17:39 pm 11 مارس 2022

الصوت العالي

كتب عقل أبو قرع: الحرب في أوكرانيا.. والأسعار والأمن الغذائي في بلادنا!!

كتب عقل أبو قرع: الحرب في أوكرانيا.. والأسعار والأمن الغذائي في بلادنا!!

رام الله – الشاهد| كتب عقل أبو قرع: لم يتوقع الكثير من المختصين ومن غير المختصين، أن تصيب شظايا الحرب المستعرة بين أوكرانيا وروسيا عصب الامن الغذائي للعديد من الدول، وبالأخص دول عربية أو دول في الشرق الاوسط، ولم يعرف الكثير من قبل بأن روسيا واوكرانيا تصدران معا حوالي 30% من سلعة القمح الى العالم سنويا، أي أكثر من 200 مليون طن.

 

وأن معظم الدول العربية تستورد غالبية استهلاكها من الخبز الذي يأتي من الطحين وقبل ذلك من القمح من هاتين الدولتين، وأن دولة مثل مصر أو الجزائر تستورد حوالي 13 مليون طن من القمح سنويا، وأن فلسطين تستورد حوالي 90% من استهلاكها من القمح من الخارج.

 

ومع تضارب الانباء عندنا حول مقدار هذه الحصة من روسيا أو اوكرانيا والتي تشير بعض الارقام الى ان غالبية الاستيراد يأتي من هاتين الدولتين، واننا في فلسطين نستهلك سنويا حوالي 450 الف طن من القمح، وننتج فقط منها حوالي 30 الف طنا، أي أقل من 10% من مجمل الاستهلاك، وبالتالي نستورد اكثر من 90% من استهلاكنا من القمح من الخارج.

 

وما يؤكد شدة الاعتماد في بلادنا على سلعة حيوية مثل القمح على الاستيراد من روسيا وأوكرانيا هو الارتفاع الحاد في اسعار الطحين وغيره من المنتجات التي تعتمد على القمح، والتي وصلت الى حوالي ال 40% مقارنة بالأسعار قبل الحرب، أي فقط قبل حوالي أسبوعين.

 

وهذا يفتح الباب واسعا للنقاش والجدل حول مفهومي الامن الغذائي والاعتماد على الذات والتحكم في الاسعار وحماية المستهلك الذي في المحصلة هو الذي سوف يدفع ثمن الارتفاعات الحادة في اسعار حيوية، لا يستطيع الاستغناء عنها ولو لعدة ايام.

 

وحسب المنظمات الدولية، وبالأخص منظمة الاغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة " الفاو"، فإن تعريف الامن الغذائي للناس، هو الحصول ما يكفيهم من الأغذية الجيدة، وذلك للتمتع بحياة ملؤها النشاط والصحة.

 

وتضيف "الفاو" "ان الامن الغذائي يتحقق عندما يتمتع البشر كافة في جميع الاوقات بفرص الحصول من الناحيتين المادية والاقتصادية على اغذية كافية وسليمة ومغذية تلبي احتياجاتهم التغذوية وتناسب اذواقهم الغذائية"، ومن الواضح أن الملايين من البشر سوف يفتقدون ذلك، سواء بسبب أزمة الحرب في اوكرانيا، من خلال عدم القدرة على الاستيراد من روسيا واوكرانيا، أو تعويض الاستيراد من دول اخرى أو الانتاج .

 

وعلى مستوى البلد او الدولة، فان الامن الغذائي يتحقق حين تنتج البلد كل احتياجاتها من الغذاء الأساسي أو تكون في استطاعتها الحصول عليه من الخارج تحت أي من ظروف ارتفاع أسعار الغذاء العالمية أو اغلاق الحدود أو ما يحدث الان من حروب.

 

ومن هذا المنطلق كذلك، فان هذا يعني اننا في فلسطين، لم ننتج كل احتياجاتنا من الغذاء، وبالأدق الاغذية الاساسية، اي القمح او الخبز واللحوم والدواجن والخضروات وما الى ذلك من غذاء اساسي لا يستغني عنه الانسان، او اننا لم نستطع توفير احتياجات الغذاء الاساسية من الخارج بقوانا الذاتية، اي بدون انتظار المساعدات او المنح او التبرعات من هنا وهناك.

 

وربما جاءت الازمة الحالية للحرب في اوكرانيا، لكي تدق ناقوس الخطر القادم من أزمة مشابهة أو من أزمات أخرى، قد تؤدي الى نقص الغذاء والفقر والمجاعة والوفيات بالملايين، وقبل ألازمة الحالية، كان العالم يتحدث وبل يشاهد تداعيات التغير المناخي والاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة الارض وقلة الامطار وبالتالي التصحر، اي عدم القدرة على زراعة التربة بمحاصيل أعتاد الناس على زراعتها، سواء بسبب قلة الامطار والمياه أو زيادة ملوحة التربة، أو الفيضانات نتيجة ذوبان الجليد وارتفاع مستوى مياه البحار والمحيطات وغير ذلك.

 

وحسب بيانات جهاز الاحصاء المركزي الفلسطيني وبالتعاون مع بعض منظمات الامم المتحدة ومن ضمنها منظمة الاغذية والزراعة (الفاو،)، اظهر مسح لعام 2013، الافتقار الى الامن الغذائي في فلسطين، اي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وقد اشارت النتائج الى ان حوالي 33% من الاسر الفلسطينية تفتقر الى الامن الغذائي، اي لا تستطيع تلبية الاحتياجات الغذائية الاساسية التي تحتاجها الاسرة، حسب المعايير الدولية، وان هذه النسبة في ازدياد.

 

ولكي يتحقق الامن الغذائي في بلادنا، فإننا يجب ان ننتج غذائنا بإمكانياتنا وباستخدام مصادرنا المتوفرة، من ارض ومياه وبشر، اي نزرع وننتج، ومن ادوات واجهزة ومصانع، اي نصنع المنتج الغذائي النهائي، والاهم من سياسات وخطط ومشاريع وعقول وكوادر مدربة، تخطط وتتابع الانتاج، والاهم ان نعمل على ارساء ثقافة الاستدامة في الإنتاج.

 

وان لم نستطع ان ننتج غذائنا الاساسي، فإننا من المفترض ان نكون قادرين على توفيره من الخارج، وبمصادرنا الذاتية، وبدون انتظار المساعدات والتي في العادة ترتبط بشروط وقيود، وهذا يتطلب وكما تفعل الدول، وجود احتياطي من العملة الاجنبية لشراء وبالتالي لتوفير الغذاء، وبالأسعار العالمية وبالجودة والسلامة اللازمتان، وفي كل الاوقات.

 

ومع بدء الشعور بتداعيات الحرب في اوكرانيا على الاسعار وعلى المستهلك وعلى الامن الغذائي عندنا، وبالأخص على رغيف الخبز الذي نستهلكه يوميا، ولكي نضع الخطط لجسر او لتخفيف فجوة الامن الغذائي للفلسطينيين، فإنه يجب ان نركز على انتاج غذائنا باستخدام مصادرنا بالدرجة الاولى، اخذين بعين الاعتبار ليس فقط التداعيات طويلة المدى لهذه الحرب، ولكن احتمالات التغيرات البيئية والمناخية، والتقلبات السياسية المتسارعة عندنا ومن حولنا.

 

وان لم نستطع انتاج غذائنا الاساسي، فإننا من المفترض ان نكون قادرين على الحصول عليه، اخذين التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عندنا ومن حولنا في المنطقة، وفي العالم بعين الاعتبار.

 

وفي ظل هذه الازمة بين روسيا واكرانيا، التي لا يبدو لها نهاية في الافق، وبدء الارتفاع في الاسعار وبالأخص اسعار الغذاء، فان هذا الواضع يستدعي تدخل الجهات الرسمية وبالأخص وزارة الاقتصاد الوطني التي تتعامل مع هذا الامر، عليها التدخل وبشكل طارئ وعملي ويومي من أجل كبح الاسعار وأعادتها بشكل عقلاني موضوعي لتناسب سعر السوق أو التكلفة، وفي نفس الوقت محاسبة وبشده وبشكل علني من يتلاعب في حياة الناس، من التجار الجشعين، وبالتحديد التجار الكبار أو تجار الجملة الذين يستوردون ويحتكرون السلع.  

 

وفي خضم هذا الوضع المقلق وبل المحزن للكثير، وفي ظل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي نحيا فيها، وفي ظل التخبط بأنواعه من السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وان تواصل هذا الارتفاع الجنوني للاسعار وتوسع كما يعتقد البعض، وبدون تدخل فاعل وحازم من الجهات ذات العلاقة، بدعوى الحفاظ على مبادئ اقتصاد السوق، فأن هذا الوضع يتجه نحو تعميق وربما نحو الانفجار المجتمعي، الذي سوف يكون من الصعب توقع تداعياته وامتداداته، كما لم نتوقع وغيرنا تداعيات الحرب الحالية علينا وعلى الامن الغذائي للكثير من الدول.