جريمة جنين تفضح عقيدة القتل الإسرائيلية

جريمة جنين تفضح عقيدة القتل الإسرائيلية

جنين – الشاهد| خط الكاتب نبهان خريشة مقالاً حول الجرائم اليومية التي يرتكبها جيش الاحتلال في الضفة الغربية، وتحديداً جنين ومخيمها، والتي كان آخرها إعدام شابين بدم بارد وهدم عشرات المنازل، وفيما يلي نص المقال كاملاً.

لم يكن ما جرى في جنين مجرد حدث عابر في سيل الجرائم اليومية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، بل كان تجسيداً واضحاً لعقيدة راسخة لدى الجيش الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة العبرية، عقيدة تقوم على القتل من أجل الردع، وعلى إخماد أي مقاومة أو حتى مجرد وجود فلسطيني يرفض الخضوع.

مشهد إعدام شابين فلسطينيين أعزلين بدم بارد، بعد أن ظهر بوضوح أنّهما لا يحملان سلاحاً ولا يشكلان أي خطر، هو جزء صغير من سلوك متكرر لا ينفصل عن أهداف الاحتلال الاستراتيجية، ولا يمكن فهمه على أنه سلوك فردي أو انفعالي من جنود ميدانيين، بل هو تنفيذ حرفي لتعليمات عسكرية وسياسية تُسوّغ القتل وتمنحه مشروعية مطلقة.

منذ بدايات تشكُّل العقيدة القتالية لجيش الإحتلال الإسرائيلي بعد عام 1948، بدا واضحاً أن المؤسسة العسكرية لم تتعامل مع العنف كضرورة أمنية عابرة، بل كامتداد لفكرة وجودية ترى في الفلسطينيين امتداداً تاريخياً لمن صوّرتهم النصوص الدينية اليهودية كـ“عماليق” يجب محوهم.

ففي اللحظة التي تأسس فيها الجيش اندمجت في بنيته ذهنية توراتية تُصوِّر الأرض مُلكاً حصرياً للشعب اليهودي، وتُبرِّر كل أشكال الإقصاء والتطهير تجاه السكان الأصليين. لم يكن ذلك خطاباً دينياً معزولاً، بل أصبح جزءاً من التربية العسكرية، حيث جرى استدعاء روايات قديمة مُفعمة بالكراهية التاريخية وتوظيفها في واقع سياسي جديد.

النكبة وما رافقها من تهجير واسع للفلسطينيين لم تُقدَّم كجريمة حرب، بل كتحقق لوعد تاريخي وتصفية لحضور “أعداء الحياة اليهودية”. ومع مرور العقود، لم تتراجع هذه الرؤية بل تجذرت أكثر في السياسات القتالية للجيش، خاصة مع توسع الاحتلال وظهور أجيال جديدة من الجنود تربّوا على خطاب ديني وسياسي متشابك يعتبر الفلسطيني كائناً خطراً بطبيعته، وأن القضاء عليه واجب دفاعي مقدس.

هذه العقلية انعكست في الممارسات اليومية: من الإعدامات الميدانية، إلى العقاب الجماعي، مروراً بهدم المنازل واقتحام المدن والمخيمات، وصولاً إلى محاولات محو الهوية الفلسطينية. لقد أصبح الفلسطيني في الوعي العسكري امتداداً لعدو غابر، ما يجعل قتله أو طرده فعلاً مقبولاً بل ومرغوباً لتحقيق “الخلاص”. هكذا أُسقطت نصوص الكراهية القديمة على الجغرافيا والسياسة الحديثة، ليولد جيش يستمد شرعية العنف من رواية توراتية تعيد إنتاج الإبادة بوسائل معاصرة.

القضية الجوهرية هنا أن جنود الاحتلال الذين نفذوا جريمة الإعدام في جنين لم يتحركوا بدافع شخصي أو قرار فردي. لم يُقدم أي جندي على إطلاق النار كـ”استثناء” أو خرق للأوامر، بل فعل ذلك وهو يعلم أن المؤسسة العسكرية تحميه، وأن القرارات العليا تمنحه الضوء الأخضر لاستهداف الفلسطيني حتى لو رفع راية بيضاء. الجندي هنا أداة، والسياسة هي القاتل الحقيقي. فالتعليمات الميدانية لا تترك مجالاً للتردد: أي فلسطيني في محيط مواجهة هدف مشروع، والاستسلام لا يعفي من القتل، بل ربما يؤدي إليه أسرع، لأن الهدف ليس استجواب أحد بقدر ما هو إرسال رسالة رعب إلى مجتمع كامل.

هذا التحوّل من “استثناءات” إلى “سياسة” لم يأت من فراغ. في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ صعود اليمين الأكثر تطرّفاً في الحكم، سعى صانعو القرار الإسرائيليون إلى توسيع مفهوم الردع ليشمل ليس فقط قتل الفلسطيني عند الاشتباه به، بل أيضاً تحويل الإعدام إلى تشريع رسمي. وهنا يأتي الدفع المتسارع نحو إقرار قانون الإعدام في إسرائيل، ليس كأداة قانونية لمعاقبة مجرمين، بل كقانون عنصري حصراً يستهدف الفلسطينيين تحت ذريعة “الإرهاب”. فبدلاً من محاسبة من قتل ظلماً، يجري تمهيد الطريق كي يتحوّل القتل إلى حكم قضائي يصدر باسم الدولة.

اليمين الإسرائيلي، يرى في الدم الفلسطيني وسيلة لضمان الأمن اليهودي، لا يكتفي بالقتل الميداني دون محاسبة، بل يسعى لتقنينه حتى يبدو وكأنه ممارسة طبيعية وضرورية لحماية المجتمع الإسرائيلي. لكن الحقيقة أن هذا القانون يعكس حالة نفسية وسياسية متجذرة في إسرائيل: الخوف من الفلسطيني حيّاً أكثر من الخوف منه ميتاً. فالمجتمع الإسرائيلي، أو على الأقل قطاعات واسعة منه، يتبنى مقولة معروفة تتكرر في الخطاب العام: “الفلسطيني الجيد هو الفلسطيني الميت”. هذه العبارة، التي قد تبدو صادمة، ليست من وحي خطاب الكراهية فقط، بل تحوّلت إلى مشروع سياسي عملي، تتجسد نتائجه يومياً على نقاط التفتيش، وفي شوارع المدن والمخيمات الفلسطينية.

من جهة أخرى، فإن عصر السوشال ميديا أنهى زمن القتل السري. كاميرات الهواتف تبثّ البراهين في لحظتها، كلها تجعل العالم شاهداً على كل رصاصة تطلق وعلى كل جثة تُنهش بجرافة عسكرية. هذا الانكشاف الإعلامي لا يمنع الجريمة، لكنه يعرّي الأكاذيب ويكشف هشاشة ادعاء إسرائيل بأنها “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”. فكيف لجيش يدّعي الأخلاق أن يطلق النار على شاب أعزل يستسلم؟ وكيف يدّعي احترام القانون الدولي وهو يدهس جثة إنسان بعد قتله؟ وكيف يفاخر بقيمه وهو يشيطن شعباً بأكمله ويعامل حياته كشيء لا قيمة له؟

عمليات الإعدام في جنين ليست سوى واحدة من آلاف الحالات التي سُجّلت عبر العقود. من غزة إلى نابلس والخليل، تتكرر الرواية: الفلسطيني يُقتل ثم تُلصق به تهمة لاحقاً. أما التحقيقات، فهي في أفضل أحوالها إجراءات شكلية تنتهي بعبارة “لا توجد مخالفة تستوجب العقوبة”. هذه المنظومة من الإفلات من العقاب تشجع الجندي على الضغط على الزناد دون خوف. هو يعلم أنّ دولته، قضاؤها، حكومتها، وحتى جزء كبير من مجتمعها المدني سيقفون خلفه، وسيتقبلون روايته حتى لو كذّبتها كل الأدلة.

المفارقة التي تكشف ازدواجية إسرائيل الأخلاقية أنّها لا تزال تُقدّم نفسها للعالم كديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، وتطلب دعماً سياسياً وأخلاقياً من دول تتبنى المعايير نفسها. لكنها كلما قتلت فلسطينياً أعزل، كلما سقط قناع “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” أكثر فأكثر، وتكشّف الواقع الحقيقي لدولة تبني وجودها على العنف المؤسّس والتمييز العنصري.

إن جريمة الإعدام في جنين، وما شابهها من جرائم قتل دون محاكمة، تمثل لحظة اختبار للعالم أيضاً. فالصمت على هذه الجرائم يعني إعطاء الضوء الأخضر لمزيد من الدماء. والسكوت عن تشريعات الإعدام التمييزية يعني أن المجتمع الدولي يقبل بتحويل القانون إلى أداة قتل ممنهج. وإذا كانت التكنولوجيا قد فضحت السلوك الإجرامي للاحتلال، فإن مسؤولية العالم الآن أن يترجم هذا الانكشاف إلى محاسبة، لا إلى مزيد من البيانات الفارغة.

في النهاية، هذه الجرائم ليست فقط اعتداءً على جسد الفلسطيني، بل هي هجوم على فكرة العدالة ذاتها. فحين يصبح القتل هو الوسيلة الأسهل للتعامل مع شعب يسعى لنيل حريته، وحين تنقلب منظومة الردع إلى منظومة تصفية، فإننا نكون أمام سياسة لا تنوي إنهاء الاحتلال بل ترسيخه عبر سياسة الرعب.

وهكذا، فإن إعدام الشابين في جنين ليس خاتمة، بل جرس إنذار متجدد: إسرائيل مستمرة في تحديث أدوات القمع القديمة بأشكال أشد عنفاً وعلانية. والفلسطيني ما زال يدفع حياته ثمناً لعنصرية دولة ترى وجوده عيباً يجب التخلص منه. ومع كل دليل، وكل فيديو، وكل قطرة دم، تتساقط أوهام الأخلاق الإسرائيلية، ويتأكد أن الاحتلال لا يملك إلا القوة الغاشمة، وأن روايته الأخلاقية المزيفة سقطت في ساحة جنين تماماً كما سقط فيها جسدا الشهيدين.

إغلاق