16:15 pm 22 أبريل 2022

الصوت العالي

كتب جورج جقمان: منظمة التحرير تُضرِب ضد نفسها مجددا

كتب جورج جقمان: منظمة التحرير تُضرِب ضد نفسها مجددا

رام الله – الشاهد| كتب جورج جقمان: حصل ذلك في العام 1997 و2016 والآن، أن أضرب المعلمين في المدارس الحكومية وسحبوا الثقة من قيادة الإتحاد العام، وشكلوا لجان بديلة أو "حراك المعلمين الموحد" كما أسمي الآن، وطالبوا بانتخابات جديدة للاتحاد.

 

لماذا؟ لأنهم يعتبرون أن قيادة الإتحاد، الآن وسابقا، لا تمثلهم نقابيا وإنما تمثل السلطة الفلسطينية، أو بشكل أدق، تمثل إطارا من أطر منظمة التحرير الفلسطينية، وحاليا السلطة الفلسطينية بعد اندماج الاثنتين.

 

وفي إضراب العام 2016 صرح أحد الوزراء في حينه أن الإضراب موجه نحو منظمة التحرير. وفي الواقع، هذا الكلام بمعنى معين صحيح.

 

لماذا؟ لأن المشكلة تكمن في نقل نموذج منظمة التحرير الذي صمم لغرض مجتمع غائب عن أرضه في الشتات، ثم جرى نقله لغرض حكم شعب على أرضه. فكما هو معروف، لم تتكون منظمة التحرير من فصائل وأحزاب فقط، بل أن بنيتها سعت لتمثيل الفلسطينيين ككل، واحتوت على اتحادات عمالية وطلابية واتحادات للكتاب، وللمرأة، وللمعلمين، ومؤسسات إنتاجية ومراكز أبحاث، و"منظمات غير حكومية".

 

وقد كانت مقتضيات العمل الوطني والبقاء في الشتات وتجميع طاقات المجتمع الفلسطيني تبرر تنظيما جامعا دامجا شموليا مثل هذا، تقف على رأسه اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير. وكان هذا ضروريا ايضا للحفاظ على الهوية الجماعية للفلسطينيين، وللحفاظ على الذات وتحديد ماهيتها إزاء الاقتلاع والنفي والتهديد بالاندثار.

 

لكن التناقض الداخلي الكامن في هذا النموذج بان بوضوح بعد نقله لحكم شعب على أرضه وتماهي منظمة التحرير مع السلطة الفلسطينية. هذا التناقض يكمن في الدمج بين مؤسسات مجتمعية، والتي أصبحت تعرف على أنها مؤسسات مجتمع مدني، مع السلطة الفلسطينية بعد إنشائها على أنها مؤسسات منظمة التحرير التي أصبحت السلطة الفلسطينية تمثلها بسبب عدم الفصل بين الاثنتين. 

 

ولم يفطن أحد على ما يظهر لخطر نقل هذا النموذج، الشامل والدامج والجامع، لغرض حكم شعب على أرضه. وأصبح لدى السلطة الفلسطينية "منظمات غير حكومية، حكومية"، منها إتحاد المعلمين الذي يقف على رأسه "مقربين" من الحكومة.

 

وفي هذه الحالة، وبطريقة غير مباشرة، اصبحت الحكومة، التي هي المشغل، أيضا تمثل العاملين الذي هم المعلمين. صاحب العمل يمثل العمال! تعارض في الأدوار وتعارض في المصالح.

 

ومن الجلي أن الاتحاد العام للمعلمين، وسائر ما يعرف بالأطر أو "المنظمات الشعبية" ضمن البنية التنظيمية لمنظمة التحرير، ليست أطارا نقابية، كما صمم النموذج في الشتات، لأن المعلمين الفلسطينيين في الخارج لا يوجد لهم مشغل واحد، كونهم موزعين على دول عدة عربية وغير عربية.

 

 وهذا ينطبق على باقي المنظمات الشعبية. ولم يكن هذا الهدف أصلا من إنشاء هذه المنظمات كما أسلفت. ولم يلتفت الشموليين والدامجين على ما يبدو، إلى مفارقة كبيرة بأن تقوم الحكومة بعد إنشاء السلطة الفلسطينية بقليل، بتشكيل مجلس للمنظمات غير الحكومية، بروح النموذج الشمولي الدامج، الذي تضمن في عضويته المنظمات الحكومية "غير الحكومية"، أي تلك الممولة من الحكومة وتمثلها مجتمعيا.

 

ومن منظور المعلمين الملتزمين بدعوة الحراك لعدم فك الإضراب، إن قيادة الاتحاد العام حسب قول الناطق باسم الحراك مؤخرا، الأستاذ خالد شبيطة، هي جزء من "الدولة العميقة"، وأفترض أنه يقصد حركة فتح، أو للدقة، أجزاء من الحركة، التي بقدر أو آخر تماهت هي الأخرى مع السلطة الفلسطينية، التي أصبحت غير منفصلة عن منظمة التحرير.

 

ذلك أن الأمين العام للاتحاد العام للمعلمين عضو في إقليم وسط الخليل في حركة فتح، وأن المفوض العام للمنظمات الشعبية عضو في اللجنة المركزية لفتح. هذه المنظمات تتبع لمنظمة التحرير، وقد أصبحت الآن تابعة لدولة فلسطين كما هي مصنفة في موقع رسمي. بالتالي، يصبح الأمين العام للاتحاد موظف دولة، حتى لو لم يتقاضى أجرا في هذه الوظيفة.

 

بطبيعة الحال، لا توجد مشكلة من ناحية المبدأ في العضوية الحزبية للبعض في قيادة الإتحاد، بشرط عدم كونهم أيضا موظفين في الدولة. وربما أن المشكلة تكمن إضافة في طبيعة النظام السياسي الفلسطيني الحالي من حيث غياب التعددية الحزبية بسبب الانقسام وبسبب ضعف الأحزاب الموجودة ضمن إطار اللجنة التنفيذية للمنظمة.

 

مضاف إلى هذا غياب الآلية الضرورية لنشؤ أحزاب جديدة مما يؤدي إلى نظام تتشكل فيه الحكومة من حزب واحد إضافة إلى عدد من المستقلين أو آخرين من الأحزاب "الموالية"، الأمر الذي لا يعكس التعددية الموجودة في المجتمع الفلسطيني.

 

إن مشكلة الإتحاد العام للمعلمين غير مستقلة عن تكلس النظام السياسي الفلسطيني وعن عدم الفصل بين المنظمة والسلطة الذي طالما طالب العديدين بالفصل بينهما. وهي ناجمة أيضا عن عدم وجود انتخابات دورية للمجلس التشريعي التي من شأنها إتاحة الفرصة لنشؤ أحزاب جديدة، أو كتل انتخابية تتحول إلى أحزاب مع تواتر الدورات الانتخابية. ولا توجد طريقة أخرى لإصلاح النظام السياسي الفلسطيني في الظرف الراهن.