ما هي تداعيات مواجهات الضفة على سياق الحرب على غزة؟

ما هي تداعيات مواجهات الضفة على سياق الحرب على غزة؟

رام الله – الشاهد| كتب محمد هلسة.. إلى جانب الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة، كانت مناطق الضفة الغربية واحدة من ساحات المواجهة الرئيسية التي كانت تؤرق إسرائيل حتى قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وبعد ذلك، كثفت التنظيمات الفلسطينية في الضفة، وخاصة حركتي المقاومة الإسلامية (حماس) والجهاد الإسلامي، جهودهما لتنفيذ عمليات نوعية، سعيا إلى تكريس “وحدة الساحات”.

ويتناول التقرير السياق الذي تتصاعد فيه المواجهات المتواصلة في الضفة الغربية، وأهداف كل من المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي منها، وصولا إلى تداعياتها والسيناريوهات المتوقعة لها.. وهذا أهم ما جاء في التقرير:

سياق المواجهات في الضفة
تزايدت حدة المواجهة بين الفلسطينيين والاحتلال الإسرائيلي في الضفة، عقب وصول حكومة اليمين المتطرف للحكم في إسرائيل.

وشهدت المقاومة كذلك تطورات كبيرة في بيئتها وطريقة عملها، وبلغت عمليات المقاومة في الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المُحتل، ومنها القدس، 592 عملية في شهر مايو/أيار 2021. أما عام 2023، فقد شهد ارتفاعا ملحوظا في أعمال المقاومة والاشتباكات المسلحة في مدن الضفة، وقُتل فيه 37 إسرائيليا غالبيتهم جنود، في حين أصيب أكثر من 400 آخرين جراء تنفيذ أكثر من 8 آلاف عمل مقاوم، تراوحت بين إطلاق نار، وطعن أو محاولة طعن، ودعس أو محاولة دعس، إضافة إلى عمليتي إطلاق صواريخ و9 عمليات إسقاط طائرات استطلاع.

مع تصاعد العمل المقاوم تطورت البنية التحتية العسكرية للمقاومة وتجاوزت الانقسام والخلاف التنظيمي بين حركتي فتح وحماس، وظهرت مجموعات مثل “عرين الأسود” في نابلس، وكتيبة جنين في مخيم جنين، ومخيم نور شمس في طولكرم، ومخيم بلاطة في نابلس، ومخيم عقبة جبر في أريحا، وبلدات أخرى في الشمال مثل طوباس وجبع وغيرهما.

أما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 و”طوفان الأقصى”، فقد صعّدت إسرائيل من عملياتها العسكرية والأمنية في مختلف مناطق الضفة الغربية، خصوصا في جنين ونابلس وطولكرم. كما أسهم تسليح المستوطنين وضمهم إلى الوحدات العسكرية في الجيش في تأجيج التوتر في الضفة.

ومن الناحية العملية، خلال السبعة أشهر الماضية، تقلص الوجود الفلسطيني بشكل كبير في المنطقة (ج)، والتي تشكل حوالي 60% من أراضي الضفة الغربية. واعتقل جيش الاحتلال آلاف الفلسطينيين، وهدم منازل وبُنى تحتية. كما زاد عدد الحواجز العسكرية في الضفة الغربية، وقطع سبل التواصل بين مدنها وبلداتها، إذ وصل عددها بعد الحرب إلى 649 حاجزا وعائقا، بزيادة 49 حاجزا.

أهداف التصعيد الإسرائيلي في الضفة
بالتزامن مع حربها المستعرة على قطاع غزة، تسعى إسرائيل إلى تحقيق الأهداف التالية من تصعيدها المستمر في الضفة الغربية:
أولا: الاستفادة من أجواء الحرب على القطاع لتنفيذ عمليات واسعة كثيفة باستخدام الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي دون الالتفات للانتقادات أو العواقب في غمرة الانشغال الدولي بالحرب بهدف القضاء على البنية العسكرية المسلحة في الضفة بوسائل أكثر فتكا.
ثانيا: تحويل الضفة الغربية لتهديد ثانوي عبر عمليات استباقية لإحباط الخلايا المسلحة ووأد شعار “وحدة الساحات”.
ثالثا: هذا التصعيد، وفق الرؤية الإسرائيلية، مهم، وهو جزء أساسي من استعادة “الردع الإسرائيلي” بعد ما أصابه في 7 أكتوبر/تشرين الأول.
رابعا: استثمار أجواء الحرب التي تعتبر فرصة مواتية بالنسبة للمستوطنين يستغلونها لتسخير الجيش، الذي يتماهى مع رغباتهم ترحيل الفلسطينيين وإيذائهم.
خامسا: تطمح إسرائيل أن تؤسس الحملات العسكرية المكثفة التي يقوم به جيشها ضد البنى التحتية التنظيمية لحماس والجهاد الإسلامي في شمال الضفة، بصورة أو بأخرى، لتسهيل مهمة السلطة الفلسطينية في بسط سيطرتها ووضع أسس جيدة لترتيبات اليوم التالي للحرب.
سادسا: يهدف التصعيد الإسرائيلي كذلك إلى تعميق التطهير العرقي وإجبار الفلسطينيين على النزوح عن أراضيهم، وبخاصة في مناطق “ج” تمهيدا للسيطرة عليها والاستيطان فيها، عبر خنق الضفة بالحواجز وضرب مقومات البقاء وحرية التنقل، فقد أشارت مصادر إسرائيلية إلى أن المستوطنين استغلوا التصعيد في الضفة لتشييد نحو 15 بؤرة استيطانية جديدة في مناطق “ج”، فضلا عن تهجير السكان الفلسطينيين من 15 تجمعا رَعَويّا.
سابعا: تعد الضفة مساحة لمناورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قوى اليمين الإسرائيلية المتطرفة، التي تهدده بين الفينة والأخرى بالانسحاب من الحكومة إذا ما انسحب من قطاع غزة وأوقف الحرب، وبالتالي يُنظر للفعل الاحتلالي في الضفة على أنه أداة مناورة ومقايضة من نتنياهو يعوض بها شركاءه الذين يتكئ عليهم في استقرار ائتلافه، حيث الضفة بالنسبة لليمين القومي الصهيوني أهم من قطاع غزة سياسيا ودينيا.

أهداف المقاومة من التصعيد في الضفة
استطاعت مجموعات المقاومة الفلسطينية، ورغم شدة الهجمة الإسرائيلية على الضفة، أن ترفع مستوى الفعل المقاوم بما يخفف من ضغط الحرب الإسرائيلية على غزة، ويتناسب وحجم التحديات التي تعيشها الضفة الغربية في ظل محاولة إسرائيل الاستفادة من المناخات التي خلقتها الحرب لتنفيذ ما تصبو إليه أمنيا وسياسيا في الضفة.

ورغم أنه يمكن القول إن المقاومة الفلسطينية في الضفة في حالة تطور، فإن التطور في عملياتها لا يعني إنكار الصعوبات التي تواجهها، وأبرزها التفوق الأمني الكاسح للاحتلال الإسرائيلي.

وقد طوّر الاحتلال منظومة أمنية تخدم أهدافه السياسية والإستراتيجية عبر تقطيع مناطق الضفة، وإحكام قبضته على مفاصلها، وتجهيز أدوات ضبط وسيطرة للتحكم بحركة الفلسطينيين، كالحواجز العسكرية والطرق الالتفافية، وهو ما مكّنه من حصار البلدات الفلسطينية، وحال دون “المقاومين” والتنقل أو الاختفاء الكامل.

ومع كل هذه الصعاب والمخاطر تستمر المقاومة في تصعيد عملياتها للاعتبارات التالية:

أولا: تسعى فصائل المقاومة لتحويل الضفة الغربية إلى جبهة إسناد رئيسية لقطاع غزة، الأمر الذي سيخفف الضغط عن القطاع.
ثانيا: تُعمق عمليات المقاومة المتصاعدة أزمة حكومة الاحتلال وتستنزفها في مسارات متعددة، خاصة الاقتصادية والأمنية.
ثالثا: تؤكد عمليات المقاومة في الضفة على أن الروح الكفاحية للفلسطينيين ما زالت حاضرة، رغم محاولات وجهود إسرائيل والمتساوقين معها فلسطينيا لكيّ الوعي وفرض سياق اجتماعي سياسي مختلف.
لكن ورغم استمرار عمليات المقاومة في الضفة، فإن مساهمتها في المعركة محدودة، بحيث تضطر الاحتلال لوقف الحرب على غزة أو تقصير أمدها قدر المستطاع.

تداعيات المواجهة في الضفة
ظلت إسرائيل تبني على هدوء الضفة الغربية، خاصة بعد مجيء السلطة، وتراهن على أن هندسة الوعي قد أخذت مكانها في العقل الفلسطيني وترسخت، إلا أن الانتفاضات المتتالية وموجات المواجهة التي تفجرت جعلتها مركز الثقل في المواجهة مع الاحتلال.

بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما قبله، كانت نواة العمل المقاوم تتعاظم في الضفة، عبر التشكيلات العسكرية، مُشكِّلة بذلك حالة جديدة من أنماط “المقاومة” للاحتلال الإسرائيلي، الرافضة لمبدأ التدجين بأي طريقة.

صحيح أن معركة “طوفان الأقصى” كشفت عن عمق حالة السوء والاغتراب التي تمر بها الضفة الغربية، خاصة مع وهْن الحاضنة الشعبية الداعمة للمقاومة وهشاشتها، لكن يبدو أنها كشفت أيضا عن سخط حقيقي ملحوظ في الرأي العام الفلسطيني تجاه نهج “الحياد السلبي” الذي اتخذته السلطة الفلسطينية الحالية.

ورغم تآكل شرعية السلطة الفلسطينية وهيمنتها في ظل المواجهة الحالية، فإن هذا لا يعني بالضرورة زوالها سريعا أو سقوط الخيارات السياسية التي تتبناها، لكونها، أولا، لا تزال الناظم الاقتصادي والاجتماعي الأهم للواقع في الضفة الغربية، إذ ترتبط بأجهزتها ومؤسساتها الحياة اليومية لنحو 170 ألف موظف يُعيلون نحو مليون فلسطيني، بالإضافة إلى حضورها الأمني، وكونها لا تزال مطلبا دوليا وإقليميا.

ستتوقف الحرب على غزة في لحظة ما، وسيبدأ صراع المسارات، وعلى رأسها الاستقرار أو السكون الذي تحاول القوى المختلفة إعادة ضبط الضفة حوله، لكن المؤكد أن تحديد ملامح ما سيجري فيها مرتبط بنتائج الحرب على غزة.

التوقعات والسيناريوهات
يرتبط التصعيد الحالي للعمل المقاوم في الضفة، بصورة أو بأخرى، بالعدوان على القطاع، ومع تصاعد الحرب وتوسع عملية الاحتلال في رفح تتصاعد المقاومة، مع توقع أن تتجه الأمور في الضفة الغربية نحو الهدوء التدريجي لكن البطيء حال التوصل إلى تهدئة في القطاع.

بينما يُرجح على المدى المتوسط والطويل أن تكون الضفة الغربية مقبلة على تصعيد آخر في ظل انزياح المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين والتطرف.

ويبدو أن هذه الحرب زرعت في أوساط معينة لدى المستوطنين وقيادتهم فكرة “أننا نعيش في واقع جديد يجب استثماره للحد الأقصى”، بل يؤمن بعضهم أن ما حدث في مستوطنات غلاف غزة هو عقاب على عدم الاستمرار في الاستيطان، وأنه من الممكن التصرف بشكل مستقل دون علم وإذن الجهات الرسمية وفرض حقائق على الأرض بما يفرض مستوى جديدا من السيطرة الاستيطانية.

أما تحول المواجهات إلى انتفاضة عارمة في الضفة في المرحلة المقبلة، فيبقى احتمالا ضعيفا حتى لو اشتدت الحرب أو طالت أكثر، بسبب الملاحقة الإسرائيلية والاستنزاف الذي أصاب المجتمع الفلسطيني هناك.

وختاما، فإن الضفة الغربية تعيش اليوم حرب استنزاف شاملة من قبل إسرائيل التي تدرك -أيضا- أن الضفة تمثل خاصرتها الرخوة، لذلك قد يعتبر المشروع الاستيطاني الصهيوني الضفة هي ساحة الحرب الحقيقية بالنسبة له، ووفق هذا المنطق فإنه يسعى إلى اجتثاث كل محاولة أو نموذج مقاومة قد يظهر هناك.

من هنا، يبدو مستقبل الضفة ومقاومتها متعلقا بشكل كبير بمآلات العدوان على غزة، وطبيعة التحولات التي ستأتي في مرحلة ما بعد الحرب، فإذا نجحت إسرائيل في تحقيق أهداف حربها، فعلى الأرجح أن الضفة ذاهبة إلى حالة من السكون والانصياع أو القبول بالأمر الواقع. أما إذا كانت نتائج الحرب مغايرة، فربما تنكسر هذه المعادلة التي سعت إسرائيل إلى تكريسها.

إغلاق