17:17 pm 4 سبتمبر 2022

الصوت العالي

كتبت ميساء أبو زيدان: ما بعد "بازل" وقُبيل "الثامن"

كتبت ميساء أبو زيدان: ما بعد "بازل" وقُبيل "الثامن"

رام الله - الشاهد| كتبت ميساء أبو زيدان: تحضيراتٍ كبيرة تمت لِإحياء ذكرى مرور 125 عاماً على تأسيس الحركة الصهيونية، التي جرت بداية هذا الأسبوع في بازل السويسرية، طبيعة الفعاليات كما التحضيرات حملت في طياتها العديد من المؤشرات؛ كالدور التاريخي لسويسرا وكيف جسدته حاضراً إبّان استضافة الحدث، وعبر ما بذلتهُ من جهود لضمان أمنه ونجاحه، نسب التمثيل والمعايير التي اعتُمِدت لعضويته، فعالياته وكيف تناولت مجتمعة كافة القضايا المرتبطة بالصهيونية ومشروعها، وطبيعة المدعوين والضيوف، وكيف أَخرجت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية الحدث للجمهورَين اليهودي وغير اليهود (على اختلاف تصنيفاتهم).

 

قراءات عديدة تناولت الحدث من زوايا مختلفة، كمكان عقده ولماذا لم يكن في القدس كما تم في أكتوبر العام 2020، بعيداً عن القول بأنه هناك تهديدات فعلية تتربص بالاحتفالية! كذلك مَن حضَر الفعاليات وبأي جزء منها، فقد تم تقسيمها لمؤتمرين واحدُ للقيادة وآخر للرياديين في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، مضمون الرسائل التي بعثها قادة إسرائيل وشركائهم من الغرب، وبأيّ لغةٍ صاغوها، وماهية الأدوار التي أدّاها ضيوف الحدث لصالح الصهيونية ومشاريعها. البعض وبذات السياق أشار لكيف تناول المؤتمرون التحديات التي تتهدد إسرائيل ومستقبلها، وإمكانية تعايشها واستمرارها (بظل أزماتها الداخلية) في الشرق الأوسط.

 

وبغض النظر عما يمثله المؤتمر بالنسبة للحركة الصهيونية، ودوره في بناء "الوطن اليهودي القومي" وتمكين مشروعها على أرض فلسطين ليغدو واقعاً، يمكن تلخيص نهجه في ثلاث أيدولوجيات؛ الأولى تكمن في تأصيل الصهيونية عالمياً، وتوظيف كل ممكن غربي وعالمي لصالح مشروعها القائم، وترسيخ كل مفهوم يؤكد أحقية اليهود بوطن قومي، الثانية تعميق الاستيطان سيما وأنه يشكل البعد التوسعي للمشروع، الثالثة التطهير العرقي وهو ما يتّضح عبر سياسات تطهير الأرض من شعبها الأصلي، بل وتطهير كل مكوّن ومعرفة وسياسة معارضة لذلك، تحت حجج عديدة محاربة اللاسامية واحدة منها.

 

هذا هو جوهر الفكر الصهيوني، فلا صهيونية علمانية ولا دينية بل هي أدوار تتكامل عندما يكون الشأن فلسطينياً، يتجلى ذلك خلال مؤتمر بازل سواء كان الأول أو الثامن والثلاثين تحت شعار "أرض أكثر، عرب أقل".

 

 

الحقيقة الراسخة وسط ذلك، أن الشأن السياسي الداخلي لا يُشكل منطلقاً لأجندات المؤتمر، بل يعتبرها قضايا ثانوية طالما أن كافة المكونات الصهيونية واليهودية والإسرائيلية تنخرط ضمنه لصالح الحركة وجوهر فكرها، الأمر الذي لمسناه في سلوك القائمين على حكومة إسرائيل اليوم ومعارضيها، تحديداً في اللقاءات التي عُقِدت مؤخراً بين نتنياهو وغانتس ولابيد، وكيف يتناحرون فيما بينهم على المزيد من إراقة الدم الفلسطيني ونهب الأرض، ومَن منهم الأكثر تطرفاً تجاه سيناريوهات حل الصراع (وتقزيمه).

 

على الجهة المقابلة؛ أطراف عديدة تترقب المناخ المحيط بالمؤتمر الثامن لحركة "فتح"، داخلية فلسطينية وخارجية مختلفة، فهذه المرة سيُعقد مؤتمرها بظل منعطف مصيري ينتظر الفلسطينيين، حيث القيادات التاريخية والمؤسِّسَة للثورة المعاصرة ستُفقد في المشهد، الثورة التي أدركت بكل مكوناتها طبيعة الصهيونية ومآلات فكرها.

 

ولذلك كانت طبيعة "فتح" هذه الحركة التحررية الوطنية التي انطلقت متصدية للحركة الصهيونية ومخططاتها. لكن وأمام هذا الـ "بازل" المتجدد في وجه القضية الفلسطينية، وبظل سيطرة الاحتلال الدولة، ما الذي يعتري أروقة "فتح"؟ وكيف تتناول شؤونها الداخلية؟ بالتلازم مع كونها الفصيل الأكبر الذي يحدد سياقات المشهد الفلسطيني على اختلاف مناحيه، بظل الاحتلال وسياساته، وسط منطقة تعج بالأزمات وتذهب بعيداً عن القلب (فلسطين) أساس الحل أو الاشتعال.

 

وعليه نتساءل؛ أيّ مؤتمر تريد "فتح"؟ وهل يستقيم بهذا الخضم الحديث عن خلافاتٍ تدور بين أعضاء خليتها الأولى، بالوقت الذي تحتضن فيه بازل مكونات الصهيونية الإسرائيلية والعالمية! وهل هو مجدٍ صنع مقاربات بين واقع الحركة الوطنية بمكوناتها ونماذجها والأحزاب الصهيونية!.

 

 وهل اللغة الطارئة المُستَخدمة بهدف التحشيد والتجييش، أو الانتقاد والتنافس حد التشكيك ستُغْني، مقابل طرح "بازل" جملة من المشاريع التطهيرية التوسعية؟ وما بين القطع أو الاستمرارية أي نهجٍ ستعتمد "فتح" لمؤتمرها، بِظل تنامي اليمين المتطرف في دولة الاحتلال؟ وفي مواجهة 80% من اليهود الذين يعارضون حل الدولة الواحدة ولا خوف لديهم من تحول إسرائيل لدولة "أبارتايد"، ما هي طبيعة المشاريع الشعبية والاجتماعية والاقتصادية التي ستتبناها برامجاً لمؤتمرها؟.

 

التساؤلات الأبرز بهذا الشأن؛ أية معايير ستعتمد قيادة "فتح" لعضوية مؤتمرها العام، تصدياً لما تَكشّفَ فور انتقاد برنارد هنري ليفي عرّاب ما سُميّ بال "الربيع العربي" خلال المؤتمر الصهيوني ال 38، الذي وجهه لإسرائيل وبأنها تعتَبر الشتات اليهودي (الدياسبورا) مكوناً ثانوياً، وتجلى في رد مريام ناعور عليه باستعراضها للمادة الخامسة من قانون القومية والذي ينص على حق كل يهودي في العودة لإسرائيل؟.

 

وكيف ستُحدد رائدة النضال الوطني مساراتها لمواجهة مواقف الدول القائمة على فكر التفوق والعنصرية، الوصيّة على المشروع الصهيوني بل والداعمة لتمكينه، بظل الشرذمة التي أصابت المنطقة العربية، وتخلي العديد عن مسؤولياتهم تجاه القضية العادلة لِيُترك الفلسطيني منفرداً في مواجهة المشروع الغربي الاستعماري؟ وهل ستتبنى "فتح" ورشة تهدف لتعزيز وتمكين منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، في وجه الصهيونية المنظمة؟.