09:03 am 25 سبتمبر 2018

الصوت العالي

خطاب الرئيس: وعود متواضعة وتوقعات أقل

خطاب الرئيس: وعود متواضعة وتوقعات أقل
كتب هاني المصري


وسط وعود متواضعة، وتوقعات أقل، سيلقي الرئيس محمود عباس خطابه السنوي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعينه الأولى صوب ضرورة المضي في الموقف الشجاع الرافض لصفقة ترامب. أما العين الأخرى فتخشى من مواصلة هذا الرفض، وتبحث عن سلم للنزول عن الشجرة، الأمر الذي جعل إمكانية عقد لقاء قمة بين عباس وترامب مطروحة، ما سيفتح الباب لمزيد من التدهور في الوضع الفلسطيني.


أعلن الرئيس أن سيدعو المجلس المركزي للمنظمة – فور عودته - للانعقاد لاتخاذ القرارات المطلوبة، مع أنه من المفترض أن القرارات المطلوبة اتخذت في معظمها في اجتماعات المجلسين المركزي والوطني السابقة، وتعاني من ظاهرة الإحالة من مؤسسة إلى أخرى، منذ أعوام عدة، ما يعكس سياسة انتظارية لا تريد البناء على الرفض لصفقة ترامب وتوفير متطلبات إحباطها، لأنها لا تريد مغادرة الرهان على أوسلو وما سميت "عملية السلام"، كما يظهر في تصريحات الرئيس الأخيرة، خصوصًا بعد لقائه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي المبادرة التي طرحها أمام مجلس الأمن في شباط الماضي ومن المتوقع أن يؤكد عليها من جديد.


لا يمكن الجمع طويلًا بين الشتاء والصيف على سطح واحد، فلا بد من الاختيار ما بين مغادرة النهج الذي أوصلنا إلى الكارثة التي نعيشها، أو الاستمرار في أوسلو ضمن سقف يهبط باستمرار.


لا أحد يصدق أن هناك مؤسسة جماعية فلسطينية قادرة على اتخاذ القرارات المطلوبة أو تنفيذ القرارات المتخذة، لأن مسيرة تهميش مؤسسات المنظمة مستمرة، وتتعمق كما ظهر في عقد المجلسين الوطني والمركزي، في ظل مقاطعة واسعة، الأمر الذي أدى إلى تحويل المنظمة إلى فريق، ما أضعف شرعيتها بوصفها ممثلًا شرعيًا وحيدًا للشعب الفلسطيني.


لا شك أن الرئيس والقوى الفلسطينية على اختلافها في مأزق شامل - مع الاختلاف في المسؤولية عنه وفقًا للإمكانيات والصلاحيات والشرعية - في ظل تعمق الاحتلال، وتقطيع الأوصال، وحصار غزة، وتزايد احتمالات تحول الانقسام إلى انفصال ما بين الضفة والقطاع، وتوسع الاستيطان بمعدلات كبيرة جدًا، وسط تزايد التأييد في إسرائيل لإقامة "إسرائيل الكبرى".


ويعمق من المأزق الحالي ما يدور فلسطينيًا حول "صفقة ترامب": تارة بأنها تنفذ على الأرض ولا تنتظر طرحها بصورة رسمية، لدرجة دفعت صائب عريقات إلى الاعتراف بأنها نُفِّذت بنسبة 70%؛ وتارة أخرى الحديث على لسان قيادات مختلفة عن فشلها جراء الرفض الفلسطيني لها، إلى حد زعم البعض بأنها ولدت ميتة؛ وتارة ثالثة الإيحاء بإمكانية التفاوض حولها لتعديلها.
ويتعمق المأزق أكثر بردة الفعل الباهتة على إقرار "قانون القومية" العنصري، الذي ينذر بتكريس وشرعنة كل الإجراءات والسياسات والقوانين العنصرية التي نفذتها إسرائيل منذ تأسيسها وحتى الآن، وتؤسس لمرحلة جديدة أكثر خطورة، تنتقل فيها إسرائيل من إدارة الصراع إلى السعي لحله بما يحقق شروطها ومصالحها وأهدافها، من دون الاستجابة حتى للحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.


"لقد ذهبت السكرة وأتت الفكرة"، فلم يهدد الناطقون باسم الرئيس بأنه سيلقي خطابًا ناريًا يزلزل الشرق الأوسط، أو سيفجر قنبلة في الأمم المتحدة، لا من حيث اللهجة أو المضمون، مثلما فعلوا عشية خطابات سابقة، أي لن يصعّد ضد الإدارة الأميركية، بل سيهدئ الوضع كما أخبر اللجنة التنفيذية، لأن هناك حاجة للتهدئة مع إدارة ترامب، في محاولة لتجنب مواصلة وتصعيد حربها الشعواء ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه ومؤسساته وقواه رغم الخلافات ما بينها وقيادته.


كما سيواصل التهدئة مع إسرائيل، لأنه "لا يستطيع فتح جبهتين مع أميركا وإسرائيل في نفس الوقت"، مع أن الجبهتين كانتا دائمًا وهما الآن أكثر من أي وقت مضى جبهة واحدة.


والأخطر أن هناك من يهمس في أذن الرئيس بأن عليه الآن الذهاب أكثر من تهدئة الأمور مع إدارة ترامب باتجاه استئناف العلاقات السياسية معها، أسوة بالعلاقات الأمنية التي لم تنقطع، لأنها لم تطرح الصفقة حتى الآن، وربما تطرح صفقة قابلة للتفاوض، ولأنها فعلت أقصى ما تستطيعه ضد الفلسطينيين ولن تفعل أكثر، وأنها كما قال ترامب بعظمة لسانه ستنتقل للضغط على إسرائيل التي يتوجب عليها أن تدفع ثمنًا كبيرًا.


ويروج هؤلاء ما رددوه عند انتخاب ترامب بأنه يجب رؤية نصف الكأس الملآن، وأن ترامب أتى من خارج النظام السياسي التقليدي وليس بحاجة إلى تمويل حملاته الانتخابية، وبما أنه لا يمكن توقع تصرفاته كما حصل مع كوريا الشمالية وزعيمها، فيمكن أن ينتقل للضغط على إسرائيل.


ويتعلق هؤلاء بحبال الأوهام وينفخون بأقوال ترامب ووزارة خارجيته حول أنه لم يحدد حدود القدس، وترك مسألة التفاوض حولها وغيرها من القضايا للجانبين، متجاهلين ما قام به فعلًا، وهو كثير، ما يدل على أنه رمى بثقله كله لتطبيق الحل الإسرائيلي وليس التوصل إلى حل متفق عليه.



رابط مختصر