08:45 am 30 مارس 2022

الصوت العالي

كتب رياض سيف: ما يجري هو احتلال داخل احتلال

كتب رياض سيف: ما يجري هو احتلال داخل احتلال

رام الله – الشاهد| كتب رياض سيف: خلال زيارتي الاخيرة لقريتي الواقعة في محافظة طولكرم، ذهبت لأتفقد ما ورثته عن والدتي في شرق القرية والمسجل رسميا في لائحة الطابو مع الورثة الاخرين لأتفاجأ بأن كل ما ورثته ذهب أدراج الرياح، ولم أجد حتى موطئ قدم يخصني، فقد ارتفع البنيان وأحيطت الاراضي الشاسعة بالأسلاك.

 

وتم نهب الارض بوضع اليد من قبل العديد ممن لا ينتمون الى قريتي بصلة، وذلك بفضل بعض المحامين والسماسرة الذين سمح لهم البعض بشراء بعض القطع بموجب وكالات دورية، فباعوا بموجبها عشرات القطع، معتمدين على أن الارض المشاع يمكن التصرف فيها دون رقيب او حسيب.

 

وعلمت بعد التحري والسؤال أن سمسارا اشترى ثلاثة دونمات من أحدهم بموجب وكالات دورية، وباع بموجب هذه الوكالات 21 دونما مستغلاً أن من يقوم بشراء القطع الانفة لا يقوم بتوثيقها لدى دائرة الاراضي مباشرة بل قد تمضي سنوات قبل أن يقوم بذلك.

 

ولذا فقد العشرات من الملاك الذين اضطرتهم ظروفهم للعيش خارج الوطن لفقد املاكهم، وبغياب القانون اقيمت المباني وشقت الطرق، والادهى من ذلك قدمت لهم جميع الخدمات من ماء وكهرباء، دون أن تكلف السلطة نفسها بالسؤال عما إذا كان من يستولون على هذه الارض اصحاب حق أم مغتصبين لها، وأيا كان المغتصب لأرض لا يملكها فلا فرق بينه وبين المستوطنين اليهود فكلاهما معتد وسارق، والامر لا يقتصر فقط على قرية بعينها بل تشمل كل الارض المشاع في أنحاء ما بقي من فلسطين.

 

وإذا ما سألت أحد المسؤولين الاداريين من أصحاب الشأن في السلطة الفلسطينية عن سبب هذا التسيب في حفظ حقوق المواطن الفلسطيني في أرضه، وغض الطرف عن اطلاق يد بعض المحامين المرتزقين والسماسرة الجشعين ليعيثوا فسادا في الارض، سيلقون اللوم على الاحتلال بقولهم بأن الارض التي تعنيها هي خارج حدود سيطرة السلطة الفلسطينية وتقع في منطقة (سي) الخاضعة لسلطة الاحتلال.

 

ونسوا او تناسوا أن جميع الوكالات الدورية للبيع والشراء تتم داخل الدوائر الرسمية في السلطة الفلسطينية، وتحرر بمعرفة كاتب العدل الفلسطيني في الدوائر الفلسطينية، وبالتالي فإن السلطة هي المسؤولة الاولى والأخيرة وبدون عمد عما يجري من تسريب وتسيب وضياع لحقوق المواطنين الفلسطينيين في اراضيهم وممتلكاتهم التي يتلاعب بعض المحامين والسماسرة بها.

 

وحتى لو كانت هذه حجتهم فكيف لهم تبرير ما يجري في الارض المشاع الواقعة في مناطق (أ - ب) فالأمر لا يختلف اطلاقاً عما يجري في المنطقة (سي) والدليل هو ما ورثته عن والدي في الارض داخل طولكرم نفسها مع ابناء واحفاد عماتي، والتي تكالب عليها المتصيدون من المحامين والسماسرة.

 

ولولا قيامي بالبناء واحاطة حصتى بسور اسمنتي لضاعت منى، حيث يتم البيع بموجب وكالات دورية، وكل مشتر يقوم بفتح شارع اوتستراد على حساب من لم تسنح لهم الفرصة بالتواجد على أرضهم, وبنفس النهج يقوم السماسرة وبعض من باعوا ضميرهم من المحامين ببيع ما هب ودب بموجب ما يمتلكونه من وكالات دورية دون رقيب او حسيب.

 

حتى أن بعض الورثة لم يجدوا حقهم بالأرض، وبالتحديد فمن أصل 72 دونما، هناك ما يقارب 20 دونما مفقودة، وذلك لأنها تحولت لشوارع او مناطق خدمات بمزاجية المشترين الاخرين أو لآن تجار الحرب باعوا أكثر مما بأيديهم، وبلدية طولكرم ودائرة اراضيها في سبات عميق، مما اضطر اصحاب الحقوق المفقودة للجوء الى المحكمة، التي أجازت لهم وضع اليد على اي قطعة فارغة فلم يجدوا سوى الازقة والشوارع التي بين البنايات، التي لا يجوز وضع اليد عليها اطلاقاً.

 

وفي مراجعتي لدائرة الاراضي قرأت شعارا "فلنحافظ على أرضنا من التسريب والتخريب"، والسؤال لدائرة الاراضي وللسلطة ولكل مسؤول فيها، ابعد كل هذا التخريب والتسريب والاستهانة بحقوق وملكية المواطن الفلسطيني، ولا تكتفوا برفع شعارات ولا تفعلون بها.

 

اننا نقاوم الاحتلال والاستيطان بصدورنا العارية، ونجد من يطعننا في الظهر من بني جلدتنا من سماسرة ومحامين دون مساءلة او حساب من قبل المسؤولين، عن أمننا وأماننا، وذلك بعدم اكتراثهم بالسلب والنهب وأكل حقوق الغير والتغافل عما يجري من تسريب وتهريب وتخريب.

 

ثم أليست هذه الوكالات الدورية التي تطبع بالمجان في مطبخ دوائر السلطة الفلسطينية هي مقدمة لتسريب الاراضي للمحتل من قبل سماسرة جشعين ومحامين درسوا المحاماة ليس دفاعا عن حق وانما لامتهان حرفة المتاجرة بالأراضي والبشر.

 

على السلطة الفلسطينية الان أن تنتبه لهذا الامر الخطير، وان كانت جادة في خدمة شعبها، فعليها الغاء إصدار ما يسمى بالوكالة الدورية فورا، واقرار قانون يمهل اصحاب الوكالات الدورية مدة اقصاها ثلاثة أشهر لتسجيل ما قرر لهم ضمن الوكالات في الدوائر الرسمية، وبعدها تصبح جميع الوكالات الدورية لاغية. وبهذا فقط يمكن تلافي مبدأ التخريب وتسريب الاراضي الى الطامعين والمحتلين والمستوطنين الذين وجدوا من هذه النافذة منفذاً لاستباحة الاراضي الفلسطينية وضمها.

 

فهل تستجيب السلطة الفلسطينية الى هذا المطلب الوطني، أم ستغض الطرف عما يجري وتكون بذلك شريكة في جريمة نكراء بضياع ما تبقى من الوطن وحقوق المواطن.