05:37 am 1 مايو 2022

الصوت العالي

كتب تيسير خالد: تبعية الاحتلال وتدهور الاقتصاد

كتب تيسير خالد: تبعية الاحتلال وتدهور الاقتصاد

الضفة الغربية- الشاهد| تحتفل الطبقة العاملة الفلسطينية هذا العام بعيد العمال العالمي ومستقبل نضالنا الوطني يقف على مفترق طرق .

 

 وفي مناسبة كهذه يقف من هو في اليسار وفي صف الحركة العمالية والنقابية في موقع الدفاع عن حقوق ومصالح العمال في مواجهة ما يتعرضون له من ظلم واستغلال على أيدي أرباب العمل . هذا هو الطبيعي والمتعارف عليه في تراث وتقاليد الحركة العمالية والنقابية .

 

اقتصادنا الوطني هو الآخر يقف على مفترق طرق ، فإما التحرر من التبعية للاقتصاد الاسرائيلي والانطلاق نحو افاق أرحب تفتح أمامه فرص التطور وإما مواصلة الدوران في مزيد من التبعية والتدهور والركود .

 

 وفي الظروف الاقتصادية والوطنية الصعبة التي نمر بها لا أجد من موقعي كيساري فلسطيني حرجاً في الدفاع عن الطبقة العاملة الفلسطينية وعن الصناعيين الفلسطينيين والصناعة الفلسطينية في آن .

 

 

 غير أن ما وصلت إليه أوضاعنا المعيشية والاقتصادية على وجه التحديد يدفعني من الموقعين الوطني والطبقي لمحاولة التوفيق بين الدفاع عن حقوق ومصالح العمال والدفاع عن الصناعة الوطنية ، التي تدهورت أوضاعها على نحو مفزع ليس فقط بسبب سياسة الاحتلال بل وكذلك السياسة الخاطئة التي مارستها الحكومات المتعاقبة في السلطة الوطنية الفلسطينية.

 

هنالك ترابط واضح بين حالة التدهور التي تمر بها الصناعة الوطنية بشكل خاص والاقتصاد الوطني بمختلف فروعه وخاصة الانتاجية منها بشكل عام وحالة الاحباط والاحتقان التي تمر بها الطبقة العاملة الفلسطينية .

 

الصناعة الوطنية صناعة بسيطة ، وهي في هيكلها الأساس صناعة تحويلية ، بعضها شق طريقه بصعوبة بالغة في ظل القيود والضغوط الهائلة لسياسة الاحتلال الاسرائيلي وفي ظل القيود التي كبلها بها اتفاق باريس الاقتصادي.

 

و الذي تم التوقيع عليه مع حكومة إسرائيل عام 1994. سوق اقتصادية واحدة وغلاف جمركي واحد بين اقتصاد بسيط وآخر متطور تقوده ثورة العلوم والتكنولوجيا والاتصالات ، وضعت قيوداً وولدت ضغوطاً لا يمكن تجاهلها بانعكاساتها السلبية على أداء الاقتصاد الفلسطيني.

 

 وتطور الصناعة الفلسطينية . ورغم ذلك شقت بعض الصناعات الفلسطينية طريقها في ظل هذه القيود والضغوط .

 

وكان قطاع الزراعة يوفر العمل لنحو 39 % من العاملين في القطاع الخاص لتتراجع هذه النسبة على نحو مفزع بعد قيام السلطة لاعتبارات متعددة .

 

فقد طال التغيير في هيكل العمالة القطاع الزراعي لإقبال العاملين في هذا القطاع على العمل في المشاريع الاسرائيلية من ناحية والعمل في الوظائف الحكومية للسلطة الوطنية من ناحية أخرى .

 

وهكذا بدأ الاقتصاد الفلسطيني يعاني تشوهاً في تركيبته وبنيته ، حتى أصبح قطاع الخدمات يشكل حوالى 66% من إجمالي الناتج المحلي الاجمالي على حساب القطاعات الإنتاجية ، وقطاع الزراعة يشكل حوالى 3% والصناعة 13% والإنشاءات 8%.

 

لنستنتج من ذلك أن بنية الاقتصاد الفلسطيني لم تعد مولدة للعمالة كون الجزء الأكبر منها يتركز في القطاعات غير الإنتاجية.

فالناتج المحلي الإجمالي تراجع في هذه السنوات وحصة الفرد من الناتج القومي الاجمالي انخفض بحدة والبطالة أخذت تتصاعد بمعدلات عالية ، ومعدل الإعالة الاقتصادية أخذ يرتفع في الضفة الغربية .

 

صحيح أن لدينا قانون لتشجيع الاستثمار ، غير أن القانون بحد ذاته لا يكفي ، وصحيح كذلك أن الاستثمار وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية بحاجة إلى درجة من الاستقرار السياسي وإلى خفض عنصر المخاطرة.

 

 غير أن الصحيح أيضاً أن السلطة الفلسطينية لم تبذل جهداً ملموساً في هذا الاتجاه وأعفت نفسها من أي تدخل ، وقد كان مطلوباً ، من أجل توجيه دور الجهاز المصرفي والمالي وحفزه للتدخل وتقديم التسهيلات الائتمانية الضرورية .

 

 فقد كان ولازال على السلطة الفلسطينية ، أن تعمل على حفز سلطة النقد الفلسطينية لتعزيز رقابتها على الجهاز المالي والمصرفي ودفعه نحو تقديم التسهيلات الائتمانية فضلاً عن التدخل لوقف تحويل ودائع المواطنين إلى الخارج.

 

 وكان عليها أن تسعى جدياً لتأسيس بنك إقراض صناعي من أجل تنمية القطاع الصناعي وتوفير القروض الضرورية للمشاريع المتوسطة والصغيرة هذا إلى جانب التحرر في الحد الادنى من بعض قيود اتفاق باريس الاقتصادي بخفض ضريبة القيمة المضافة على المنتجات المحلية من أجل تشجيع الطلب عليها.

 

 وتحسين قدرتها التنافسية وتوفير الحماية لعدد من الصناعات الوطنية من خلال ذلك ومن خلال فرض رسوم جمركية على عدد من السلع المستوردة المنافسة وخاصة السلع الاسرائيلية ، التي استحوذت دون ضرورة أو حاجة على نسبة جيدة من السلع المعروضة في الاسواق الفلسطينية .

 

واذا ما واصلت الحكومة الفلسطينية الحالية السير على نهج من سبقها من حكومات ( وهي كما هو واضح تسير على ذات النهج ) ، فسوف لن يجد المواطن فسحة من أمل .

 

 إن المواطن يتساءل كم هي النسبة المئوية ، التي جرى تخصيصها من مجمل الموارد المالية المتاحة للسلطة الفلسطينية على امتداد سنوات سواء من العائدات الضريبية المختلفة او اموال الدول والجهات المانحة للاستثمار في التنمية للنهوض بأوضاع القطاع الخاص .

 

 الاجابة مفزعة حقاً ، حيث لم تتجاوز هذه النسبة حدود 5 بالمئة ، على امتداد هذه السنوات . أبعد من ذلك ، فقد مارست الحكومات الفلسطينية سياسة ساهمت في الحاق افدح الاضرار بقطاعات الاقتصاد الوطني الفلسطيني الصناعية والزراعية والخدماتية ، عندما فتحت الاسواق الوطنية لكل ما هو مستورد على حساب تشجيع المنتجات الوطنية.

 

 وتوفير حد مقبول أو حد ادنى من متطلبات حمايتها . هذا فاقم من أزمة الاقتصاد الوطني واسهم بكل تأكيد في نمو البطالة وفي زيادة معدلات الفقر وفي تدهور مستوى المعيشة وفي تدني مستوى الاجور في القطاع الخاص بفعل المنافسة الحادة في سوق العمل.

 

 وهو ما يملي على هذه الحكومة مراجعة جادة ومسؤولة للسياسة الاجتماعية والاقتصادية التي سارت عليها الحكومات الفلسطينية المتعاقبة .

 

يجب التحرر من القيود الثقيلة لاتفاق باريس الاقتصادي من أجل فتح الطريق أمام تنمية فلسطينية مستدامة واقتصاد وطني فلسطيني قادر على النمو والتطور وفق شروط وطنية .

 

 الاعتبارات لذلك كثيرة من بينها أن إسرائيل تتحكم بالمعابر والحدود وحركة النقل والتجارة وحركة الافراد من والى فلسطين بالكامل ، ولا يستطيع الاقتصاد الفلسطيني الاستيراد أو التصدير من ومع دول لا تقيم إسرائيل علاقات سياسية .