08:46 am 2 يناير 2019

الصوت العالي

أفولُ حركة فتح ومنظّمة التحرير!

أفولُ حركة فتح ومنظّمة التحرير!
بقلم خالد بركات

سيطرتْ حركةُ فتح منذ نصف قرن تقريبًا على المشهد السياسيّ الفلسطينيّ، وعلى معظم الدوائر والمؤسّسات في منظّمة التحرير الفلسطينيّة. واستَخدمتْ كلَّ الأساليب والأدوات لإدامة هيمنتها على القرار السياسيّ: من المال، إلى شيطنة كلِّ رأي مخالف لـ “القيادة” أو “الشرعيّة،” وصولًا إلى السجن والقمع، وتوظيفِ الحصار والاستقواءِ بالعدوّ على خصوم الداخل.


وإذا كان هدفُ هذه السياسات الأوّل تكريسَ نهج التفرّد، فقد كان له هدفٌ آخر أيضًا، هو تحقيقُ مصالح طبقة فلسطينيّة ارتبطتْ بالأنظمة العربيّة الرجعيّة؛ أنظمة اعتَبرتْ حركةَ فتح، منذ إطلاق “الرصاصة الأولى،” أداتَها وحزبَها السياسيّ في الساحة الفلسطينيّة. فالحقّ أنّ حركة فتح كانت، وما تزال، خيارَ طبقة المال العربيّة، والحصانَ الفلسطينيَّ الذي راهن عليه النظامُ الرجعيّ العربيّ، بقيادة السعوديّة (الخليج) بدايةً، ولاحقًا نظام كامب ديفيد ونظام وادي عربة، من أجل السيطرة على منظّمة التحرير. واليوم، يمكن القول إنّ منظّمة التحرير أصبحتْ جزءًا لا يتجزّأ من معسكر “الاعتدال العربيّ” في المنطقة، وإحدى أدوات التبعيّة شبهِ المُطلقة للولايات المتّحدة.


فالحال أنّ “القيادة” أو “الشرعيّة الفلسطينيّة” تتبنّى المواقفَ السعوديّة بالكامل تقريبًا في الجامعة العربيّة، بما في ذلك: تأييدُ الحرب الوحشيّة على شعب اليمن، واستعداءُ محور المقاومة، والمشاركةُ في حصار غزّة. كما أنّ هناك قياداتٍ في اللجنة المركزيّة لحركة فتح تقوم اليوم بدور وكيل الاحتلال، وتشكّل جسرَ التطبيع ورأسَه مع الكيان الصهيونيّ.


لقد تحوّلت الحركة، بعد 54 سنة، إلى مجموعة مراكز أمنيّة وماليّة ودكاكين مُلحقة بعواصم الإقليم، تتقاسمها الرياض ودبيّ وتل أبيب والقاهرة وعمّان. وبالتدريج انتقلتْ قيادةُ الحركة (أو قيادةُ منظّمة التحرير ــ ــ فكلتاهما في الحقيقة تدلّان على شيء واحد) لتصبح أداةً من أدوات تصفية القضيّة الفلسطينيّة، وذلك عبر إعادة إنتاج معنًى لـ”فلسطين” ومعنًى لـ”الحقوق الوطنيّة المشروعة للشعب الفلسطينيّ”: بحيث تُحصَر فلسطين في أقلّ من 23% من مساحتها الفعليّة، وتُختزَل الحقوقُ الوطنيّة المشروعة في مصالح فئةٍ محدودةٍ من المستثمرين ودهاقنةِ السياسة والتدجيل.


وبهذا تَصْدق نبوءةُ الشهيد الفنّان ناجي العلي عن مآلات قيادةٍ فلسطينيّةٍ مهزومة تزحف نحو التطبيع، ونحو البحث عن حلٍّ لأزماتها المستديمة، لا لمآسي شعبٍ مشرَّدٍ بين المَهاجر والخِيام. وبهذا أيضًا تتأكّد المقولاتُ التي جاءت في المقالات والوثائق التي وضعها الشهيدُ الأديب غسّان كنفاني، حين اعتبر أنّ البرجوازيّة الفلسطينيّة الكبيرة تَخون الثورةَ حين تخيَّر بين مصالحها الطبقيّة ومصالحِ الطبقات الشعبيّة، وأنّ شعارَ “الدولة الفلسطينيّة” يهدف في الجوهر إلى تصفية القضيّة الفلسطينيّة من خلال تأسيس كيان فلسطينيّ مسخ في الضفّة المحتلّة.


ما تقدّم أعلاه يثير الحزنَ والأسى والغضب في صفوف آلاف المناضلين من أبناء الحركة والعوائل الفلسطينيّة الفتحاويّة التي قدّمت الشهداءَ والأسرى والجرحى على مدار المراحل الماضية من أجل تحقيق أهداف الشعب الفلسطينيّ. لكنّ هذا التاريخ الكفاحيّ المُشرق جرى السطوُ عليه من الداخل؛ فقد “شفطتْه” القياداتُ المهزومة من “الفتحاويين الجدد” الذين احتلّوا المواقعَ القياديّة المقرَّرة في الحركة بعد الخروج من بيروت عام 1982. وباتت هذه الهياكل تتّكئ على “تضحيات فتح” وكأنّها هي التي صنعتْ تلك التضحيات. صار تاريخُ “شهداء فتح وأسراها” بمثابة رصيدٍ تستقوي به على الآخرين قيادةٌ لم تقاتلْ في أيّ يوم، وتحتكر بفضله كلَّ القرارات الماليّة والسياسيّة والأمنيّة والإعلاميّة وغيرها.


اذا كان ثمة درسٌ تاريخيٌّ جوهريٌّ يمكن تقديمُه لحركة فتح، فهو الدرسُ الذي قدّمتْه كلُّ حركات التحرّر الوطنيّة التي هُزمتْ أمام عدوّها فأدارت له ظهرَه وتحوّلتْ إلى قتال شعبها الذي لم يتوقّف عن قتال الاستعمار: إنّه درسُ الموت المحقَّق لنهج التفرّد والإقصاء. وهذا الشعب في وسعه أن يشكّل قواه الجديدة، أو يضعَ ثقلَه خلف قوًى وطنيّةٍ موثوقة، إذا فشلت “القيادةُ” الفتحاويّة في الارتقاء إلى مستوى تضحياته. وهذا ما حدث فعلًا في انتخابات العام 2006 حين فازت حركةُ حماس. وعلى هذه الأخيرة أن تقرأ درسَ حركة فتح جيّدًا، وألّا تستنسخَه!


قد يذهب قومُ السلطة في رام الله المحتلّة إلى تشكيل “برلمان فلسطينيّ” تتقاسمه حركةُ فتح مع القطاع الخاصّ وبقايا زواحف المرحلة في منظّمة التحرير. وقد يغيّر هؤلاء الترويسةَ الرسميّة والشعاراتِ والمراسيمَ المطبوعةَ على الورق، وشكلَ المعاملات الحكوميّة. وقد يطْلقون على سلطتهم البائسة “دولةَ فلسطين العظمى.” لكنّ هذا كلَّه لا قيمةَ له في ميزان السياسة وحسابات القوّة والتاريخ؛ فكلُّ الأوكسجين في الكوْن لن يُعيدَ إلى الحياة جثّةً ميّتةً هامدة.


لقد آن الآوان لولادةٍ فلسطينيّة جديدة، تتحمّل فيها قوى المقاومة الفلسطينيّة والعربيّة، ومعها قواعدُ حركة فتح من المناضلين والمناضلات، مسؤوليّتَها التاريخيّةَ والسياسيّة. كما آن الأوان لتَشْرع هذه القوى في تأسيس بديل ثوريّ ديمقراطيّ لصالح الأكثريّة الشعبيّة الفلسطينيّة في الوطن والشتات؛ بديلٍ يوحِّد الشعبَ والكلَّ الوطنيّ، ويحميه، ويصون ثوابتَه وحقوقَه المشروعة.