15:53 pm 20 فبراير 2022

الصوت العالي

كتب عمار جاموس: أزمة جامعة بيرزيت.. المخاوف مقابل حكم القانون

كتب عمار جاموس: أزمة جامعة بيرزيت.. المخاوف مقابل حكم القانون

 

رام الله – الشاهد| كتب عمار جاموس: تعيين السيدة عنان الأتيرة قائمًا بأعمال عميد شؤون الطلبة في جامعة بيرزيت مع قدوم إدارة جديدة للجامعة بداية العام الأكاديمي 2021/2022، أثار تساؤلات عدة في الحيز العام وفي حيز الجامعة.

 

شخصية سياسية فتحاوية، تعمل نائبًا لمحافظ محافظة نابلس، في منصب حساس في جامعة تحاول أن تبقي على هويتها الليبرالية التي تسمح للجميع في العمل بحرية وعلى قدم المساواة، في ظل واقع استبدادي يخضع فيه الكثيرون طوعًا وكرهًا.

 

منْ يشغل منصب عميد شؤون الطلبة يفترض فيه الحياد، هذا افتراضي الذي أجد ما يبرره، فالشاغل لهذا المنصب يتعامل مع طلبة مختلفين، ليس أقلها الاختلاف في الانتماء السياسي، ويجب أن يكون على مسافة واحدة من الجميع. والسيدة الأتيرة، للوهلة الأولى، ولسجلها السياسي والوظيفي المذكور، سوف يكون من الصعب افتراض حيادها.

 

وهذا لا ينكر بأي حال، حقها الأصيل في البراءة، فالأصل في الإنسان البراءة، ومن يدعي غير ذلك عليه إثبات العكس. ولكني استخدم هذه الوقائع هنا في محاولة لتشخيص الواقع كما هو، وبالتأكيد لن يترتب على هذا أي إدانة بالمعنى الحرفي للإدانة.

 

وبناءً على ما تقدم، تبدو شكوك ومخاوف الحركة الطلابية في جامعة بيرزيت -لا سيما الجبهة الشعبية وحماس- بشأن السيدة الأتيرة في محلها، فهي قد تمثل من وجهة نظرهم ذراع السلطة القوية في الجامعة التي ستتولى تطويع حركة بيرزيت الطلابية.

 

وبالتالي، يجب عدم السماح بذلك، ولكنهم في المقابل، لم يستخدموا هذه الحجة عند تعيينها، كما أنهم لم يستخدموها رسميًا وقت الأزمة، بل ركزوا على الأداء، وهذا واضح من بيانات الحركة الطلابية المنشورة.

 

تتعزز الشكوك والمخاوف تجاه الأتيرة لدى مراجعة سجلها في حقوق الإنسان. نائب المحافظ، هذا المنصب الأمني، يخول شاغله سلطات على خلاف حكم الدستور، وسلطات قانونية أخرى قد يساء استعمالها. الاحتجاز الإداري مثالاً أو ما يعرف بالاحتجاز على ذمة المحافظ، صلاحية غير دستورية، انكوى بنارها مواطنون كُثر، بمن فيهم المعتقلون السياسيون لا سيما معتقلي حماس.

 

لا أملك معلومات أو أدلة على تورط السيدة الأتيرة فعليًا بهذا الشكل من الاحتجاز التعسفي الذي ينتهك الحرية الشخصية ويغتصب سلطة القضاء. هذا كان يجب أن يكون محل فحص من قبل من عينها أو زكاها للتعيين قبل تعينها بشكل رسمي. حيث إنه من غير المقبول في أدبيات بيرزيت وهويتها تولي أشخاص مناصب مهمة في الجامعة ولديهم في ذات الوقت سجل أسود أو غير مرضي في حقوق الإنسان وسيادة القانون.

 

هذا كله إضافة إلى شبهة تضارب المصالح التي صاحبت تعينها، فالسيدة شقيقة زوجة رئيس الجامعة، يعني توجد مصاهرة من الدرجة الثانية يفضل تجنبها، ولكنها مرت على مجلس الأمناء، لن أبحث في هذه الحقيقة وأبعادها، لأني أحاول التركيز هنا على مسألة المخاوف والشكوك المرتبطة بسجلها السابق وأدائها. وهذا لا يعني أن تلك المسألة لا يجب أن تكون محل فحص لاحق، بل يجب أن يتم التحقيق فيها في إطار مبادئ الشفافية وقاعدة تكافؤ الفرص.

 

إذا كانت الشكوك والمخاوف بشأن الأتيرة مشروعة بالنسبة لحماس والشعبية باعتبارهم المعارضة التي تكوى كل يوم بالنيران الفتحاوية، فما دخل فتح في الأزمة؟ لماذا انقلبت فتح على شخصية فتحاوية هي الوحيدة في مجلس الجامعة واتفقت مع الشعبية وحماس على ذلك؟ لقد كانت الشبيبة متطرفة جدًا في طروحاتها أكثر من غيرها.

 

 

اعتقد أن ذلك يعود لغايات انتخابية؛ انتخابات مجلس الطلبة القادمة في شهر آذار 2022، فأمام الرأي العام المهتاج لم يكن بمقدور فتح الصمود، ولذلك قررت أن تركب الموجة وتكون متطرفة في طروحاتها أكثر من حماس والشعبية.

 

هذا لا يجعلني أستبعد خلافًا فتحاويًا داخليًا أدى إلى التضحية بسيدة فتح في مجلس الجامعة. كما أن عنان الأتيرة مقربة من نائب رئيس الحركة محمود العالول، بينما تتبع شبيبة فتح في بيرزيت كليًا إلى الحاج موفق سحويل أمين سر إقليم فتح في رام الله والبيرة، وبنتيجة هذا الخلاف خسرت فتح وجودها في مجلس الجامعة.

 

ولكنها في المقابل؛ ربحت، ربحت في مسألة تحييد القانون وتقييد حرية التعبير على النحو الذي سأبينه بعد قليل. فتح السلطة لا ترغب في حكم القانون وحرية التعبير، ولذلك يمكن اعتبارها الرابح الأكبر.

 

على أي حال، ذلك الافتراض وتلك المخاوف والشكوك بشأن مهمة الأتيرة في تطويع الحركة الطلابية، سوف تتبدد، إذا كان أداء السيدة الأتيرة على الأرض مغايرًا لها، بمعنى أنها كانت تعمل بكفاءة وحياد. الطلبة يقولون: لا، لم تكن محايدة ولا كفؤة، ولكنهم في المقابل، لم يقدموا أدلة مشروعة على ذلك. فالأصل في الإنسان البراءة ومن يدعي العكس عليه إثبات ذلك في سياق تحقيق عادل وشفاف يتاح فيه حق الدفاع.

 

المحاباة المفترضة لصالح فتح؟ السيدة عنان طلبت فصل عناصر قوية في شبيبة فتح، وفصلوا فعلاً، منهم منسق الشبيبة الذي أظهر على ما يبدو سلاحًا ناريًا في حرم الجامعة. تقييد الأنشطة الطلابية في الجامعة؟ الجبهة الشعبية وحماس احتفلوا بانطلاقتهم ومع مجسمات أسلحة على خلاف أنظمة الجامعة -التي تمنع إدخال الأسلحة أو مجسماتها إلى حرم الجامعة ولم تمنعهم عنان.

 

إغلاق قاعة كمال ناصر في وجه طلاب حماس؟ ربما كانت السيدة تنفذ تعليمات مكتوبة من مجلس الجامعة، وهي فقط نفذت ولم تأمر ابتداءً. إحالة طلبة من الشعبية وحماس إلى لجنة النظام؟ لقد كان هنالك سلوك مخالف لأنظمة الجامعة ويستحق العقاب وشاهده الجميع وهو تكسير باب قاعة كمال ناصر. إضافة إلى سلوك آخر يُتَّهم فيه طلابٌ بالاعتداء على الحرس الجامعي.

 

 هنالك تساؤلاتٌ عديدةٌ حول السيدة الأتيرة وأدائها، الإجابة عنها كانت بحاجة إلى تحقيق وفق القانون، وبناءً عليه يتخذ قرار بشأنها: إما البراءة أو الإدانة. والجامعة على حد علمي، لم ترفض الخضوع لمثل هذا التحقيق، إلا أن الحركة الطلابية طالبت بالإقالة: "إقالة يعني إقالة".

 

وهذا يعني حرمان إنسان من حقه في الدفاع عن نفسه وحرمان مجتمع الجامعة من مساءلة المخطئ أو المقصر. وهذا يؤشر في المستقبل إلى إمكانية قبول معاقبة أعضاء في مجتمع الجامعة بمن فيهم طلبة وموظفين على خلاف حكم القانون (بدون إجراءات ولا حق دفاع).

 

في النهاية وتحت ضغط الرأي العام؛ استقالت الأتيرة، بدون أن تتمكن من الدفاع عن نفسها ومواجهة الاتهامات الموجهة إليها ومناقشتها، لقد كان في ذلك خيبة أمل.

 

خيبة أمل أخرى فيما حصل، وهي أنها امرأة، أخشى أن كونها امرأة قد سهل الإطاحة بها. وقائع غير مرضية في السنوات الأخيرة عن أن المرأة التي تتولى منصبًا عالٍ في جامعة بيرزيت، يسهل استهدافها. هذا لا ينفي حقيقة وجود نساء أخريات في مناصب عليا.

 

وبالنسبة إلى نقابة العاملين في جامعة بيرزيت وموقفها في الأزمة، فقد بدا لي أنها فضلت الحياد على القانون وحق الدفاع، ربما بسبب رغبتها في لعب دور الوساطة وحل الأزمة إلى النهاية. السيدة الأتيرة ليست عضوًا في الهيئة العامة للنقابة، ولكنها إحدى العاملات في الجامعة بموجب عقد عمل مؤقت، كانت تستحق أن يتم الدفاع عنها نقابيًا، لا يمكن القبول بإرسال موظف إلى البيت بدون إجراءات عادلة وشفافة. النقابة لم ترفض ذلك صراحةً في بياناتها المنشورة، واعتقد أنه كان عليها أن ترفض صراحةً إقالة الأتيرة أو استقالتها بدون تحقيق عادل وفق القانون.

 

مرة أخرى، الشعور المبني على افتراضات ومخاوف وشكوك مهما كانت محقة، لا يُبرر تحييد القانون وحق الدفاع، ولا الإدانة المسبقة بطبيعة الحال. فإعمال القانون بأمانة وتمكين الناس من حقهم في الدفاع عن أنفسهم؛ فرصة لإثبات تلك الادعاءات، وبالتالي التخلص من المخطئ أو المقصر إن ثبت خطؤه وتقصيره بضمير مرتاح، لكن ذلك لم يحصل للأسف.

 

وبالنسبة إلى د. غسان الخطيب، أحد أسباب الأزمة بحسب الحركة الطلابية، نائب الرئيس للتنمية والاتصال، والناطق باسم جامعة بيرزيت، كتب منشورًا على حسابه الشخصي في موقع "فيسبوك"، انتقد فيه تكسير الطلبة لباب قاعة كمال ناصر، وقال الطلبة إنه شبههم فيه بالاحتلال الذي اقتحم الجامعة قبل ساعات من نشاط لحماس يوم 14 ديسمبر 2021. ولذلك طالبوا بإقالته واعتذاره.

 

أتساءل هنا: منذ متى وهنالك قيود على حرية الكلام في جامعة بيرزيت؟ حرية الكلام جزءٌ من هوية بيرزيت، وهي أساس الحرية الأكاديمية المهمة جدًا في أي مؤسسة تعليمية. يجب احترامها وحمايتها دائمًا، طبعًا مالم تنطو على تحريض مؤذٍ.

 

 عندها فقط يمكن أن يتدخل القانون أو الرأي العام لصد ذلك التحريض. وأنا لا اعتقد أن ما قاله الخطيب على فيسبوك يؤذي الطلبة أو يحرض عليهم، وفي أقل الأحوال لن يشكك بوطنيتهم، ظاهر الحال يقول إن حركة بيرزيت الطلابية من أكثر الحركات وطنية ونشاطًا ولن يؤذها انتقاد الخطيب لها. وبالتالي، ليس هنالك ضرر متوقع لما قاله يبرر قمعه بالقانون أو الرأي العام كما حصل للأسف.

 

وفي اعتقادي، فإن الذي كان قد يشكل سببًا للمطالبة بمساءلة الخطيب من ناحية قانونية أو من ناحية الرأي العام على الأقل، هو ما قاله على برنامج المسار مع الصحفية لينا أبو الحلاوة على شبكة قدس الإخبارية يوم 17 ديسمبر 2021، وليس منشوره على فيسبوك.

 

لقد قال في ذلك اللقاء بما معناه أن الجامعة ليس لها علاقة بالاعتقالات السياسية للطلبة إذا تمت خارج أسوار الجامعة. كمتابع لذلك اللقاء، قلت: لو أنني مكان أحد ضباط المخابرات أو الوقائي لنفذت على الفور حملة اعتقالات سياسية واسعة لطلبة بيرزيت، لأنني عندئذٍ لن أتعرض للضغط كثيرًا.

 

هذا لا يعني أنهم؛ أي الأجهزة الأمنية، لا يفعلون ما يشاؤون وفي أي وقت يريدون دون تحمل التبعة أو توقعها كما هو الواقع، وكل ما في الأمر أن القول بعدم مسؤولية الجامعة عن الاعتقالات السياسية التي تتم خارج أسوارها، سوف يشد من أزر تلك الأجهزة على التوغل كثيرًا في تنفيذ انتهاكات ممنهجة لحق الطلاب في الحرية الشخصية وحرية التعبير.

 

للوهلة الأولى، قد يعتقد البعض أن في طرح الخطيب شيء منطقي، لكنه ليس كذلك لو تعمقنا قليلاً، ومن ثم ندرك بلا ريب خطورته، فالجامعة غير مسؤولة عن المشاكل التي تحدث خارج أسوارها، لأنها لن تستطيع التحقيق فيها، ولكنها في المقابل مسؤولة عن ضمان حرية العمل الطلابي، ولن تستطيع ذلك، إلا إذا رفضت الاعتقالات السياسية خارج أسوار الجامعة عندما تكون مرتبطة بنشاط الطلبة داخل أسوار الجامعة، فالأخيرة مسؤولة عن رفض الاعتقالات السياسية للطلبة إذا تمت داخل أسوارها أو بسبب نشاطهم فيها.

 

والخطيب أسقط شرط أن تكون بسبب نشاطهم في الجامعة. وهنا تكمن خطورة هذا الكلام، لأنه قد ينتج عنه تعرض طلاب لخطر حجز الحرية بوجه غير مشروع لمجرد أنهم يمارسون عملهم النقابي في الجامعة ولكنهم اعتقلوا خارجها وهي الحالة الدارجة بالمناسبة.

 

في النهاية، نجا الرجل من المصير الذي انتهت إليه السيدة عنان الأتيرة، ولم يستقيل أو يقال، وهذا يثير مرة أخرى شكوكي بشأن سهولة استهداف المرأة في جامعة بيرزيت كما هو الحال في الحيز العام الذي تستهدف فيه النساء بسهولة، ولكن في بيرزيت يكون الأمر خطير وخارج عن الادعاء الصريح بالمساواة والحرية. لا أعرف التفاصيل التقنية لنجاة الخطيب، أفترض أن كونه وزير سابق، ساعده في ذلك.

 

الآن الأزمة انتهت باتفاق بين إدارة الجامعة والحركة الطلابية، بما يضمن حسب إعلان الأطراف، حرية العمل الطلابي، واحترام القانون، وعدم إغلاق الجامعة في المستقبل، وأعلنت الجامعة أيضًا عن لجنة تحقيق لمعرفة أسباب الأزمة واستخلاص العبر.

 

أولى هذه العبر من وجهة نظري هي عدم تحييد القانون تحت أي ظرف، واحترام حرية الكلام. ويبدو لي أنه في جامعة بيرزيت من المهم فحص سجل حقوق الإنسان وسيادة القانون للموظفين في المناصب الحساسة، والتأكيد على معايير الشفافية وتكافؤ الفرص وتجنب حالات تضارب المصالح في التعيين.

 

كما يجب رد الاعتبار للضحايا، فالسيدة عنان الأتيرة حتى لو استقالت بإرادتها إلا أنها كانت ضحية انتهاك حق الدفاع، إضافة إلى ما نسب لها من اتهامات مست بحقها في السمعة بدون أدلة معترف بها قدمت في سياق تحقيق عادل وشفاف. يجب إنصافها ورد اعتبارها.

 

إذا لم يتم استخلاص تلك العبر أو ما يؤدي إليها وأخذها على محمل الجد من مجتمع الجامعة كافةً، لا سيما ما يتعلق منها بإنصاف الضحية ورد اعتبارها. فما هو الضرر المترتب على ذلك؟ الحلول للمشاكل مستقبلاً ممكن جدًا أن تكون خارج نطاق القانون، لأنه يكفي أن ننكر القانون مرة حتى تضعف فرصة تمسكنا به لاحقًا خاصة وقت الحاجة، إلا إذا كنا أقوياء ونحظى بدعم حزبي أو عائلي.

 

ومن هنا تنتهي قيمة المساواة، ويحل مكانها التمييز، ويبدأ مسلسل الظلم والقهر، وتضرب الحرية الأكاديمية في مقتل، لأننا قبلنا ابتداءً أن يضع الرأي العام قيودًا اعتباطية على حرية التعبير، وتنتهي بذلك حالة بيرزيت التي يتغنى بها الجميع. ولأنني لا أرغب في حصول مثل هذا الواقع، وانتصارًا للحق في الدفاع وحرية التعبير وإنصافًا للضحية، كتبت هنا.