20:51 pm 25 ديسمبر 2021

الصوت العالي

كتب محمد الخضر: انتهاك الدستور بادعاء حمايته

كتب محمد الخضر: انتهاك الدستور بادعاء حمايته

رام الله – الشاهد| كتب الباحث في القانون الدستوري/ محمد الخضر: أصدرت المحكمة الدستورية العليا القرار رقم (10) لسنة 2021 بتاريخ 30 تشرين ثاني 2021. وكلما ذكر اسم هذه المحكمة أمامك، أو قرأت ما صدر عنها، تساءلت مثلي، هل لها من اسمها من نصيب، هل هي حقا دستورية؟ وهل هي حقا عليا؟.

 

المهم، صدر، قرار جديد عنها وهو ينصب على شل محكمة النقض/الإدارية العليا التي تم تشكيلها استنادا إلى القرار بقانون رقم (41) لسنة 2020، وبالمناسبة، هذا القرار بقانون أحد ثلاثة قرارات بقوانين مشهود بعدم دستوريتها، حيث علق المحامون العمل أمام المحاكم لأكثر من شهر بسببها، وبنتيجة ذلك تم الاقرار رسميا بوجود ما يعيبها.

 

وتم تشكيل لجنة لفحص هذه العيوب، علما انها مليئة بالعيوب الدستورية والقانونية، وتم بيان ذلك وتفصيله في عديد من البيانات والأوراق والمواقف واللقاءات، لكن ليس من عيوبها ما وجدته المحكمة الدستورية العليمة، وهو (الحكم الانتقالي) الفقرة (3) من المادة (54) بشأن المحاكم الإدارية، الذي انصب عليه غضب وسخط وعلم ودراية المحكمة الدستورية العليا الموقرة.

 

هذا القرار لا يشل فقط المحكمة الإدارية العليا، بل أيضا يشل القرارات الصادرة عنها، ولا شك أن من بين هذه القرارات، القرار (9) رقم لسنة 2021 الذي صدر بتاريخ 17 تشرين الثاني 2021، أي قبل صدور قرار الدستورية ب 13 يوما!! بموجب قرار المحكمة الإدارية العليا، الذي يبدو أنه أثار حفيظة المحكمة الدستورية.

تم إلغاء قرار رئيس المحكمة الدستورية بفصل موظفة المحكمة، أ. دعاء المصري، بسبب مخالفته للدستور والقانون، وبسبب افتئات رئيس المحكمة على حقوق موظفتي المحكمة الدستورية (مروة فرح ودعاء المصري)، وفقا لمضمون القرار المشار إليه، وأيضا على حق المجتمع في ملاحقة الفاسدين والعيش في بيئة خالية من الفساد، عندما قام بملاحقة موظفتي المحكمة المبلغتين وفصلهما من وظيفتهما.

 

يتضمن القرار الصادر عن المحكمة الإدارية العليا ما يفيد بمخالفة رئيس المحكمة الدستورية، لقرار الحماية الصادر عن هيئة مكافحة الفساد، رغم تبليغه به حسب الأصول، وخلصت المحكمة الإدارية العليا في قرارها إلى التأكيد على سوء استخدام (رئيس الدستورية) السلطة والانحراف باستخدامها، علما أن إساءة استعمال السلطة يعتبر في حد ذاته جريمة فساد وفقا للقانون.

 

كما هو حال معظم القرارات السابقة التي صدرت عن المحكمة الدستورية العليا الموقرة، لا يقلق هذه المحكمة كثيرا صحة شروط وإجراءات اتصالها في الدعوى، رغم كونها متطلبا اساسيا لوجود اختصاصها، وفي حال تخلفها، ينحدر ما يصدر عنها إلى الانعدام، فيغدو عملا ماديا لا يرتب أثرا.

 

في الدعوى الحالية ناقشت المحكمة موضوع المصلحة عرضا، وكما عادتها، ولأسباب كثيرة، ليس من بينها صحيح القانون، اعتبرت المحكمة الموقرة هذه المصلحة موجودة، مع أن أي عارف بالقانون يدرك أن هناك شروطا للمصلحة أهمها أن تكون مباشرة، ومحققة أو قريبة الاحتمال، وحتى تكون مباشرة يجب أن تنصب على حق موضوعي مباشرة ولا يكفي أن تنصب على حق إجرائي، وهو وفقا للمحكمة، حق الطعن على درجتين.

 

وإذا تجاوزنا عن عدم وجود مصلحة مباشرة، فعلى الأقل يجب أن تكون المصلحة غير المباشرة، وهنا الحق الإجرائي وفقا للمحكمة، في حال وجوده أساسا، يجعل الحق الموضوعي محققا أو حتى قريب الاحتمال. وهو ما لم تبذل المحكمة الموقرة عناء في توضيحه لنا، وكيف تحققت منه؟! وكيف توصلت إلى أن منح الشركة الطاعنة حق التقاضي على درجتين يجعل حقها الموضوعي محققا أو قريب الاحتمال؟!.

 

وكيف توصلت إلى أن نتيجة الدعوى المحتملة (الطعن الثاني الذي ستتقدم به الشركة) ستكون في صالحها؟ وكيف وازنت بين هذا الحق المدعى به؟! وهو التقاضي على درجتين، وبين المصالح الأخرى المباشرة والمحققة للآخرين، بصورة مراكز قانونية مستقرة وحقوق مكتسبة وأحكام نهائية قطعية وحقوق دستورية، جميعها تحول دون إعادة مراجعتها بأثر رجعي، على خلاف أبسط قواعد ومبادئ دولة القانون.

 

وإذا انتقلنا إلى الناحية الموضوعية، يتبنى القرار عدم دستورية الفقرة (3) من المادة (54) من القرار بقانون بشأن المحاكم الإدارية المتضمنة حكما انتقاليا، وهذا الحكم الانتقالي، في الحالة التشريعية المزرية القائمة حاليا لا بد منه لسببين.

 

الأول تمرير قرارات بقانون منتصف الليل، دون نقاشها أو إخضاعها لأي فحص أو مراجعة قبل إصدارها، بل المفاجأة فيها وفقا لنظرية المباغتة، وثانيا، حتى يكون هناك إمكانية في تعامل النصوص المفاجئة مع واقع لا ينسجم معها، وفي حالة الحكم الانتقالي الحالي، ولأنه لا يوجد هيئات ولا محاكم إدارية على درجتين، فكيف سيتم تطبيق أحكام تنظم هذه المسائل، ولا يوجد جهات أو أجسام تقوم على تطبيقها.

 

وعودة إلى مضمون هذا الحكم الفذ، فهو يبني نظرية عدم الدستورية على مبدأين لا ثالث لهما، الأول مبدأ المساواة، والثاني التقاضي على درجتين.

 

المساواة، رغم محاولة قرار المحكمة، العبث بهذا المبدأ السامي و إلصاقه في تبرير عدم الدستورية، لكن هذه المحاولة لم تخل من سطحية وفذلكة وقصر علم وقلة دراية، فالتمييز له شروط حتى يتحقق، أهمها وأبرزها، أن يُعامل النص القانوني الحالات المتشابهة بصورة مختلفة، وأن يُعامل الحالات المختلفة بصورة متشابهة، بمعنى أن الحالات التي تتشابه ظروفها وأحوالها وعناصرها تأخذ ذات الحكم.

 

وأما الحالات التي لا تتشابه فيجب أن تأخذ حكما مختلفا، في الحالة الماثلة أماكم المحكمة الموقرة، لا يمكن القول أن نصا يضع حكما انتقاليا يتعلق بقضايا سيتم رفعها أمام المحاكم قبل تشكيل المحكمة الإدارية العليا ووجودها الواقعي، بأن هذا النص ينال من مبدأ المساواة.

 

فما هي الحالات المتشابهة التي تم معاملتها بصورة تمييزية؟! وأين هي الخلفيات التي تم التمييز على أساسها‪، مثل التمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو الرأي السياسي أو الإعاقة؟! فهل تنتمي الشركة الطاعنة، إلى أي من الفئات التي يتم التمييز ضدها للأسباب الواردة في الدستور، أو ما يماثلها من الأسباب؟.

 

طبعا، لم تجب المحكمة في قرارها، ولا يمكن لها تجيب على ذلك، رغم ما تحاول الادعاء به في قراراتها بما يتوفر لها من علم ودراية! إضافة إلى ما هو متداول بخصوص ما تتمتع به من نزاهة وحياد واستقلال! ولا داعي لتذكيرنا جميعا بأنها سبق لها أن أخضعت مبدأ المساواة بين الأفراد الوارد في الدستور والاتفاقيات الدولية إلى ما أسمته الهوية الوطنية والثقافية والدينية، وهذا هو التمييز بعينه، والتنكر لمبدأ المساواة بأبها تجلياته.

 

الحق في التقاضي على درجتين، ببساطة، لا يوجد حق دستوري في التقاضي على درجتين، ورغم محاولة المحكمة الموقرة الاستناد إلى المادة (30) من القانون الأساسي التي تتناول الحق في التقاضي، لكنها عجزت وستعجز عن إيراد أو الإشارة إلى أي نص في القانون الأساسي يتعلق بالحق في التقاضي على درجتين.

 

وإذا هي اخترعته من عندها واستنادا لعلمها ودرايتها وسعة اطلاعها، فلماذا لا تطبقه على التقاضي أمامها؟ ولماذا استثنت التقاضي أمامها من هذا الحق الدستوري العتيد؟ لأنه استنادا لمبدأ المساواة الذي تفقهه المحكمة الموقرة، تعتبر الأحكام الصادرة عنها مشلولة لأن قانونها ذاته.

 

لا يحترم مبدأها في التقاضي على درجيتين، ولا داعي أيضا للإشارة إلى أن هذه الأحكام، إضافة إلى أنها لا تحترم، بين قوسين، المبدأ الدستوري، في التقاضي على درجتين، جميعنا يعلم أنها، في غالبها، لا تحترم الدستور ولا القسم الذي جرى على احترامه، وليس أدل على ذلك، الحكم الشهير الصادر عنها، دون وجود أدنى اختصاص، بإلغاء سلطة من سلطات الدولة (المجلس التشريعي) واجتثاثها من جذورها، كصورة من صور الوفاء للدستور ولمسيرة بناء مؤسسات الدولة.

 

بالتأكيد لا تَعتبر مؤسسات حقوق الانسان، ولا تلك العاملة في مجال محاربة الفساد، أن هذا القرار يتعلق بأي صورة من الصور بمبدأ سيادة القانون وحقوق الإنسان، ولا يتعلق أيضا بالفساد واستمرار الانتقام من المبلغين عنه.

والمتتبع لتلك المؤسسات، يجدها، إما أنها تلوذ بالصمت المريع، باعتباره اجدى صور السلامة في تجارة محاربة الفساد وسيادة القانون وحقوق الإنسان، أو أنها تتباكى على حقوق الناس، وهذا ليس دفاعا عنهم أو تبنيا لحقوقهم، وإنما لتحقيق منافع إضافية، إما سلطوية، أو تمويلية أو استخذائية من خلال استجداء إصدار قرارات بقانون.

 

كأن هذه الحالة نشأت شاذة عن واحة الديمقراطية والفصل بين السلطات التي يعيشون فيها، ولم تنشأ بسبب القرارات بقانون التي يستجدونها في كل مناسبة. هذا القرار هو حالة مثالية لاستمرار بلدوزر الفساد وانتهاك حقوق الإنسان في طحن ما يقف في وجهه.

 

ولا يسعنا إلا إعادة التأكيد، على ضرورة إلغاء المحكمة الدستورية، وفتح تحقيق في كيفية صدور مثل هذه القرارات، وأدوار الجهات المختلفة ومصالحها فيها، وإعلان هذه الحقيقة للجمهور، بما يساعد في تطبيق أحكام المادة (32) من القانون الأساسي، علما أن الانتهاكات التي تنشأ عن هذه القرارات، كما هو حال جرائم الفساد، لا تسقط الدعوى المدنية ولا الجزائية الناشئة عنها بالتقادم.