08:22 am 22 مارس 2022

الصوت العالي

كتب أشرف بدر: كيف تُصمِّم السّلطةُ العرسَ الديمقراطيّ على مقاسها

كتب أشرف بدر: كيف تُصمِّم السّلطةُ العرسَ الديمقراطيّ على مقاسها

الضفة الغربية- الشاهد| يُفَسِّر ما سبق إصرارَ حركة "فتح" على تغيير قانون الانتخابات ليصبح نسبيّاً بشكلٍ كامل، إذ لم تنتظر نهاية الانتخابات المحليّة بمراحلها الأربعة سنة 2005، فعمدت إلى تغيير القانون في منتصف المراحل، بعد المرحلة الثانية مباشرةً. 

 

وفّر النظامُ النسبيُّ لحركةِ "فتح" فرصةً للتغلب على إشكاليتها المُزمنة، ففي حالة القائمة النسبيّة كان يكفي الزجّ باسمٍ أو اسمين لامعين في إحدى القوائم للتغطية على عجز التنظيم عن تقديم شخصياتٍ جاذبةٍ ومقبولةٍ اجتماعيّاً، ويعني اختيار هذه الشخصيات اختياراً لكل القائمة بمختلف مرشحيها. في المقابل، حرم قانونُ الانتخابات النسبيّ الناخبين من حقّ اختيار فقط من يرونه مناسباً من بين المرشحين، وأجبرهم على انتخاب قائمةٍ كاملة من بين القوائم.

 

من ناحيةٍ أُخرى، يساهم النظام النسبيّ في تقليص حجم خسارة الحزب الحاكم (في حال حدوثها)، إذ إنّ القانون النسبيّ يجعل من الصعب على قائمةٍ ما الحصول على أغلبية كاسحة في المجلس البلديّ. فبينما أسفرت الانتخابات البلديّة بحسب النظام الفرديّ (التي عُقِدَت سنة 2005) عن فوز المعارضة في بعض البلديات بجميع المقاعد، أصبح من الصعب وبحسب النظام النسبيّ تكرار ذلك.

 

ففي أحسن الأحوال تستطيع قائمة ما تحقيق 9-10 مقاعد من أصل 15 مقعداً. خرج عن ذلك وفي حالة نادرة انتخابات بلدية مدينة نابلس سنة 2005، والتي أجريت في المرحلة الرابعة، في ديسمبر/ كانون الأول 2005، بحسب النظام النسبيّ. حينها، ترّشحت خمس قوائم لم تفز منها سوى قائمتين، التغيير والإصلاح (13 مقعداً)، وفلسطين الغد "فتح" (مقعدان).

 

أيضاً، يستفيد الحزب الحاكم في الضفّة من هذا النظام في التجمعات السكانيّة الصغيرة، التي يغلب عليها البعد العشائريّ، إذ تُشكّل عدة قوائم تضمُّ في كلّ منها العائلات الرئيسية، لتتوزع المقاعد فيما بينها، دون أن تحسمَ أيُّ قائمةٍ النتيجة لصالحها. وفي هذه الحالة يستطيع الحزب الحاكم بما يملك من سطوةٍ ونفوذٍ تشكيلَ المجلس بعقد التحالفات مع الكُتل المختلفة. 

 

وقد تعزّزت قناعة حركة "فتح" بضرورة تبني النظام النسبيّ الكامل لضمان فوزها عقب ظهور نتائج انتخابات المجلس التشريعيّ 2006، والتي جرت وفق النظامين معاً (النظام المختلط). أظهرت تلك النتائج تقارباً بين حركتي "فتح" و"حماس" في النظام النسبيّ، وتقدّماً لحركة "حماس" في النظام الفرديّ. أظهرت نتائج تلك الانتخابات فوز التغيير والإصلاح (حماس) في النظام الفرديّ بـ45 مقعداً .

 

في مقابل 17 مقعداً لحركة "فتح"، و4 مقاعد للمستقلين  (دعمت "حماس" اثنين منهم). بينما كان الوضع مغايراً في نتائج القوائم (النسبيّة)، إذ أسفرت عن فوز "حماس" بـ29 مقعداً من أصل 66، في مقابل فوز "فتح" ب 28 مقعداً.

 

يدّعي مناصرو النظام النسبيّ بأنّه الأنسب لتمثيل جميع شرائح المجتمع، بحيث يسمح للجميع التواجد في المجالس المنتخبة. وهذا إدعاءٌ تُفنده التجربة العملية، كما أسلفنا في حالة انتخابات بلدية نابلس سنة 2005، وكذلك في انتخابات 2012 لبلدية الخليل التي شاركت فيها 6 قوائم (وقاطعتها وقتئذ حركة "حماس").

 

لكن قائمتين فقط (قائمة "الاستقلال والتنمية" (فتح) وقائمة "الخليل مدينة عصرية" (مستقلة)) استطاعتا تجاوز نسبة الحسم (8%)، بينما لم تتمكن باقي القوائم من دخول المجلس البلديّ، لأنّها لم تتمكن من تجاوز نسبة الحسم، فكيف يضمن النظام النسبيّ تمثيل الجميع؟

 

تلعب نسبةُ الحسم دوراً هامَّاً في تحديد نتائج الانتخابات البلديّة، فقد حدّد قانون الانتخابات المحليّة (سانت لوغي) نسبةَ الحسم بـ8% من أصوات المُقترعين الصحيحة (وليس مِنْ عدد من يحقُّ له الاقتراع). لنأخذ مثالاً: لو كان من يحِقُّ لهم الاقتراع 60 ألف شخص، وكانت أصواتُ الناخبين الصحيحة 30 ألف، فإنَّ نسبة الحسم ستكون 2,400 صوتٍ، وبالتالي فإنّ أي قائمة لا تحصل على عددٍ من الأصوات يساوي 2,400 صوت أو يزيد، فلن تستطيع دخول المجلس البلديّ.

 

وضع قانون نظام (سانت لوغي) الكتل المُرشحة وخصوصاً الصغيرة أمام معضلة، فمن ناحيةٍ تسعى كلُّ كتلةٍ لحشد وتجنيد الأصوات كي تضمنَ الفوز، ومن ناحيةٍ ثانية، فإنّ هذا الحشد سيزيدُ من عددِ المُصوتين، وبالتالي سيرفع العددَ المطلوب لتجاوز عتبة الحسم، وهو ما قد لا تستطيع إنجازه الكتل الصغيرة. 

 

لذلك، فإنّ الإقبال على التصويت سيكون في صالح الكتل الكبيرة فقط (كما حدث في انتخابات الخليل 2012)، أما تراجع التصويت فسيكون في صالح الكتل الصغيرة، وهنا تكمن المعضلة. لا تستطيع الكتل الصغيرة ألا تحشد كي تقل نسبة التصويت وعدد الحسم، فهي لا تضمن تجاوز عتبة الحسم إن لم تحشد، وفي المقابل إذا بذلت كل طاقتها في الحشد حتى تضمن الفوز ستزيد من نسبة التصويت وبالتالي سيزيد العدد المطلوب للحسم، وهذا قد يحرمها من الفوز.

 

هكذا إذاً، عندما وجدت حركة "فتح" أنَّ النظام الفرديّ لا يعمل لصالحها، قامت بتعديل قانون المحليات والمجلس التشريعيّ ليصبح حسب النظام النسبيّ الكامل. وبالتالي، فمن غير المتوقع أن تنجح دعوات بعض النشطاء لتعديل هذا القانون والعودة للنظام الفرديّ. 

 

ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الأنظمة الانتخابيّة على اختلافها تُوظّف حسب المصلحة، ففي حين تصرُّ "فتح" على النظام النسبيّ في الانتخابات المحليّة والتشريعيّة، فإنّها تتفادى تطبيقه في النقابات، لأنّها لا يخدمها هناك. إذ تُعتبر الضفّة - في حالة النقابات - دائرةً انتخابيّة واحدة،.

 

تتفرد فيها حركة "فتح" بحريّة الحركة، ومع وجود بنى تنظيميّة وشبكات زبائنية تساعدها للترويج للأفراد المحسوبين عليها، بينما لا يستطيع منافسوها بسبب الملاحقة الأمنيّة تغطية المناطق جميعها. ومن ثمّ، فإنّ اعتماد النظام النسبيّ في النقابات قد يساهم في حصول المعارضة على نسبةٍ من المقاعد، بينما في النظام الفرديّ يُسيطر التنظيم (أي "فتح") على مجريات الأمور.

كلمات مفتاحية: #حركة فتح #الانتخابات البلدية

رابط مختصر