06:24 am 25 يونيو 2022

الصوت العالي

كتب د. علاء فريحات: القضاء الفلسطيني من انصاف المظلومين الى البرجوازية العمياء

كتب د. علاء فريحات: القضاء الفلسطيني من انصاف المظلومين الى البرجوازية العمياء

رام الله – الشاهد| كتب د. علاء فريحات: في ظل ما تمر به البلاد من مصائب وأوضاع اقتصادية سيئة جدا تطل علينا السلطة التنفيذية وبالتعاون مع مجلس القضاء المسلوب بنظام غير دستوري يقضي برفع رسوم التقاضي على المواطنين أمام المحاكم الفلسطينية بنسبة وصلت بمتوسطها الى 1000% حيث كان الحد الأقصى للرسم 500 دينار وأصبح بالتعديل الجديد 2500 دينار عن المرحلة الأولى من مراحل التقاضي.

 

وكان الحصول على قرار الحكم معفاة من الرسم بنسخته الأولى وحدد التعديل رسم للحصول عليه بنفس قيمة رسم الدعوى وكذلك الامر لتنفيذ الحكم يجب دفع هذا الرسم أيضا، وقد خرج نظام رسوم المحاكم الفلسطيني عن كافة مبادئ القانون المستقرة واهمها مجانية التقاضي.

 

حيث نص القانون الأساسي الفلسطيني وهو الدستور المؤقت لدولة فلسطين في المادة 30 منه على أن (التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل فلسطيني حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وينظم القانون إجراءات التقاضي بما يضمن سرعة الفصل في القضايا. يحظر النص في القوانين على تحصين أي قرار أو عمل إداري من رقابة القضاء.

 

يترتب على الخطأ القضائي تعويض من السلطة الوطنية يحدد القانون شروطه وكيفياته) وللتوضيح للقارئ فأن الدعوى التي كان يدفع عنها في جميع مراحل التقاضي أمام محكمة البداية والاستئناف والنقض والتنفيذ لو فرضنا الحد الأعلى على نظام الرسوم السابق سيكون (1500) دينار عن جميع المراحل بحيث كان الحد الأعلى 500 دينار امام محكمة اول درجة و 250 دينار امام الاستئناف و 250 دينار امام محكمة النقض و 500 دينار لتنفيذ الحكم. وأما الآن فقد أصبحت هذه الرسوم 2500 دينار عن أول مرحلة و 1250 دينار رسم الاستئناف و 1250 دينار رسم الطعن بالنقض و 2500 دينار رسم الحصول على نسخة التنفيذ و 2500 دينار رسم التنفيذ و 25 دينار تصديق حكم محكمة البداية و 25 دينار رسم تصديق حكم الاستئناف و 25 دينار رسم حكم النقض ليكون المجموع (10075) دينار اردني وهذا أمر لا يمكن السكوت عنه من جميع مؤسسات المجتمع المدني.

 

فمبدأ مجانية التقاضي هو السِمَ الأبرز في القوانين والأنظمة القضائية المعاصرة والتي تتيح لكل فرد فقيرا أو غنيا اللجوء لقاضيه الطبيعي للحصول على حقه من خلال مؤسسات القضاء ويتعين على الدولة أن تقوم بدفع رواتب القضاء ومصاريف المحاكم لتمكين المواطنين من اللجوء للقضاء لاستيفاء حقوقهم بطريق القضاء وتجنبهم استيفاء حقوقهم بالذات، ومن أهم واجبات الدولة تمكين المواطنين من الحصول على حقوقهم بواسطة القضاء وبصورة مجانية.

 

ولا يوجد أي نظام قانوني يحترم نفسه في العالم يعتبر القضاء مصدر رافد لخزينة الدولة إلا أن مجلس الوزراء الفلسطيني وللأسف أبدع في هذا الشأن وأصبح يرى القضاء بالمنظور التجاري على مبدأ الربح والخسارة لا سيما وأننا نلاحظ بان القضاء وقبل التعديل كان يدر لخزينة الدولة مبالغ مالية طائلة وفقا لنظام الرسوم السابق.

 

ومع ذلك فان التقصير بمنظومة القضاء ومرافقه من قبل الخزينة العامة كان واضحا وجليا فحينما تلاحظ ما يتقاضاه القضاة من رواتب والمباني التي تستخدم للمحاكم المستأجرة كشقق سكنية في بعض المحاكم تقف أمام عظمة هذا الاسفاف مصاب بالتوحد ما بين ما يجب وما هو كائن.

 

إن الضعف في النقابات والمؤسسات والذي فرضته السلطة التنفيذية على المجتمع الفلسطيني كان هو السبب الرئيسي في تغول السلطة التنفيذية على جميع السلطات الأخرى حتى وصلنا الى ما نحن عليه اليوم.

 

فالمتضرر الأول والأخير من رفع هذه الرسوم هو المواطن الفلسطيني الذي سيجد نفسه إما كاظما للغيظ وساكت عن حقه دون مطالبة لعدم تمكنه من دفع الرسوم عن المطالبة به قضائيا وعدم رغبته باستيفاء حقه بالذات أو ستجده مجرما ملاحق بجرائم متعددة كان سببها محاولة حصوله على حقه بالذات بعيدا عن القضاء الجديد البرجوازي.

 

 

فالأصل أن تعمل الدولة على الحد من الجريمة ولكن للأسف بتنا نلاحظ كرجال قانون ومواطنين في الفترة الأخيرة أن الدولة تسعى جاهدا لوضع القوانين والأنظمة التي تجبر المواطن الفلسطيني على أن يكون مجرما.

 

فاحترام القانون هو شعور داخلي تعززه الدولة من خلال ما تشرعه في قوانينها وانظمتها التي تبعث الطمأنينة للمواطن وتجعله منتشي الشعور بالعدالة والتي للأسف أصبحت منعدمة في ظل الحكومة الحالية والسابقة ومجلس القضاء المتعاون مع السلطة التنفيذية كأحد أقسام السلطة التنفيذية، متناسين أصحاب القرار والمعالي أنه لا يمكن أن تقوم دولة وتنشأ دون الفصل بين سلطاتها الثلاث فصلا عضويا وشكليا.

 

فيجب أن تقوم السلطة التشريعية بسن القوانين واحكامها وعلى السلطة القضائية تطبيق القانون وعلى السلطة التنفيذية تنفيذه ولا يمكن ان تعتدي سلطة منهن على الأخرى  فهذا المبدأ هو مبدأ رئيسي للديمقراطية في جوهرها، تماما على نحو يماثل في ذات الأهمية مبدأ سيادة الأمة والشعب فضوابط كل سلطة من السلطات الثلاث توجب ان لا يخرج أي منها عن اختصاصاته وصلاحيته لان ذلك يعد اعتداءً على السلطات الأخرى.

 

إن حرمان المواطن من اللجوء لقاضيه الطبيعي يعني تعدي من الجهات التي من المفروض أن تقوم على احترام القانون الأساسي بالتعدي والتجني عليه وعلى أحكامه فمن البديهي والمعلوم يقيناً أن أسمى القوانين واعلاها في الهرم التشريعي الفلسطيني هو القانون الأساسي فلا يجوز دستورياً إصدار أي قانون أو نظام يتعارض مع احكام القانون الأساسي ولكن للأسف وفي ظل غياب المجلس التشريعي والصمت المطبق لمؤسسات المجتمع المدني تغولت السلطة التنفيذية على جميع السلطات وهدمت نظام التقاضي الفلسطيني.

 

إذا كان القضاء والتعليم بخير فالبلد كله بخير وللأسف نحن لسنا بخير ومن القائم على تجهيل هذا الشعب وحثه على الجريمة ووضعه في منتصف الطريق حائرا ضائعا؟ أسئلة كثيرة تدور في سماء الفكر المقيد لا إجابة لها لان الإجابة عليها ستكون جريمة معاقب عليها قانونا.

 

وفي تدقيق هذا النظام الجائر نجد ان معد النظام قد جعل من التحكيم الذي من سماته الاقتصاد في الوقت والتكاليف نظام مكلف وفقا لما نص عليه وأوجب دفعه كرسوم تصديق احكام المحكمين والطعن بها ومن المعدل اسفافا أيضا رسوم حلف اليمين اما القضاء الذي كان يدفع عنه رسم رمزي مقداره 5 شواقل واصبح الآن وفقا للتعديل 25 شيقل فالقسم باسم الله رسمته حكومتنا الفاضلة.

 

 ولا يمكن الإشارة الى جميع الرسوم في هذا المقام لعدم الاطالة. وأكاد أقسم أن من اعد هذا النظام لا يعلم في القانون أو فقه القانون أبجدياته وأساسياته. فإذا كان قد اتطلع معد النظام على القوانين والغاية التشريعية منها وأصر على هذا التعديل فهذه مصيبه وأن لم يكن يعلم الغاية التشريعية لكل قانون فالمصيبة اكبر.

 

وانا أجزم أنه وللأسف أتطلع عليها ويعلم الغاية التشريعية ولكنه أصر على التعديل ارضاء الاولياء نعمته ضاربا بعرض الحائط المصلحة الوطنية، وعلى الهامش نشير أننا بتنا في دولة جباية رسوم تفتقد الامن والأمان والآن أصبحت دولة بلا قضاء ولازال الصمت سيد الموقف.

 

وفي الختام على جميع أطياف الشعب الفلسطيني المحاربة لإعادة دور المجلس التشريعي والوقوف على قلب رجل واحد في مواجهة هذا النظام دون سكوت أو مهادنة وإن لم تكن نقابة المحامين على رأس الحربة فلتغلق أبوابها ويستقيل مجلسها ويعودوا لبيوتهم ولأطفالهم أكثر شرفا من سكوتهم.

 

وإذا لم نقم بدورنا النقابي والمهني فهذا يعني اول الطريق للسيطرة على نقابة المحامين التي تضعها السلطة التنفيذية نصب عينها لعلمها مدا تأثيرها في الشارع الفلسطيني فمن يحكم نقابة المحامين ويطويها تحت جناح السلطة التنفيذية هو مجرم بحق شعب ووطن.