10:07 am 2 يونيو 2021

الصوت العالي

كتب هاني عرفات: بين حربين

كتب هاني عرفات: بين حربين

رام الله – الشاهد| كتب هاني عرفات: دولة الاحتلال غير مستعدة الآن لجولة جديدة من الحرب، بعد فشلها الاستخباري الذريع، الذي لم يمنحها إمكانية تركيع المقاومة، ستحتاج بعض الوقت لتقييم ما جرى ، والعمل على تحسين جهازها الاستخباري العسكري.

 

واعادة النظر من ناحية أخرى في سياساتها المتبعة سواء في الداخل الفلسطيني ، بعد الهبة العنيفة ، التي قام بها الفلسطينيون ، والتي حركت عظام هرتزل وبن غوريون و غولدامئير في قبورهم، بعد الفشل الذريع لكل حساباتهم التي أنشأوا وبنوا عليها دولتهم المنشودة .

 

أما هبة القدس والضفة الغربية عموماً، فقد خيبت آمال الصهاينة في تل أبيب و واشنطن وأوروبا أيضاً، ومعهم صهاينة العرب الجدد، فقد قلب الحظ لهم ظهر المجن، وبعد أن فسروا ضعف القيادة السياسية الفلسطينية، على أنه ضعف للفلسطينيين عموماً، فوجئوا بمارد فلسطيني مقاوم، غير آبه بحالة الإحباط، التي تسببت بها مفاوضات عبثية ، ولا بصفقة القرن وحفلات التتبيع ، الهبة كانت قوية وشاملة ، وشعبية.

 

وأهم ما تمخض عنها، أن كل السكاكين التي أشهرت في وجه الفلسطينيين شرقاً وغرباً، لم تستطع ولن تستطيع أن تفرض الاستسلام عليهم، إن رفض الاجيال الفلسطينية، جيلاً بعد جيل الاستسلام، رغم كل الرياح الاقليمية والدولية المعاكسة، يعني أن المشروع الصهيوني قد حكم عليه بالفشل مرة وللأبد، المسألة مسألة وقت ليس إلا.

 

بالمناسبة، الهبة الشعبية في القدس وسائر أنحاء فلسطين التاريخية، سبقت الاشتباك العسكري، ولم تكن نتيجة له، مع أن الاشتباك لاحقاً كان له أثر بالغ على رفع معنويات الفلسطينيين، مما يعني أن معركة اسرائيل مع شعب بأكمله، وليس كما يحاولون الادعاء، بأنها معركة مع حماس فقط، أو التهديد الصاروخي فقط.

 

المقاومة على الطرف الآخر، بحاجة الى معالجة آثار الحرب، خصوصاً على مستوى الكارثة الانسانية التي حلت في غزة، والوضع الاقتصادي الخانق بسبب الحصار المستمر، وزاده العدوان الأخير تعقيداً .

 

العدوان الذي شنته دولة الاحتلال على قطاع غزة، كان عبارة عن مجزرة ذهب ضحيتها مئات الأبرياء، مما يدل على فشل الآلة العسكرية في إنجاز أي انتصار عسكري، وفي هذه الحالة، تلجأ دولة الاحتلال كالعادة ، الى إيقاع اكبر قدر ممكن من الخسائر البشرية، والاقتصادية، لترفع من حالة التذمر، حتى هذه السياسة لم تفلح.

 

حتى الوثيقة المسربة ، التي تدعي أن وقف إطلاق النار تم بتوافق ما بين الطرفين ، ونصت على أنه يحق لكلا الطرفين ادعاء النصر، وأنه تم الاتفاق على فتح ميناء ومطار معتبر في قطاع غزة، وإقامة دولة فلسطينية من خلال التفاوض مع حركة حماس، وثيقة مزورة، لا أظن أن حماس أو حتى دولة الاحتلال ورائها، بشكل مباشر.

 

ومن يقف وراء وثيقة كهذه، يريد أن يوجه رسالة الى القيادة في رام الله بضرورة الإسراع بضبط الوضع في الضفة، حتى لا يسحب البساط من تحت  رجليها، وعلى ما يبدو أن ذلك فعل مفعوله.

 

فقط بنظرة بسيطة على الوسطاء السريين والعلنيين ، نستطيع أن نتوقع ما سينتج عن هذه الوساطات، ليس بالشيء الكثير للفلسطينيين، وفقط مزيداً من الوقت لدولة الاحتلال لإعادة ترتيب أمورها، وربما إقناع القيادة في رام الله للانخراط أكثر في جولات مفاوضات عبثية جديدة.

أسوأ استثمار للانتصار السياسي الفلسطيني ، القبول ببعض النظريات المادية، رهان أصحاب السلام التفاوضي طويل الأمد، كان دائماً تحسين ظروف معيشة السكان، وتحويل القضية الفلسطينية الى قضية عقارية وإنسانية، في الوقت الذي يتم استلاب الوطن كله.

 

هذه المرة يجب أن لا يكون هناك زي حديث عن مطالب جزئية، السقف السياسي يجب أن  يرتفع، المطلب هو إنهاء الاحتلال وفوراً، مساواة كاملة للفلسطينيين في الداخل. ولإظهار حسن النية في هذا الخصوص، على الادارة الاميركية واوروبا الاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية، وإطلاق  سراح المعتقلين، و وقف الاستيطان .

 

طبعاً لن يفعلوا هذا الآن، ولكن التمترس خلف هذه المطالب، سوف ينقل الحالة الفلسطينية، الى مرحلة أخرى أكثر تقدماً، ويعطي طاقة جديدة للشباب المنتفض.

 

الوقت لا يعمل الآن لصالح دولة الاحتلال، هناك تصاعد في التأييد الشعبي العالمي للقضية الفلسطينية، في تل أبيب يحسبون ألف حساب للمتغيرات في العالم، صحيح أن الحكومات ما زالت على مواقفها، لكنهم يعلمون أن هذه المتغيرات الشعبية، سرعان ما سوف تنعكس على طبيعة الحكومات القادمة.

 

لكن هذا يشترط أولاً وقبل كل شيء، تماسك الموقف السياسي الفلسطيني، وعدم تضييع الفرصة، في السعي لمكاسب هامشية، وضوح المعادلة القائمة على الأرض بين شعب محتل، ودولة احتلال وتمييز عنصري، شرط ضروري لتعاظم التأييد الشعبي العالمي للقضية الفلسطينية.

 

هل سيكون هناك معركة قادمة؟ أظن ذلك، لأن الوقت الحالي غير مهيأ بعد لحل سياسي مقبول. السؤال الحقيقي سيكون حول اتساعها وشموليتها. وفي نفس الوقت هل يستطيع الفلسطينيون ، تطوير وضعهم السياسي حتى ذلك الحين ، هذا هو السؤال المهم.