10:26 am 2 مايو 2022

الصوت العالي

كتب خالد بطراوي: دولة الكادحين

كتب خالد بطراوي: دولة الكادحين

رام الله – الشاهد| كتب خالد بطراوي: كثيرة هي التغريدات على صفحات التواصل الاجتماعي التي تؤيد إضراب العاملين في هذا القطاع أو ذاك، وكثيرة هي التغريدات أيضا التي تنتقد تردي الأوضاع الاقتصادية وموجات الغلاء التي تشهدها الأسواق الفلسطينية. وفي ذات الوقت تردد الكثير من التغريدات تأكيداتها على أننا لن نرحل من هذا البلد إذا كان هدف القائمين على السياسات الاقتصادية هو زيادة هجرة أهل البلد.

 

وهنا، ندخل في صلب السياسات الاقتصادية الفلسطينية منذ قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية الى هذه اللحظة ويجب علينا أن نواجه الحقائق.

 

أولى هذه الحقائق أن السلطة الوطنية الفلسطينية قد أخفقت في أن تتوجه اقتصاديا نحو "التنمية من أجل الصمود" وقد سبق لنا وأن كتبنا في هذا الصدد. لقد تنبهت القوى الوطنية الفلسطينية مطلع ثمانينات القرن المنصرم وعقدت مؤتمرا على مدار عدّة أيام نظمه الملتقى الفكري العربي / القدس بعنوان " التنمية من أجل الصمود".

 

إذ كانت هذه القوى تعي وعيا كاملا أن لا تنمية حقيقية تحت حراب الاحتلال وبسطار العسكر، بل أن ما نحتاجه هو تنمية تهدف الى خلق مقومات صمود المواطن على أرضه، فكانت هناك معادلة موزونة بين الحفاظ على رأس المال الفلسطيني الإنتاجي وعلى تأمين بعض حقوق الطبقة العاملة، أي معادلة موزونة بين الطبقي والوطني.

 

ثاني هذه الحقائق يتعلق بإخفاق السلطة الوطنية الفلسطينية في الانحياز للجماهير الكادحة، إذ لم تعلن صراحة منذ بداية تشكلها أنها طبقيا تقف الى جانب الطبقة العاملة والفلاحين والطبقة الوسطى، بل على العكس تماما انحازت كل الانحياز لطبقة البرجوازية.

 

ويا ليتها انحازت للشريحة المتدنية والوسطى منها، بل لشرائح البرجوازية العليا وبضمنها تلك التي تعمل في قطاع البنوك والخدمات كالاتصالات والتأمين، وتلك التي تعمل وسيطا تجاريا لتسويق كافة السلع الاستهلاكية المستوردة من كل بلاد العالم ومن المحتل نفسه ومستعمراته، وحاربت بشكل أو بآخر وبطريقة غير مباشرة البرجوازية الفلسطينية العاملة في قطاع الإنتاج إذ أصبح من الأوفر ماليا -على سبيل المثال- لمصنع ينتج سلعة معينة أن يستوردها لأن المردود المالي أعلى من لو قام بإنتاجها، والى حد ما تصدت السلطة الوطنية للطبقة العاملة والفلاحين والطبقة الوسطى التي بات جزء كبيرا منها يتجه في اقتصادياته الى ما دون خط الفقر.

 

لقد أراد الجميع، والمقصود كل الدول التي أوصلتنا الى اتفاق "أوسلو" أن يكون الكيان الوطني الفلسطيني كيانا تابعا ملحقا أولا بالاحتلال وثانيا بدول الجوار وثالثا بالتجاذبات الإقليمية ورابعا بالتوازنات الدولية.

 

لقد كنا نعي ذلك منذ البداية، وكانت الفكرة برمتها من القبول الخجول، هو تأمين تواجد الكيان الوطني الفلسطيني على أرض الوطن أولا والتصدي لهذه المعادلات باعتبارها محطة نضالية جديدة من داخل الأرض المحتلة لفرض إرادتنا كما كنا نفعل دوما، بمعنى العودة الى الاستراتيجية القائلة بأن الأرض المحتلة هي الساحة الرئيسية لكل أشكال النضال.

 

كان يتوجب علينا، أن نعكس المعادلات على أرض الواقع بأن نخلق مقومات الصمود المقاوم،  لا أن نتساوق مع كل ما خطط كي يبقى الكيان الوطني الفلسطيني كيانا تابعا ويتحقق الهدف الإمبريالي العام، وهو أن يختزل المواطن الفلسطيني أحلامه لتصبح مقصورة فقط وفقط على تحقيق أحلامه الفردية وأحلام أسرته النووية المصغرة في تأمين قوتها اليومي ولقمة عيشها وتعليم الأبناء والابتعاد عن المشاركة في الهم الوطني العام، تحت وطأة المديونية للبنوك وتسديد فواتير خدمات قطاع الاتصالات والمياه والكهرباء، وقد تحقق على أرض الواقع هذا الهدف بشكل مجزوء لدى البعض.

 

لقد أطلقت السلطة الوطنية الفلسطينية العنان لرأسمالية الدولة الاحتكارية من خلال السيطرة على مدخلات الوقود والطاقة، والاستفادة الكبرى من الضرائب المفروضة على التبغ واستيراد المركبات وغيرها من السلع التي تدر دخلا لا يستهان به الى خزينة الدولة يصل الى نحو 80% من الإيرادات وذلك يتقبله البعض ويبرروه.

 

كما وأطلقت العنان لقطاع الخدمات وتحديدا البنوك وشركات الاتصالات وشركات التأمين، وعلى الرغم من فرض ضرائب عالية عليها إلا أن أرباحها تسجل ارتفاعا مستمرا تتغنى به هذه الشركات ويعود بالفتات على صغار المساهمين فيها. وفي ذات الوقت فتحت سلطة الكيان الوطني الفلسطيني الباب على مصراعيه لنمو شريحة البرجوازية الوسيطة " الكمبرادور" التي تستورد كل ما هب ودبّ من السلع ضاربة بالمنتج المحلي.

 

إذا، انتصرت وانحازت السلطة الوطنية الفلسطينية بالمطلق وليس بالنسبي الى البرجوازية وعجزت فصائل اليسار ليس فقط على أن تشكل ثقلا سياسيا، بل وأيضا عن أن تنحاز طبقيا لصالح العمال والفلاحين والطبقة الوسطى رغم أنها تدّعي كذلك، فبات حتى احتفالها بالأول من أيار، يوم العمال العالمي خجولا.

 

وماذا بعد، هل فات الآوان؟ بالقول أنه قد تشكلت الملامح الاقتصادية لدولة الكيان بالابتعاد أكثر فأكثر عن التوجه الاشتراكي التشاركي المنحاز "لحطب الثورة والكفاح" أي للشعب برمته من عمال وفلاحين ووقود الثورة ذوي الشهداء والأسرى والجرحى؟.

 

والجواب، بالقطع لا ... ويجب ألا نسمح بأن يكون " نعم" ... ما زال هناك الفرصة للعودة الى المسار الحقيقي الذي ينتصر للكادحين والطبقات الوسطى ويحد من غطرسة وتسلط رأس المال وبشكل أساسي الخدماتي غير الإنتاجي والتسويقي الاستيرادي ومن تغول قطاع البنوك والمصارف وشركات الاتصالات والى حد ما قطاع التأمين.

 

ويلزم لذلك أولا وجود إرادة سياسية تنتهج هذا النهج وتعيد الأمور الى سياقها الصحيح القائل بأن كل نضالات الشعب العربي الفلسطيني هذه ، لم تكن تهدف في يوم من الأيام لسيادة الرأسمالية ودعم الاحتكارات وإنما لتأمين بسط السيادة الفلسطينية على الأرض الفلسطينية وإنشاء الدولة الفلسطينية العتيدة دولة العمال والفلاحين والطبقات الوسطى، وتلك مهمة استنهاضية للأجيال الجديدة الشابة لتتبوأ موقع القيادة متسلحة بالمعرفة والتكنولوجيا والإيمان بمستقبل الشعوب والشيخوخة الصالحة للقيادة التي شاخت.

 

صدقت قصيدة الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم والتي غناها الشيخ إمام بعنوان " شيّد قصورك" والتي جاء فيها " شيّد قصورك ع المزارع .. من كدنا وعرق إيدينا ... والخمارات جنب المصانع ... والسجن مطرح الجنينة ....".