشرق ليس للشعب الفلسطيني وحده بل لكل شعوب المنطقة التواقة للحرية والاستقلال.