08:40 am 22 سبتمبر 2021

الصوت العالي

كتبت هند شريدة: فاكهة الصّبر

كتبت هند شريدة: فاكهة الصّبر

رام الله – الشاهد| كتبت هند شريدة: دعونا نتفق بداية أن انتزاع أقمارنا الستة حريتهم هو حدث استثنائي وبطولي عظيم. قد يتكرر فِعْلاً ثورياً مرة ثانية وثالثة ورابعة، لكن، لن يستطيع أعظم روائي خطّ القصة بهذه الدهشة، بنقاء أبطالها ورومانسية أحداثها! ببساطة شديدة: هذه أجمل حكاية "فيري تيل “fairy tale- أصيلة عرفتها منذ زمن.

 

ثلاث حالات فرح جمْعية عاشها الشعب الفلسطيني بحواس متّقدة، وكامل جوارحه منذ بداية 2021: يوم تفجّرت قلوبنا ابتهاجا بتحرر الأسير مجد بربر في 29 من آذار، بعد عشرين عاما من الغياب القسري. كم بكينا أمام مشهد عروسه "فاطمة"، وهي تركض صوبه في ثوبها الأبيض مع ولديهما منتصر وزينة، ومعانقتهما لبعضهما باشتياق منقرض.

 

وكان الحدث الثاني يوم توحدت فلسطيننا بالإضراب العظيم، من رأس الناقورة وحتى أم الرشراش، في 18 من أيار بعد عدوان الكيان على غزة، وكيف استطاع الفلسطيني بوعيه صهر الكانتونات والعوازل التي صنعها المحتل في مناطق مختلفة، بعد أن شهدت البلاد برمّتها بوتقة الحرب، وكيف أعدنا مؤشر البوصلة لملف الاستيطان، قارعين ناقوس الإنذار نحو الخطر المدلهم في تهويد القدس وحيّ الشيخ جراح وبلدة سلوان.

وتبع ذلك، الزلزال الذي هزّ "أمن الكيان" وانشقت على إثره أرض الوطن، قاذفة من جوفها ستّ حمم بركانية في السادس من أيلول، مشكّلة بذلك حدثاً مفصلياً سنعلّقه بفخر على جدران قلوبنا، وسيظل علامة دامغة محفورة عميقاً في كاتدرائية وجداننا.

 

وقد حدث بين المناسبات الثمينة أعلاه؛ حقائق متفرقة، ندور في فلكها على الدوام، تمتد بين مقارعة الاحتلال من جهة، والسلطة التي باتت تلعب دورا بعيدا عن الوطنية، وتقمع أهلها وناسها من جهة أخرى.

 

وبين مرارة البَيْنَيْن؛ بتنا نعيش في كنف قيادة قميئة، أنتجت لنا الذل والرأس المطأطئ التي لا تقوى على النهوض، سلطة عيّشت شعبها بين (قد) و(إذا) وحفنة من الجُمَل الشّرطية، تذر الرماد في العيون بالتمني و(يا ليت) الوردية الحالمة.

وتحاول تدجين المواطن بجُمَل فحواها: "نحن لا نقدر، مكبّلون ولا نستطيع"، مروّجة لـِ"إنجازاتها" التنسيقية مع المحتل بـِ"أقصى ما يمكن تحصيله"، لا بل وتسمّي ما آلت إليه صموداً ومواجهة تحدٍّ دامية، غير أنها في الحقيقة حفنة من الامتيازات والمكافآت المتأتية من المحتل عن طريق سلسلة انبطاحات متوالية، أكبرها خدمة (VIP) وتسهيل سفريات عبر مطارات الاحتلال.

 

وأنكى ما في الأمر شرعنة السلطة لذاتها، رغم فقدانها الأهلية القانونية واستبدادها المتطرف، خالقة بذات الحال قطبين من الموالين للشرعية، و"الآخرين" المعارضين لها والخارجين عن صفوفها.

 

بعد السادس من أيلول، أصبحنا فجأة بخير، وكل شيء واضح. لم نعد تلك الهياكل المتحركة التي تمارس رتابة جماعية متكررة كل يوم، ولم نعد أجراماً منطفئة تسبح تائهة في الفضاءات.

 

قد ضبطنا حزننا الجارف الذي لطالما تملّكنا، وصرنا على استعداد لحتّ الصواعد والنوازل المتكلسّة في كهوف ذواتنا لصناعة الحرية. على حين حُفرة، أصبح كل شيء يعنينا، وكل شي ممكناً.

لقد عَمِلَ العنف الثوري على ترطيب الرمل وجعله صلصالاً، كما ليّنت الإرادة الصلبة الصخر، وأذابت حممنا النارية في نهاية المطاف أعوادَ العوسج الجافة التي تعيق الوصول الى الحرية، فصرنا نريد أن نحيا ونحن بألف خير، في وطن التكامل، بصحة وعافية.

 

كسر الأسرى المحررون المستحيل، وأصبحت قلوبنا تنبض بالحرية والجرأة، ورؤوسنا عالية، وعشنا معهم رحلة نقبّل فيها رؤوس الأطفال، ونجوب بساتين مرج ابن عامر، ليس في مخيالنا الذهني فحسب، وإنما حقيقة، ونأكل من ثمار أشجارها وصبّارها، ونلعق زيتها الحارق مستبقين بدء موسم القطاف.

 

ببساطة، انتزاع ستة أبطال حريتهم، أنهى بدوره كل الحجج الواهية التي تصف المستحيل، وأعلمونا بأن الحَفْر ممكن، وأن السجن المنيع ادعاء لمن يريد تصديق ذلك، وأن كل حصانة هي محض هراء.

قد يكون السجن محض هراء، والقضبان محض هراء، وادعاء القلاع الحصينة هراء بهراء، والأبراج وكشّافاتها محض هراء، والكلاب البوليسية ومقتفو الأثر محض هراء، ولكن أهم ما حدث بعد السادس من أيلول، أن منسوب الايمان لدى الشعب قد زاد أضعافاً.

وسيسعى بدوره لتصفية أوسلو وجعلها محض هراء، ولمحاسبة المتنفذين والمنسّقين، ومن يعتمدون مبدأ الزبائنية في توزيع موارد الوطن كأنه مزرعتهم الخاصة؛ لأن هؤلاء سيصبحون لبّ الهراء. وحده فِعل - محمود ويعقوب ومحمد وزكريا وأيهم ومناضل- حقيقية محضة فقط.