18:08 pm 11 يناير 2022

أهم الأخبار الأخبار

هاني المصري: السلطة متمسكة بوهم السلام الذي يشرعن الاحتلال

هاني المصري: السلطة متمسكة بوهم السلام الذي يشرعن الاحتلال


الضفة الغربية – الشاهد| انتقد الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري استمرار السلطة وحركة فتح في وهم السلام رغم كل السنوات التي تجرعها الفلسطينيون وأثبتت فشل نهجها، لتدخل مرحلة جديدة من الوهم المسمى بالسلام الاقتصادي. 

وقال المصري في مقال له الثلاثاء، إن السلطة مرت بثلاث مراحل بدأت عندما كانت هناك عملية سياسية والتزامات متبادلة رغم الخروقات الواسعة التي قامت بها الحكومات الإسرائيلية، واستمرت حتى استشهاد ياسر عرفات.

أما المرحلة الثانية فاستمرت حتى العام 2010، وبحد أقصى العام 2014، وفيها نفذت السلطة التزاماتها من جانب واحد بلا عملية سياسية.

وأما المرحلة الثالثة فتبلورت هذا العام بشكل جلي، وتتميز بالتعامل مع السلام الاقتصادي مع استمرار المطالبة بالمسار السياسي، ذلك لتجديد شرعية السلطة التي تآكلت بسبب فشل مشروعها السياسي، وعدم الاحتكام إلى الشعب، وبؤس النموذج الذي قدمته في الحكم.

وشدد المصري على أن التجارب الماضية خلال العقود الماضية والحالية خلال العام المنصرم أثبتت أن التنازلات المجانية تقود إلى المزيد من التنازلات المجانية، وأن التعاطي مع السلام الاقتصادي سيجعله بديلًا من المسار السياسي، وسيعطي شرعية للاحتلال، ولن يجعل الإدارة الأميركية وأوروبا والمجتمع الدولي والدول العربية بوارد الضغط من أجله، فلن يكونوا ملكيين أكثر من الملك الفلسطيني، مع أنهم إذا أردنا الحقيقة إما زينوا له سلوك هذا الطريق بحجة ليس بالإمكان أبدع مما كان، أو التزموا صمت القبور.

وأضاف، عندما يقرأ أي إنسان خطة لابيد إزاء قطاع غزة التي يستغرق تطبيقها سنوات عدة، وعنوانها اقتصاد مقابل تهدئة، ويرى أن في "إسرائيل" اليوم أكثر من 90 عضو كنيست يدعمون خطة السلام الاقتصادي، وأن من سيخلف الحكومة الحالية حكومة متطرفة مثلها، إن لم تكن أكثر تطرفًا؛ يدرك أن التعاطي مع السلام الاقتصادي يفتح طريق تنفيذ الحل الإسرائيلي ولا يفتح طريق السلام.

واكد المصري أنه إذا توفر الوعي والإرادة هناك دائمًا بديل مهما كان الوضع صعبًا، وبالفعل هناك أفكار يمكن أن تشكل أساسًا لبديل واقعي.

وهم المفاوضات

وأشار المصري إلى أن السلطة تصورت أن المفاوضات من أجل حل الدولتين ستستأنف، من دون الوهم القديم بإمكانية تحقيقها، وأن القنصلية الأميركية في القدس ستفتح، وكذلك مكتب منظمة التحرير في واشنطن، لتفاجأ بأن شيئًا من هذا لم يحدث، رغم إعادة تشكيل الحكومة الإسرائيلية بمشاركة حزب "أزرق أبيض"، ورغم سقوط حكومة نتنياهو فيما بعد، لتجد السلطة أمامها جدار سميك وعالٍ جدًا يتمثل في رفض حكومة "نفتالي بينيت" أي مفاوضات سياسية على أساس رفض قيام الدولة الفلسطينية، مع تقبل أميركي، لأن إدارة بايدن مشغولة بملفات أخرى داخلية وخارجية، ولأنها ليست بوارد الضغط على الحكومة الإسرائيلية خشية من سقوطها وعودة نتنياهو، ولعدم وجود ضغط فلسطيني وعربي ودولي يجبرها على خلاف ذلك.

ويتابع:"لقد اتفقت إدارة بايدن مع حكومة بينيت على أن أقصى ما يمكن عمله خطوات بناء ثقة مقابل التعاون والتنسيق الأمني، وتوهمت السلطة في البداية بقبولها بهذه الخطة بأنها المرحلة الأولى التي تمهد لاستئناف المفاوضات بعد تولي يائير لابيد رئاسة الحكومة الإسرائيلية، الذي أعلن مؤخرًا أنه لن يستأنف المفاوضات عند توليه سدة الحكم، ما جعل السلطة عارية وليس أمامها سوى إما التراجع وتبني خيار آخر عن الذي سارت به وتتوغل به باستمرار، أو القبول بالسلام الاقتصادي مع استمرار مطالبتها باستئناف المسار السياسي إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فقبول شيء أحسن من لا شيء".

تنازلات كبرى

ويوضح المصري أن القيادة الفلسطينية قدمت جراء الأوهام بإمكانية التسوية تنازلات كبرى منذ البداية من دون الحصول على مكاسب توازيها، في ظل وهم آخر أن العملية مستمرة، وأن "إسرائيل" والولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي بحاجة إلى قيام دولة فلسطينية تكون جسرًا للتطبيع الإسرائيلي مع العرب لإقامة الشرق الأوسط الجديد الذي دعا إليه شمعون بيريز.

وبين أن القيادة الفلسطينية المتنفذة قدمت التنازلات وراء التنازلات بوهم أنها ستقود إلى تحقيق ما لم يتحقق في البداية من اعتراف بالحقوق الفلسطينية، وهذا منطق مقلوب، لأنك إذا لم تحصل على ما تريد في نفس الوقت الذي تعطي عدوك ما يريد ستفتح شهيته للتنكر لوعوده والتزاماته، وللمطالبة بالمزيد من التنازلات، وهذا ما حصل فعلًا.

الحل الإسرائيلي

وقال المصري إنه يمكن تفسير ما حدث بخصوص مسار التسوية السياسية بعدما جاء بنيامين نتنياهو بعد إسحاق رابين، إذ كان هدفه الرئيسي - الذي اتفق عليه مع المحافظين الجدد - القضاء على أوسلو الذي عارضه منذ البداية، والحصول على تنازلات جديدة من الفلسطينيين، واستكمال خلق واقع يجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن.

وأضاف، وعندما تولى أيهود باراك رئاسة الحكومة الإسرائيلية رفض - رغم أنه ينتمي إلى حزب العمل - تنفيذ التزامات إسرائيل في أوسلو، خصوصًا النبضة الثالثة، بحجة أن على الفلسطينيين أن يعطوا مقابل ما يأخذونه، وكأنهم لم يعطوا الكثير الكثير، لذلك أصر على الربط ما بين استحقاقات المرحلة الانتقالية والنهائية، وأقنع الرئيس بيل كلينتون بالدعوة لقمة كامب ديفيد في العام 2000، مع ترويجه بأن هدفه منها التوصل إلى اتفاق نهائي يحقق سلامًا تاريخيًا، في حين تبين أنه كان يريد إزالة القناع عن الرئيس ياسر عرفات ويظهره على حقيقته بوصفه "إرهابيًا" و"عدوًا للسلام".

وتابع: "وحمّل كلينتون عرفات المسؤولية عن فشل القمة التي لم يكن متحمسًا لها، رغم وعده بعدم فعل ذلك بقوله: "باراك أعطى أكثر، عرفات أعطى أقل"، لذلك فشلت القمة، ما فتح الطريق للعدوان العسكري الإسرائيلي لإجبار ياسر عرفات لقبول ما رفضه أو الرحيل، وأدى كل ذلك إلى اندلاع الانتفاضة الثانية التي انتهت بطرح خارطة الطريق، واستحداث منصب رئيس الحكومة في السلطة لتحقيق مطلب الرئيس الأميركي بوش الابن الذي أعلنه في خطابه في حزيران 2002، لتغيير القيادة الفلسطينية بقيادة جديدة تحارب "الإرهاب "وتصنع السلام".

وأردف، عندما فشلت خطة تغيير القيادة الفلسطينية سلمًا، حُوصر عرفات واغتيل، وتصوّر الرئيس محمود عباس بأن فرصته في تحقيق السلام أكبر بكثير من سلفه، لأنه مؤمن بالسلام ويعارض المقاومة، وبأن ما لا تحققه المفاوضات يحققه المزيد من المفاوضات، وأن تطبيق الالتزامات، ولو من جانب واحد، والالتزام بالتنسيق الأمني وكل الالتزامات، وإثبات الجدارة وبناء المؤسسات تحت الاحتلال كفيل بتحقيق الدولة الفلسطينية التي فشل عرفات في تحقيقها.

ورغم الإنذارات المبكرة المتمثلة في طرح حكومة أيهود أولمرت ضرورة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، والتخلي عن المطالبة بحل عادل لقضية اللاجئين، لدرجة أعلنت تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية في حكومة أولمرت، عن رفضها لعودة لاجئ واحد، ومعارضتها لما طرحه رئيس حكومتها من أفكار على الرئيس عباس، مع أنها أقل بكثير من تلبية الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية؛ لم تتخل القيادة عن الأوهام والرهانات الخاسرة.